❊ قرارات مؤتمر طرابلس مراسيم تطبيقية لبيان الفاتح نوفمبر 1954 ❊ جرائم منظمة الجيش السري الإرهابية يندى لها الجبين، وبقاياها تزرع اليوم الكراهية تجاه الشّعب الجزائري تحيي الجزائر اليوم، عيد النّصر احتفاء بذكرى وقف إطلاق النّار في 19 مارس 1962... 64 عاما تمر على هذه المحطة التاريخية الخالدة التي توّجت ثورة الفاتح نوفمبر 1954 المجيدة، وأنهت استعمارا استيطانيا طويلا، ورفعت راية النّصر عالية فوق رؤوس الأشهاد.. عيد النّصر يعود مجددا ليذكّر من نسي بأن إرادة الأمم العظيمة لا تُقهر مهما اشتدّت عليها الخطوب، وأن تضحيات الشعوب الحرّة لا تخيب، وكفاحها من أجل كرامتها وحريّتها وسيادتها لا جزاء له إلا النّصر. لقد صُنع التاسع عشر مارس 1962، ببطولة وصمود ووحدة الشّعب الجزائري الذي التف حول ثورته وتمسّك بمبادئها وتصدّى لكل المحاولات الاستعمارية الدّنيئة لتشكيكه في قراراتها وفي قيادتها، وصبر على قسوة وجنون المعمّرين الذين تمسّكوا بوهم الجزائر فرنسية، وظنّوا أن 132 عام كانت كافية لتغيير حقائق التاريخ واستبدال شعب بشعب وهُوية بهُوية ونهب أرض مباركة لفظت الغزاة على مر السنين، لقد كان قرار تنظيم استفتاء تقرير المصير الذي أعقب وقف إطلاق النّار صفعة قوية للفكر الاستعماري الغبي، وبرهانا جديدا على تهالك منطقه المتغطرس الفاسد، وتصحيحا لمسار أعرج ظل الاستعمار الفرنسي يشد على اعوجاجه بالظلم والقتل والاستبداد.. إقرار الاستفتاء على تقرير المصير كان إعلاء لكلمة الشّعب الذي خاض حربا وجودية، وإعلان أن لا مفر من الاحتكام لإرادته والانصياع لخياره، وتنفيذ قراره الذي توارثته الأجيال منذ عام 1830، وتناقلته سرا وعلانية وهو الاستقلال الكامل. أذكر بفخر وشجن احتفالات الجزائريات والجزائريين بقرار وقف إطلاق النّار، بعد مفاوضات عسيرة قادها أبطال أشاوس من الحكومة الجزائرية المؤقتة، بندّية ثورية قوّضت الفوقية الاستعمارية، وبعبقرية دبلوماسية متفرّدة فرضت على المستعمر الفرنسي مواجهة نفسه ككيان دخيل على الجزائر، وذلك عبر اعترافه باستقلالها، وبأنّ محاولاته إجهاض ثورة نوفمبر باءت بفشل ذريع أمام شعب موحّد ركن كل الانتماءات جانبا إلا للوطن، والتف حول جبهة التحرير الوطني المعزّزة بوطنية خالصة، وجيش التحرير الوطني المجهز للنّصر أو الشهادة.. احتفل الجزائريون موحدين كما كافحوا موحدين، وساروا لصناديق الاستفتاء موحدين ودعموا غير متردّدين مطلب الاستقلال بنعم واحدة لا "لاء" لها... الاحتكام إلى الاستفتاء شكّل في حد ذاته نصرا مدويا للثّورة، فمن خلاله انهزم الاستعمار مرتين: مرة بقوة السلاح، ومرة بقوة الاختيار. إن قرار وقف إطلاق النّار رغم أنه تحوّل إلى عيد يبعث على البهجة والاعتزاز بأمجاد وانتصارات الأمّة، لكنه يعيد إلى ذاكرتي المآسي والأهوال التي مرّت علينا في تلك الحقبة الاستعمارية العصيبة، والمجازر التي أزهقت ملايين الأرواح الطّاهرة داخل الجزائر وخارجها، لذلك جاء النّصر بعظمةٍ تناسب فظاعة الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في حقّ الجزائريات والجزائريين، وبشاعة الإبادة الجماعية والقمع الدّموي الذي واجه به شجاعتهم وإصرارهم على تجسيد الأهداف التي سطّرتها الثّورة. لم يكن النّصر سهلا، ولم تصمت البنادق في التاسع عشر مارس 62 إلا بعد مسار تفاوضي عسير، ومعارك سياسية وعسكرية ودبلوماسية وقانونية ضارية، وبعد تماسك متين واجه به الجزائريون المناورات الفرنسية الرامية إلى زرع الفتن ونسف الثّورة من الداخل، وتزيين نوايا الاستعمار الخبيثة بمبادرات مسمومة تقايض ثورة الشجعان بسلم الشجعان وهيهات أن يتساويا... لقد تخبّطت الإدارة الاستعمارية بقيادة الجنرال ديغول، بين عدة خيارات بائسة لامتصاص الغضب الثّوري العارم في الجزائر، وانتهت إلى خيار واحد هو الإذعان لمطالب الثّورة من أجل إنقاذ فرنسا والشّعب الفرنسي. كما عاثت منظمة الجيش السري الإرهابية قتلا وإفسادا بهدف الإبقاء على الوجود الفرنسي في جزائر أرادوها رهينة، ينهلون من خيراتها بلا حقّ ولا حساب، وقد سقط مئات من الشهداء في تلك الفترة العصيبة الحالكة. جرائم منظمة الجيش السري في آخر سنوات الاستعمار في الجزائر يندى لها الجبين، ومنها حرق المكتبة المركزية لجامعة الجزائر التي اُتلفت كنوزها القيّمة بحقد شيطاني ممزوج بصدمة الهزيمة... هذا الحقد المتوارث عبر أجيال من الكولونياليين الجدد لا يزال يبثّ سمومه في الأوساط الرسمية الفرنسية، فبقايا تلك المنظمة المتطرّفة هم من يدفعون اليوم، نحو تأجيج النّزاع وزرع الكراهية والعنصرية تجاه الشّعب الجزائري. ومن قرار وقف إطلاق النّار إلى تنظيم استفتاء تقرير المصير في 03 جويلية 1962، أشهر قليلة لكن ثقيلة بالأحداث التاريخية الهامة، وعلى رأسها مؤتمر طرابلس المنعقد من 27 ماي إلى 04 جوان 1962، لبحث كيفيات تجسيد معالم الجزائر المستقلّة كما حدّدها بيان أول نوفمبر.. لم يكن ضروريا انتظار نتيجة الاستفتاء، بل المضي قدما نحو المستقبل، وعن هذا المؤتمر انبثقت وثيقة طرابلس التي تضمّنت قرارات بمثابة المراسيم التطبيقية لبيان الفاتح نوفمبر 1954، وقد حازت على شبه إجماع من المشاركين حول المعالم الكبرى للجزائر المستقلّة، وتم الاتفاق الكامل بينهم على العديد من البنود الهامة ومنها تحويل جبهة التحرير الوطني إلى حزب سياسي، وتحوير جيش التحرير الوطني إلى جيش وطني شعبي ليكون سليله بحق وجدارة، ويبقى مرتبطا على الدوام بالوطن والشّعب... صحيح نشب خلاف حول شكل القيادة وحول العديد من الخيارات المطروحة آنذاك، وهوما انعكس على السنوات الأولى من الاستقلال، غير أن هذا لا ينتقص من الأهمية البالغة لهذه الوثيقة التي بدأت معها مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر. واليوم، بعد أربع وستين عاما، لايزال النّصر عقيدة راسخة في الجزائر قيادة وشعبا، ولا تزال روح نوفمبر فينا، وشعلتها متوهّجة في قلوبنا لا تخبو ولا تنطفئ.. انتصاراتنا قائمة ووحدتنا دائمة، وماضينا محفور في ذاكرتنا، ويرافق حاضرنا نحو مستقبل حافل بالإنجازات والانتصارات في كافة المجالات.. عيد النّصر يوم للذّكرى وأيام متتالية للعمل من أجل الحفاظ على أمانة الشهداء وتنفيذ وصيّتهم الخالدة التي سمعتها منهم في العديد من مواقف الشهادة "اتهلاو في الجزائر". لقد التزمت الجزائر المنتصرة بقيادة رئيس الجمهورية السيّد عبد المجيد تبون، بهذه الوصية حين بعثت روح نوفمبر في أسس الدولة الاجتماعية الديمقراطية التي نادى بها بيان الثّورة، وحين انتعشت فيها الذّاكرة الوطنية وتبوّأت مكانتها اللاّئقة في حاضر الأمّة باعتبارها خزّانا للعبر ودروس التاريخ.. ولأن نوفمبر لا يأت إلا بخير، حصدت الجزائر النوفمبرية النّصر في معاركها العظيمة من أجل تكريس استقلالية القرارين السياسي والاقتصادي، ومن أجل استكمال بناء دولة قوية آمنة مستقرّة مزدهرة يسود فيها القانون وتٌصان الحريات والحقوق، وتقوم على اقتصاد جديد متنوّع ومتحرّر وبمردودية عالية، فلا تُرهن فيه السيادة بل تُعزّز بسيادة اقتصادية شاملة. ومن هذا المنطلق، أقول إن عيد النّصر عاد مجددا يوم تدشين غار جبيلات وإطلاق الخط السككي المنجمي العابر للصحراء،.. فقد أعاد هذا الإنجاز التاريخي إلى الأذهان مساومة الاستعمار الفرنسي على الثّروات الباطنية للجزائر، ومقايضته استقلالها بفصل الجنوب، وجدد الافتخار بصرامة الوفد الجزائري المفاوض، وتمسّكه بجزائر واحدة موحدة شعبا وأرضا... منجم غارا جبيلات هو في الحقيقة أكثر من رافد اقتصادي جديد، وأكبر من مشروع استراتيجي تقتحم به الجزائر السوق الدولية، بل هو تأكيد للنّصر الذي أحرزته ثورة نوفمبر بدماء وتضحيات الشّعب، وإثبات أن الجزائر التي تتّخذ من ثورة أول نوفمبر مرجعية لها وتعلي مبادئها وتسير على هدى بيانها، ستشهد ملاحم سياسية واقتصادية تزيد من رصيد انتصاراتها، وتفرض على العالم احترامها وتقدير دورها كقوة إقليمية وازنة ومؤثّرة. على المستوى الدولي، رافق النّصر الجزائر في المحافل الدبلوماسية العالمية، وصدح صوتها بالحقّ في المجالس والمنظمات الأممية والقارية، وانتصرت بشجاعة ووضوح نادرين لحقوق الشعوب المستضعفة، واستمرت على مبادئها النوفمبرية الثّابتة التي تناهض الاستعمار أينما كان، وتدعم حقّ الشعوب في الحرية والسيادة والكرامة وتقرير المصير. إننا أصحاب تجارب - بشهادة التاريخ في صناعة النّصر وتوليد شعلته من رماد المعاناة والمحن والكروب، مقومات النّصر فينا ومنّا، متجذّرة في عمق هُويتنا التي صمدت في وجه المسخ الممنهج، محفوظة في ثقافتنا العريقة، وفي وحدتنا وتكاتفنا، ومحفورة في ذاكرتنا الوطنية الزّاخرة بإرث ثوري مجيد.. النّصر ثمرة الصبر والمثابرة واليقين والالتزام، فالتاسع عشر مارس 1962، هو صنيعة أجيال متتالية منذ أول فعل مقاومة واجه جحافل المحتل عام 1830، إلى آخر رصاصة أعادت المحتل إلى طاولة المفاوضات ليكتب نهايته.. فلتكن هذه هي الرسالة، ولتحرص الأجيال الجديدة على الثّقة في المستقبل، وعلى الوحدة والمثابرة والالتفاف حول رجال الجزائر المخلصين.