لا يمكن لزائر معرض آية بن ناصر، المقام حاليا بالمعهد الفرنسي في الجزائر، أن يخرج منه كما دخله، حيث يجد نفسه أمام 15 لوحة تحمل رسومات عميقة، ذات دلالات عديدة، لم تتبن فيها الفنانة الجماليات المعتادة، بل رسمت عالمها المستنبط من واقعنا القبيح في أغلب حالاته. حامت شخصيات آية بن ناصر كثيرا حول رأسها، وحتى داخله، ولم تتمكن من التغلب عليها إلا بسجنها في لوحات وتقاسمها مع الجمهور، علها تتحرر منها ويستفيد الآخرون من الرسائل العديدة التي تنبثق منها. عنونت آية معرضها هذا ب"الجلد المقلوب"، ونظم مؤخرا بالمعهد الفرنسي في قسنطينة، لينتقل إلى نظيره بالجزائر العاصمة، إلى غاية 30 سبتمبر الجاري. في هذا السياق، قالت الفنانة، إنها أخرت تنظيم معرضها هذا لفترة طويلة، لكنها لم تعد تتحمل ذلك أمام تكاثر هذه المخلوقات حولها، والتي أصبح لها لسان وأفكار وحتى ذاكرة، كما عشعشت في داخلها تحديدا، في رأسها الذي لم تشأ آية أن يصبح مقبرة لها في حال فنائها، فقررت في يوم من الأيام تحريرها وتحرير نفسها أيضا. من جهتها، أكدت السيدة شارلوت آيلي، مدير المعهد الفرنسي بقسنطينة، قدرة لوحات آية على إثارة أحاسيس متناقضة، فيشعر زائر المعرض بالتعاطف والاشمئزاز والعجز، وحتى الضيق أمام هذه اللوحات، خاصة في اللحظات الأولى، لكن سرعان ما تزول كل هذه الأحاسيس أمام قدرة آية على الرسم ونضج تقنياتها، رغم أنها فنانة عصامية وتعرض أعمالها لأول مرة. وتابعت قائلة "عندما قابلت آية بن ناصر للمرة الأولى، شدني إليها تحرك جسدها بالكامل، وهي تتحدث عن أعمالها، أيضا حينما زرت بيتها العائلي في باتنة، شاهدت غرفتها التي تنام فيها مع أختها الرسامة سيرين، وبالأخص ذلك المكان الصغير الذي ترسم فيه آية". بالمقابل، تخفي آية بن ناصر في العديد من لوحاتها، فم الشخصيات المرسومة، مستسلمة للصمت في زمن كثر فيه التهريج، وتعالت فيه أيضا أصوات كثيرة، معظمها يتطرق إلى مواضيع سخيفة وتتهرب من القضايا المصيرية، وتلك التي توفر للإنسان حياة إنسانية، فاختارت الفنانة الصمت بعيدا عن الحروب والآفات بأنواعها، وحتى عن النميمة التي أصبحت موضة العصر ومست الرجال بنسبة متشابهة مع النساء. كما أرادت التشكيلية في لوحاتها هذه، إبراز تأثير الصمت على الكلام بدون فائدة، حتى أن الصمت في الكثير من الأحيان يتحول إلى لغة قد تكون أكثر فهما من الثرثرة، خاصة إذا صاحبته النظرات التي بدورها تعبر عن الكثير من الأمور. وجاءت شخصيات آية في أغلبها غير جميلة مثل لوحات "كلمة" و"لوحة ثقيلة"، فهل أرادت بذلك أن تؤكد قبح هذا العالم الذي بالغ في التزيين لإخفاء قبحه وشروره، ولكن هيهات فالفن والأدب كفيلان بفضح المستور. رسمت آية في لوحة "الكامل"، جسدا مفككا لرجل يرفع يديه وكأنه يرقص رقصة الموت المشهورة في القرون الوسطى، أو كأنه يتمسك بالحياة التي تحاول مغادرة جسمه الضعيف، في محاولة الانتصار للحياة، في ظل تراجع رهيب للإنسانية. وفي لوحة ثانية، رسمت وجه امرأة عجوز لا تملك مبسما، وكأنها أرادت بذلك التلميح إلى عدم إنصات الشباب لنصائح الكبار، فأصبح حديث الشيوخ والعجائز، وبالأخص حكمهم وخبرتهم في الحياة، في مهب الريح. دائما مع أصحاب الخبرة، رسمت التشكيلية في "لوحة ثقيلة" وجه رجل كثير التجاعيد وكأن وجهه تعرض للضغط، فالإنسان في حياته يتعرض إلى الكثير من الضغوط التي تنعكس على مظهرنا الخارجي، حينما نتقدم في العمر. أما لوحة "كلمة" فرسمت فيها النصف العلوي لجسد عجوز تظهر عليه الحيرة، رغم أن آية لم ترسم له لا العينين ولا الذراعين، وقد تقصد بذلك، حيرة الإنسان في كبره من التغير في المبادئ لدى الشباب والتراجع في القيم، وفي ذلك لا يستطيعون فعل أي شيء ولا تغيير هذه الأمور. رسمت بن ناصر أيضا لوحة "السرة"، حيث رسمت سرة في وسط اللوحة التي لونتها بالأسود، قد يكون لذلك مغزى، باعتبار البعض أنهم مركز العالم، وهم في الحقيقة غير ذلك، بل قد يكونون عكس ذلك تماما، أو أن يكونوا من الناس الذين يلحقون الأذى بالآخرين، بالتالي مكانهم على الهامش وليس في المركز. وعنونت لوحة أخرى ب"إذا نظرت إليه سيتغير"، قد تعني بها الفنانة، رغبة البعض في تغيير الأشخاص المحيطين بهم، متجاهلين بذلك حقيقة موطن التغيير الذي يكون داخل الإنسان وليس خارجه. ودائما مع النظرات، رسمت آية في لوحة "العين" عينا تنظر على جنب، فهل تقصد بذلك مراقبة الناس والتدخل فيما لا يعنينا؟ في زمن تضاعف الحسد والغيرة، وكذا عدم اهتمام الفرد بحياته، بل يصبو دائما إلى النظر في أمور الغير. أما لوحة "السلطة"، فرسمت فيها وجها ينظر بصرامة ويظهر عليه أنه صاحب سلطة. وقد يكون نفس أمر صاحب لوحة "هذه اللوحة ترفض العنوان"، ويظهر فيها جسد مفكك ينظر بصرامة ممزوجة بالخوف، ومع ذلك رفض أن يكون له عنوان. للإشارة، ولدت آية بن ناصر عام 1997، درست اللغة والآداب الفرنسية بالمدرسة العليا لقسنطينة، شرعت في الرسم ابتداء من عام 2019 فكانت ترسم بوتريهات للأسماء الأدبية والفلسفية الكبيرة التي أحبتها وتعلقت بكتاباتها، مثل ميشال فوكو وكافكا وفلاديمير لينين، وشيئا فشيئا، طورت من رسمها وأصبح لها عالمها الخاص، كما أنها موسيقية ومغنية في طابعي "البلوز" و"الجاز"، علاوة على ممارستها لفن النحت وصنع الحلي.