تدعّم قطاع الشؤون الدينية والأوقاف بولاية قسنطينة، بمسجد "الكتانية". هذا الصرح الديني والثقافي السياحي الذي كان مغلقا لسنوات، ثم رُمِّم ضمن عملية سُجلت لمديرية الثقافة بالولاية، ضمن مشاريع قسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015، ليفتتح أبوابه أمام المصلين بالنسيج العمراني بقلب المدينة القديمة. حيث قررت المديرية الوصية فتح هذا البيت من بيوت الله خلال شهر رمضان الفضيل؛ من أجل استقبال المصلين خلال صلاة التراويح. صالح باي أراد إعمار المنطقة بتشييد مسجد ومدرسة قرآنية جاء الجامع والمدرسة ضمن النظرة التوسعية للحاكم صالح باي، حيث كان يريد إعمار الجهة الشمالية للمدينة من خلال بعث عمليات تجميل، خاصة أنها كانت عبارة عن تلال ومنحدرات، تكسوها الأعشاب البرية لقلة المترددين عليها. ولم تكن تظهر فيها سوى بيوت متواضعة المظهر. وفي نهاية القرن الثاني عشر للهجرة كانت المنطقة الواقعة بين نهاية "شارع فرنسا" وساحة "سيدي جليس" وباب "القنطرة"، لا تشبه بقية المدينة في شيء. وكانت حدود المدينة المأهولة تنتهي عند "مقعد الحوت". وفي تلك الحقبة انشغل صالح باي وهو الحاكم الوحيد للولاية الذي امتلك رؤية إدارية بعيدة بتجميل مدينة قسنطينة. وقام الباي ببناء مدرسة سيدي الكتاني، ثم المسجد الذي يحمل الاسم نفسه، وصولاً إلى "الحريم" الذي يمتد على طول الساحة. كما منح جميع الأراضي الخالية الواقعة وراء تلك المنطقة، لليهود الذين كانوا مشتتين في أنحاء المدينة شرط أن يبنوا فيها منازلهم. وهكذا تجمّعوا في حي جديد خُصص لهم تحت نظرة ومراقبة الباي، منعزلين بعاداتهم وديانتهم عن بقية السكان. 12 مليارا لترميم مسجد الكتانية أكد مدير الثقافة بقسنطينة فريد زعيتر، أنه تم خلال عملية الترميم التي شهدها هذا الضرح الديني، ضمن مشاريع قسنطينة عاصمة الثقافية العربية 2015، الحفاظ على الطابع المعماري الأصيل لهذا المسجد، وهندسته الفريدة، التي تضم العناصر المعمارية المتنوعة؛ على غرار الرخام والزليج بهذا المعلم المدرج في قائمة 1900 التي تضم المعالم التاريخية، والمواقع الأثرية المصنفة ضمن التراث الثقافي الوطني المحمي، بقرار صادر في الجريدة الرسمية رقم 7، مؤرخ في 23 جانفي 1968. وحسب مدير الثقافة بولاية قسنطينة، فإن المسجد الذي تمت إعادة فتحه مجددا أمام المصلين خلال صائفة السنة الفارطة من قبل والي قسنطينة في إطار الاحتفالات بالذكرى 73 لعيدي الاستقلال والشباب، كلفت عمليات ترميمه غلافا ماليا في حدود 12 مليار سنتيم، يدخل ضمن الجواهر المعمارية الجزائرية المحمية، التي تعكس ثراء وتنوع التراث المادي الجزائري. جدارية رخامية تؤرّخ للمسجد تم وضع جدارية رخامية كبيرة في مدخل المسجد على الجهة اليسرى للباب، تم تشييدها في عام 1423 هجري الموافق ل 2003 ميلادي، تحكي تاريخ هذا الصرح الديني، الذي جاء فيها، وبعد بسم الله الرحمن الرحيم، لوح تذكاري عن مسجد سيدي "الكتاني"، حيث تشير الجدارية إلى أن المسجد الكتاني سمي بهذا الاسم، نسبة إلى ولي صالح مدفون بهذه الرقعة. وتشير مصادر أخرى إلى أنه يتعلق بالولي الصالح الكتاني عبد الله بن الهادي بن يحي الثالث. وهو شيخ مربّ، وعارف مصلح، وُصف بالولي الصالح، والإمام القطب. وتوفي عام 490 هجري 1096 ميلادي؛ حيث دُفن بقسنطينة. وبُني عليه ضريح، ومسجد جامع، ومدرسة قرآنية. وتوضح الجدارية لزوار هذا المعلم الديني والثقافي، أنه قد تم تشييد هذا الجامع على يد صالح باي بن مصطفى، الذي حكم قسنطينة من عام 1185 إلى 1207 هجري، 1792 إلى 1802 ميلادي، وهو الذي أنشأ، أيضا، المدرسة الموجودة بجانب جامع الكتانية عام 1200ه، الذي تم جلب دعائمه الرخامية وأهم مواد بنائه من إيطاليا؛ حيث أوقف على المسجد والمدرسة أموالا عقارية عظيمة من خالص ماله، في شهر ربيع الثاني عام 1190 هجري الموافق ل 1776 ميلادي. وتضيف الجدارية أن هذه الأموال استولت عليها السلطات الفرنسية خلال الاحتلال. كما تشير إلى أن صالح باي شكّل لجنة من علماء مختلف المذاهب مؤلَّفة من المشايخ عبد القادر الراشدي مفتي الحنفية، وشعبان بن جلول قاضي الحنفية، والشيخ العباسي قاضي المالكية، قامت بتنظيم الأوقاف، والحركة العلمية بالمسجد والمدرسة. وتؤكد الجدارية أن السلطات المحتلة الفرنسية استولت، أيضا، على النسخ الأربعة التي جمعت فيها الأعمال العلمية للمسجد، والتي كانت نسخة منها عند أمين بيت المال، ونسخة لدى شيخ البلد، ونسخة لدى القاضي الحنفي، والنسخة الرابعة لدى القاضي المالكي. وحسب الجدارية، فإن النص الأصلي لهذه الأعمال نشره الترجمان الفرنسي فيرو في تاريخه لمدينة قسنطينة، عندما زار نابليون الثالث مدينة قسنطينة في عام 1869 ميلادي. هذا الأخير أمر بإدخال إصلاحات على الجامع والمدرسة، مثل ما تدل عليه لوحة تذكارية على واجهة باب المسجد والمدرسة. هندسة معمارية عثمانية بمواد فاخرة يتميز مسجد "الكتانية" بقلب المدينة القديمة بقسنطينة، بتصميمه المستطيل، وطرازه العثماني؛ حيث يضم قاعات مزخرفة، وأعمدة رخامية مستوردة من إيطاليا. يتواجد فيه مصلى الباي، ومحرابه الجميل، وغرف صغيرة، وديوان الباي، وقبور لعائلة الباي تضم زوجاته وأبناءه. ويطل المسجد على الفضاء الخارجي من خلال بابين؛ باب يطل على سوق العاصر. وهو باب كبير مستطيل، تعلوه بناية في شكل برج. وتنتهي بشكل مثلث يضم دائرة، فوقه ثلاثة مجسمات. في كل جزء من المثلث مجسم على اليمين وعلى اليسار في شكل وعاء نباتي، في حين تحمل النبتة التي في رأس المثلث الهلال. أما الباب الثاني وهو باب خشبي فقد جاء على يمين البناية في اتجاه شارع 19 ماي 1956، أو ما كان يُعرف قديما برود "شوفالي". وخلال الدخول إلى مسجد "الكتاني" عبر الباب الرئيسي، يجد الزائر نفسه أمام درج عريض من الرخام الممزوج باللونين الأبيض والأسود، حيث خُصص الرواق ذو الدرجات السوداء للمصلين الداخلين، مع وجود نافورة بعلو حوالي مترين في فناء المسجد، محاطة بشجر النارنج، تضم حوضا يعلوه صحن كبير، وآخر صغير باللون الذهبي كان يُستعمل للوضوءو مع وجود، أيضا، قاعة للوضوء في الجهة اليمنى، تضم 6 كراسي من رخام. وسقفها مقوس. وفي أعلى الدرج يجد الزائر نفسه في صحن مبلّط بالرخام الأبيض، تحيط به أروقة جانبية. ويضم المسجد مئذنة تقع في الجهة المقابلة للمدخل. أما قاعة الصلاة فتضم ثلاثة مداخل، كل مدخل يضم بابين من خشب بزخرفة إسلامية. تعلوها آيات قرآنية في كل مدخل. وعند دخولها يبرز المحراب المزخرف بالنقوش الأندلسية (الأرابيسك)، والمدعوم بأربعة أعمدة صغيرة. وهو المكان الذي يؤم فيه الإمام المصلين باللون الأزرق، والبني والأبيض داخل المحراب، في أشكال رسومات نباتية، تعلوها آيات قرآنية بلون ذهبي على خلفية خضراء، ثم أشكال هندسية في شكل دوائر ومثلثات وأزهار تميز القبب في المساجد. ويعلو المحراب قوس كبير مزيّن بأشكال هندسية مختلفة، يغلب عليه اللونان الأصفر والأخضر. ويضم الهيكل الداخلي للمسجد أعمدة من الرخام الأبيض تدعم الأقواس التي تقسم هذه المساحة الشاسعة إلى عدة أروقة، تعلوها قبتان في اتجاه المحراب. كما يضم طابق آخر "سقيفة" من الخشب البني المزيّن في بعض أجزائه برسومات في شكل أزهار وورود، تحمله أعمدة خضراء اللون من خشب، وأخرى بيضاء اللون من رخام. وتغطي جدران قاعة الصلاة مربعات من الخزف (الزليج) ذات نقوش متنوعة ومتناسقة مع نقوش المحراب. كما يعتلي الخزف في حدود متر ونصف متر، شريط أخضر بعرض حوالي 10 سنتمترات، مكتوب عليه باللون الذهبي بعض الأذكار. وتفترش الأرضية سجادات ناعمة الملمس من القطيفة باللونين الأخضر والأبيض، تغلب عليها أشكال المعيّنات، بينما تتكون الإضاءة من ثريات نحاسية بها فراغات في شكل زخارف، تسمح للضوء بالنفاذ. منبر رخامي يوجد منه ثلاثة في العالم فقط ما يميز مسجد "الكتاني" بقلب المدينة القديمة بقسنطينة وهو يطل على أقدم أسواق المدينة "سوق العاصر"، منبر فريد من نوعه لا يوجد مثله سوى 3 منابر في العالم، حسب المختصين، حيث يوجد منبر مثله بمسجد "كتشاوة" بالجزائر العاصمة، ومنبر آخر مماثل بأحد المساجد بدولة تركيا. هذا المنبر الذي ضم 9 درجات بعرض حوالي 60 سنتمترا وارتفاع حوالي 3 أمتار، يُعد مكسبا، ومفخرة كبيرة للجزائر، مصنوع من قبل حرفيين إيطاليين، من الرخام الخالص، بألوان مختلفة، من الأبيض إلى الأخضر والبنفسجي الفاتح، مزيَّن بنقوش هندسية ونباتية. كما توجد في مقدمته عبارة: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" . وأسفلها: "بنى منبرا بالعز والنصر صالح، له سبل الخيرات تاريخه رشد". المنبر موجود على يمين المحراب؛ حيث لا يدري المرء أيعجب لدقة الفن أم بجودة المادة؛ إذ اجتمعت فيه أغلب أجود أنواع الرخام!.