تعيش العائلات بتيبازة، أصدق اللحظات وأكثرها دفئا، عندما يتعلق الأمر بصيام الطفل لأول مرة، فتتنوع اللحظات بين التشجيع والفرحة، وتمتزج فيه مشاعر الفخر بالقلق من جهة، والتحدي الذي يتحلى به الطفل بصيام يوم كامل، ليتم الاحتفاء به في السهرة، وتكريمه، لتحقيق إنجاز طال انتظاره. منذ اللحظة التي يقرر فيها الطفل خوض التجربة، تبدأ العائلة في التحضير النفسي والعملي، وهذه التجربة تحظى باهتمام بالغ في أوساط العائلات بتيبازة، حيث تختلف طريقة الاحتفاء بها بين العائلات، إلا أنها تتفق على ملامح أساسية. ففي العديد من الأحياء العتيقة، كمدينة تيبازة القديمة وشرشال وقوراية، يطلق على هذا اليوم اسم "نهار الديك"، فهو تقليد متجذر، يشرحه الحاج منصور بقوله "الديك رمز الرجولة والانتصار على النفس، فعندما يقرر طفلنا الصيام لأول مرة، نذبح ديكا في يوم إفطاره ، إنه درس عملي له، بأن الصيام يحتاج إلى عزيمة وإرادة، كصياح الديك الذي لا يمل ولا يتعب". ليلة استثنائية.. هدايا وأطباق تقليدية مع اقتراب أذان المغرب في ذلك اليوم التاريخي للصغير، يتحول البيت إلى ورشة عمل مصغرة لاستقبال "الصائم الجديد"، فإلى جانب الأطباق الرئيسية ك"الشربة"، "البوراك" و"الحميس"، تحرص الأمهات على تحضير أطباق تقليدية خاصة بهذه المناسبة، فيتم إعداد أطباق خاصة، قد تختلف من بيت لآخر، لكنها تحمل نفس معاني الحب والتشجيع، كما تحرص الجدات على تقديم طبق "السمسم" أو "المخلعة" للصغير، وكأنها مكافأة على صبره، تعبيرا عن الفرحة وتشجيعًا للطفل على إكمال صيامه. وفي نهاية اليوم، لا يخلو الأمر من هدية أو مبلغ مالي صغير، يُقدم للطفل، تخليدا لهذه الذكرى وتحفيزا له على الاستمرار في باقي أيام الشهر. ولم تتخل بعض العائلات عن عادة رمزية جميلة، حيث تضع الأم خاتما من الفضة في كأس من اللبن أو "العيران"، وتناوله لطفلها عند أول رشفة إفطار، في إشارة إلى صفاء نيته ونقاء صيامه. "سليمة" أم لثلاثة أطفال من مدينة حجوط، تروي تجربتها مع ابنتها الكبرى "مروة"، البالغة من العمر 9 سنوات: "ابنتي مريم، كانت متحمسة جدا لتجربة الصيام، حتى تقلد أخاها الأكبر، لكنني كنت أخشى عليها من العطش، ففي اليوم الأول، أيقظتها للسحور وأخبرتها أنها حرة، إن شعرت بالتعب فلتشرب سرا ودون أن يراها أحد، المهم أن تعتاد الفكرة وتحبها، غير أنها فاجأتنا بصيامها يوما كاملا، وعند الإفطار، كانت فرحتها وسعادتها لا توصف، شعرت بأنها انتصرت على نفسها". بين الحماس والإجبار ضرورة التدرج لصحة الطفل غير أن هذه الفرحة الكبيرة، قد تتحول أحيانا إلى عبء نفسي على الطفل، إذا لم تُحسن العائلة إدارة هذه التجربة، فالحماس الزائد من قبل الأهل لرؤية طفلهم صائما، قد يدفعهم إلى الضغط عليه ومقارنته بأقرانه أو إخوته، مما قد ينعكس سلبا على نفسيته، ويخلق لديه نفورا داخليا من العبادة. ويقف الأطباء وأخصائيو التغذية ليذكروا بمسؤولية كبيرة، فالطفل ليس نسخة مصغرة من الراشد، واحتياجاته الجسدية والنفسية تختلف تماما عن الكبار. في هذا السياق، تحذر الدكتورة أسماء زمورة، أخصائية طب الأطفال، من التسرع في إجبار الأطفال على الصيام قائلة: "جسم الطفل النامي يحتاج إلى سعرات حرارية وسوائل بشكل منتظم، فالصيام لساعات طويلة قد يؤدي إلى الجفاف، خاصة مع الحر، مع ضعف التركيز، يجب أن يكون الصيام تدريجيا، وأن يبدأ بنصف يوم، ثم يتوسع، مع التركيز على وجبتي الإفطار والسحور الغنيتين بالماء والعناصر الغذائية الضرورية". تضيف الدكتورة، أن التوقيت هذا العام، يشكل تحديا إضافيا، حيث يتزامن رمضان مع فصل الربيع وفترة الاختبارات الدراسية، مما يستدعي متابعة دقيقة للطفل الصائم. ويؤكد الأخصائي النفساني بشير عباد، أن الضغط على الطفل لصيام أيام كاملة تحت التهديد أو المقارنة، يخلق عنده نفورا داخليا، الأفضل أن نجعل من الصيام لعبة أو تحديا إيجابيا، وأن نشرح له معناه بأسلوب يناسب عمره، ونربطه بقيم المحبة والعطاء، كمساعدة المحتاج أو التبرع بجزء من مصروفه، وهذه هي التربية الحقيقية". يبقى الصيام الأول للأطفال محطة فارقة في حياتهم، ولحظة يختبر فيها الصغير إرادته، وتختبر فيها العائلة قدرتها على الموازنة بين الحفاظ على التقاليد الأصيلة، وحماية صحة ونفسية أطفالها، بين رائحة "الديك" المشوي ونظرة الفخر في عيني الأب، وبين كوب اللبن البارد وابتسامة الأم الحنون، تكبر الأجيال الجديدة في تيبازة على حب رمضان، شهر الصيام والذكرى.