احتضن المركز الثقافي الإسلامي بالعاصمة (بشارع علي بومنجل)، فعاليات معرض "تاريخ طباعة المصحف الشريف في الجزائر"، من تنظيم وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، سمح بالتعريف بمسار طباعة المصحف الشريف في الجزائر، مع إبراز الجهود والمساعي التي بذلت طيلة عقود من الزمن. يحوي المعرض، الذي أقيم في بهو المركز، نماذج متعددة من طبعات المصحف الشريف، أغلبها تعود لفترة ما بعد الاستقلال، فيما خُصصت نماذج أخرى لمصاحف طبعت قبل سنة 1962، يعود بعضها لفترة العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، تعكس مدى الاهتمام بطبع كتاب الله العظيم، رغم ما عاناه الجزائريون من تضييق وقهر خلال الفترة الاستعمارية. من أبرز المحطات التاريخية في طباعة المصحف الشريف، هناك مرحلة طبع مصحف الرودوسي، ابتداء من سنة 1931، الذي أعادت طبعه وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، برعاية من رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، سنة 2022، بمناسبة ستينية الاستقلال. طبعات فاخرة وأخرى تاريخية رافق "المساء"، في جولتها عبر المعرض، الأستاذ موسى زروق، رئيس دائرة النشاط الثقافي وحماية التراث الإسلامي بالمركز، وتوقف بداية، عند مصحف الرودوسي المطبوع سنة 1931، منه سورة "يس"، التي كتبها الراحل عمر راسم، كما عرضت طبعات فاخرة، منها ذات الحجم الجوامعي، بعضها طبع في سنة 2022، فيما كانت نسخ أخرى من كتاب الله العظيم بجزء الربع، حيث طبع المصحف في 4 أجزاء (من "الفاتحة" إلى "الأنعام"، ومن "الأعراف" إلى "الكهف" ومن "مريم" إلى آخر سورة "فاطر"، والربع الأخير من "يس" إلى سورة "الناس") وبعض تلك الأجزاء طبعت في سنة 1994 حسب محدث "المساء". أشار الأستاذ زروق، إلى أن أغلب مصاحف فترة ما بعد الاستقلال، كتبها الخطاط المعروف محمد السعيد شريفي، وكان بعضها بإشراف العلامة الراحل أحمد حماني. بالنسبة للخطاط شريفي، فكان في كل مرة يكتب فيها كتاب الله العظيم، يدخل على خطه تحسينات وإضافات، علما أن رسالته للدكتوراه كانت عن "خطوط المصاحف عند المشارقة والمغاربة من القرن الرابع إلى العاشر الهجري". خلال الجولة عبر أجنحة المعرض، قُدم مصحف كتبه راشد غلاسي في 2002، إضافة لمصحف جوامعي فاخر، به بعض الزخرفة الإسلامية والخطوط المذهبة. عرض أيضا مصحف عبد السميع بوقندورة الفاخر، المطبوع في 2023، والذي يحوي الزخرفة، وكان طبعه متزامنا مع المولد النبوي الشريف. إلى جانب المصاحف، عُرضت الألواح التي كان يكتب عليها طلبة القرآن، وهنا قال الأستاذ رزوق، إنه تعلم القرآن في صغره، من خلال الكتابة على هذه الألواح. "المبسوط" و"البراي" وحيز للمصحف باللغة الأمازيغية أغلب المصاحف كانت بالخط المغاربي والخط المبسوط الجزائري، فيما خصصت مصاحف أخرى مكتوبة بخط البراي، موجهة للمكفوفين، آخر طباعة لها كانت في سنة 2023، علما أن نسخا أخرى طُبعت منذ سنوات، لكن الطبعة الجديدة، حسب الأستاذ زروق، مكتوبة بالبراي، ومعها الخط العادي، لتسمح للقارئ العادي بمرافقة المكفوف والتصحيح له، أي الجمع بين الخطين تسييرا على القراء والحفظة. هناك أيضا مصاحف مكتوبة باللغة الأمازيغية (القبائلية) بخط التيفناغ، وأحيانا بالحروف اللاتينية، أقبل عليها الزوار وجاؤوا لاقتنائها. للإشارة، من العلامات البارزة في طباعة المصحف، احتواؤه على إمضاء اللجنة المشرفة عليه، كمصادقة لهذه اللجنة المتابعة والمراجعة. من مراحل النسخ التي وقفت عليها "المساء"، هي المرحلة الأولى من النسخ التي يكتب فيها الخطاط على ورقة من الحجم الكبير، لتتم بعدها مرحلة المسح الضوئي، لتحويله بعدها للمطبعة، ثم التجليد الذي عرضت نماذج عديدة منه في غاية الجمال من كل حجم ولون. استغل الأستاذ زروق المعرض، للحديث عن تاريخ كتابة المصحف الشريف، أي منذ جمعه خلال حياة سيدنا أبو بكر الصديق، وخلال عهد سيدنا عثمان بن عفان، وكذا إشراف زيد بن ثابت رضي الله عن جمعه، من خلال نسخة السيدة حفصة، علما أنه مع الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة عثمان بن عفان، توطدت العملية، بسبب دخول الأعاجم في الإسلام وتسجيل الأخطاء في القراءة، لتظهر لجنة برئاسة زيد بن ثابت، ويتم الاستنساخ من مصحف السيدة "حفصة أم المؤمنين"، وكانت حينها 6 نسخ، ومع كل نسخة مقرئا متقنا، وبعدها كثر استنساخ المصاحف عبر الأزمنة والعصور، وكان الأصل هو ما كتب بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام وبكتبته.