لا يزال سكان ولاية تيبازة يعانون من أزمة نقل حادة، على الخطوط التي تربطها بالولايات المجاورة، خاصة في الفترة المسائية، إذ لم تنفع الشكاوى المطروحة أمام مسؤولي القطاع، لتدارك الوضع، فرغم الحركية الكبيرة التي تعرفها الولاية، تجاريا وسياحيا، باعتبارها مقصدا رئيسيا للعائلات في نهاية الأسبوع، وفصل الصيف والسهرات الرمضانية، إلا أنها تشهد نقصا كبيرا في وسائل النقل، وإن كانت بعض المبادرات التي قامت بها السلطات الولائية، لتدعيم بعض الخطوط بسيارات "التاكسي" ما بين الولايات، وتسخير بعض حافلات النقل الجماعي، فإن المسافرين مازالوا يتجرعون صعوبة الوصول إلى مقاصدهم، في الفترة المسائية، خاصة القادمين منهم من العاصمة والبليدة وعين الدفلى. بمجرد النزول من القطار القادم من العاصمة بمحطة العفرون، تبدأ معاناة المسافرين للوصول إلى منازلهم بولاية تيبازة، خاصة القاطنين منهم في بلدية أحمر العين، بورقيقة وحجوط، فبحلول الساعة السادسة مساء، يجد القادمون من العاصمة والبليدة وعين الدفلى، الذين يعملون في مختلف المؤسسات العمومية والخاصة، صعوبة كبيرة في اللحاق ببيوتهم، حيث يبقون في مواقف الحافلات أو بالمحطة البرية الواقعة بطريق البليدة، على مستوى المخرج الغربي لبلدية العفرون، لما يفوق الساعتين واقفين في العراء، الأمر الذي يثير متاعبهم ويعرضهم لخطر الاعتداءات من طرف المجرمين، من جهة، أو الوقوع فريسة سهلة في يد أصحاب سيارات "كلونديستان"، الذين يطلبون أسعارا باهظة تصل إلى 500 دينار، لمسافة لا تتعدى 10 كيلومترات، وينتهزون فرصة ذهبية لوقوع المسافرين في وضعية حرجة. وأكد السكان، أنهم يضطرون إلى الخروج مبكرا من أماكن عملهم، للالتحاق بمنازلهم، بسبب هذه الوضعية، حيث قالت إحدى السيدات، إنها تستعين في معظم الأحيان، بسيارات "كلوندستان"، التي يجد أصحابها الفرصة مناسبة لمضاعفة الأسعار. معاناة أخرى لسكان محور الناظور وشرشال في سياق متصل، يعاني سكان أحياء الشريط الرابط بين بلديات شرشال وسيدي أعمر والناظور بتيبازة، بسبب النقص الفادح في وسائل النقل العمومي، حيث يعيش الركاب مشاكل متعددة، تشمل التأخر لساعات طويلة قبل الانطلاق، إضافة إلى الاكتظاظ المفرط في الحافلات، وركوب وسائل نقل غير قانونية بأسعار مرتفعة، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالطرق السريعة والتهرب من الخطوط المقررة. ويؤكد السكان، أن بعض الناقلين يتصرفون بحرية تامة، متجاهلين الجوانب التنظيمية والأمنية، ما يضاعف المخاطر على الركاب ويزيد التوتر بينهم وبين القابضين. وعلى سبيل المثال، يعاني سكان قرية سيدي موسى ببلدية الناظور، من انعدام النقل عبر الخطوط المقننة، ما يضطرهم إلى ركوب ما يعرف بسيارات "كلونديستان" بسعر يصل إلى 400 دينار، بين سيدي موسى ومدينة تيبازة، ولا يتعلق الأمر بالفترة المسائية، بل يحدث ذلك في وضح النهار، كما تتكرر المناوشات والمشادات اليومية بين الناقلين والقابضين من جهة، والركاب الرافضين للوضع ومن يضطرون للتعامل مع المخالفات من جهة أخرى، ما يزيد التوتر ويهدد سلامة الجميع. وينتج عن هذه الوضعية، حسب تصريح العديد من المسافرين، تأخر العمال والطلبة عن مقر عملهم ودراستهم، خاصة ما تعلق بتلاميذ الطور المتوسط والثانوي، الأمر الذي يؤثر سلبا على التحصيل الدراسي والانضباط اليومي ويضعهم في مشاكل مع الإدارة. ويؤكد المواطنون المتضررون، أن هذه الأزمة، ليست حكرا على الأحياء والقرى المذكورة، بل تكاد تكون ظاهرة عامة في البلديات الشمالية القريبة من الطريق السريع، حيث تتكرر نفس المخالفات وسوء التنظيم. ولم يسلم المسافرون، من المعاملة السيئة لقابضي التذاكر بالحافلات، حيث يقوم هؤلاء بإنزال المسافرين عنوة على الطريق السريع، بعيدا عن أي رقابة أو احترام للقانون وبارتجالية كبيرة، ما يضاعف المخاطر على سلامتهم. ويطالب سكان الأحياء والقرى، مديرية النقل والسلطات الرقابية بالتدخل الفوري، من خلال إرسال فرق ميدانية يومية لمراقبة حركة الحافلات وردع المخالفين، وضمان التزام الناقلين بتطبيق القانون واللوائح المنظمة للنقل العمومي. كما يشددون، على ضرورة تحسين مستوى الخدمات ومنح التذاكر الرسمية لجميع الركاب، لتفادي تفاقم الأزمة التي أصبحت تهدد حياة المواطنين وسير حياتهم اليومية. نقص وتوقف مبكر للحافلات من أكبر المشاكل التي يتكرر ذكرها، خاصة في فصل الشتاء، توقف معظم حافلات النقل عن العمل في ساعة مبكرة من المساء، ما يجعل العمال والطلاب عالقين في المدن، ولا يجدون وسيلة للعودة إلى قراهم وبلدياتهم، إلا باللجوء إلى سيارات الأجرة غير القانونية، التي تستغل الحاجة وترفع دفع مبالغ كبيرة. كما أن سكان القرى والمناطق الجبلية، مثل منطقة شنوة، ودوار شرفي ببلدية مناصر، ومنطقة فجانة، هم الأكثر تضررا في غياب وسائل النقل، حيث يضطر التلاميذ والطلاب إلى قطع مسافات طويلة سيرا على الأقدام صباحا في الظلام والبرد، للوصول إلى المحاور الرئيسية، حيث يمكنهم ركوب الحافلات. ويصف أحد سكان شنوة، حالهم قائلا: "حالة النقل كارثية، لا توجد حافلة واحدة... مما يؤدي بسكان المنطقة إلى التنقل سيرا على الأقدام، حتى محور الدوران... في كل الفصول، شتاء وصيفا، بنفس المعاناة". جهود غير كافية وأمام هذه المعاناة المتفاقمة، تبقى الحلول المقدمة محدودة، ولا ترقى إلى مستوى طموحات السكان، رغم ما يبذل للتخفيف من حدة الأزمة، لكنها تبقى غير كافية، ففي شهر جوان الماضي، تم تدعيم حظيرة المؤسسة العمومية للنقل ب 10 حافلات جديدة، وهو ما اعتبرته السلطات "متنفسا للركاب". كما قام مدير النقل للولاية، مؤخرا، بزيارة ميدانية لدائرة سيدي عمر، بهدف اختيار مواقع لإنجاز محطات نقل جديدة في بلديتي مناصر وسيدي عمر، استجابة للطلب المتزايد، إضافة إلى قيام والي تيبازة محمد أمين بن شاولية، بعقد اجتماع طارئ، ناقش فيه وضعية النقل والمحطات الجديدة التي سيتم إنجازها بالولاية. وعبر بعض سكان بلديتي أحمر العين ومناصر، ل"المساء"، عن إحباطهم من الحلول التي وصفوها ب"الترقيعية"، التي تقدمها السلطات بين الفينة والأخرى، حيث قال أحدهم: "نناشدكم لحل مشكل النقل عندنا، بإيجاد حل جذري غير ترقيعي، فقد خبرنا الحلول الترقيعية في السنوات الماضية، بعد شكاوينا المتكررة، فعند الاحتجاج، يتم إرسال حافلة أو اثنتين صباحا لمدة أسبوع، حتى يهدأ السكان، ثم يعودون لما كانوا عليه من قبل". ويضيف ممثلو المجتمع المدني ببلدية أحمر العين، أن هذه الأخيرة، تعتبر الوحيدة غير المربوطة مباشرة بعاصمة الولاية، بحافلة نقل عمومي، دون اللجوء إلى محطة الحافلات بحجوط، ويحدث هذا، رغم أن البلدية تعتبر مدخلا رئيسيا للولاية، وممرا مهما للسياح وقاصدي الولاية من جميع المناطق المجاورة، كما أن غياب محطة الحافلات ومحطة القطار، ضاعف من معاناة السكان مع أزمة النقل. ونظرا لما سبق، يطالب سكان تيبازة، خاصة من المناطق النائية، بتدخل عاجل من والي الولاية، لوضع حد لهذه المعاناة اليومية، ويقترح البعض إدماج مؤسسات النقل العمومي، مثل مؤسسة النقل الحضري وشبه الحضر، لتغطية العجز الكبير في الخطوط الرئيسية، خاصة في الناحية الغربية.