يقع مسجد "أحمد باي"، في قلب المدينة القديمة بعنابة، وهو يعتبر من أقدم وأجمل المساجد التي بنيت في العهد العثماني بالجزائر. فمنذ تأسيسه عام 1792م، وهذا المسجد يفتح أبوابه لكل المصلين والوافدين إليه من سياح أجانب وحتى محليين، حيث يقع بالقرب من الميناء وفي حي "بلاص دارم"، المعروف بأزقته الضيقة، التي تفوح منها رائحة الماضي. وقد أراد صالح باي (الذي يُعرف المسجد باسمه أيضاً)، حين أمر ببنائه، أن يكون مكاناً يجمع أهل العلم والمصلين، وبالفعل صار هذا المسجد بمرور السنين، رمزاً للمدينة لا يمكن لأي زائر لعنابة أن يمر دون أن تقع عيناه على مئذنته الفريدة. ويتميز المسجد بتصميم بسيط، لكنه مميز في هندسته المعمارية، فالمئذنة ليست دائرية كأغلب المساجد، بل هي على شكل هرمي مقطوع بقاعدة مربعة، ويصل ارتفاعها إلى حوالي 25 مترا، مما يجعلها علامة بارزة في سماء الحي العتيق. وعند دخولك إلى المسجد، ستلاحظ فوراً الطابع التركي الأناضولي في الأبواب الخشبية الضخمة والأقواس المزينة بألوان جميلة، والتي تذكرنا بمساجد الأندلس القديمة. وما يجعل هذا المسجد مميزاً حقا، وجود نافورة في وسطه، مزينة بفسيفساء يقال إنها مرصعة بماء الذهب، وهي تعطي المكان جوا من الانتعاش والجمال، الذي لا تجده في أي مكان آخر. ومع حلول شهر رمضان المبارك، يتحول مسجد "أحمد باي"، إلى قبلة حقيقية لكل سكان المدينة القديمة وما جاورها، فمن صلاة الفجر إلى صلاة التراويح، يمتلئ المسجد بالمصلين من كبار السن والشباب، وحتى الأطفال الذين يأتون مع آبائهم، حيث يفضل الكثيرون أداء صلاة التراويح فيه، بسبب أجوائه الروحانية العالية، وصوت المقرئين الذي يبعث الطمأنينة في القلوب. وفي زوايا المسجد، تُقام حلقات لتعليم القرآن الكريم وذكر الله، وهي عادة قديمة بدأت منذ قرون، عندما كان المسجد يستقبل علماء كبارا من جامع الزيتونة بتونس، ومن الأزهر الشريف بمصر، ليقدموا دروسهم ومواعظهم للناس. ولا يتوقف دور المسجد عند الصلاة والعبادة فقط، بل هو مكان للتكافل الاجتماعي وجمع شمل أهل المدينة. ففي ليالي رمضان، نرى العائلات العنابية الأصيلة وهي تتسابق لتقديم الصدقات وتوزيع التمر والحليب على المصلين وعابري السبيل. كما تُقام فيه احتفالات دينية بسيطة وجميلة، تُدخل الفرحة على قلوب اليتامى والمحتاجين، مما يجعل المسجد مكانا يشعر فيه الجميع بالدعم والمحبة. وجعل هذا الارتباط القوي المسجد يصمد طوال هذه السنين، رغم كل الظروف المختلفة التي مرت بها المنطقة.