يزخر المغرب العربي بأقلامه الضاربة في الأدب وأعلامه التي اتسمت بالروح الإنسانية المبدعة، ولا يخلو قطر من أقطار المغرب العربي، بما فيه الأندلس، بشخصية علمية جليلة تركت بصماتها واضحة على المساحات الثقافية والصوفية التي كانت أكثر حضورا وتجليا في مغربنا العربي، ومن الشخصيات الفذة؛ تلميذ الشيخ سيدي بومدين أبو جعفر الخزاعي الذي ترك مصنفه الموسوم ب''الشهاب موعظة لأولى الألباب''، وقد طفت هذه الشخصية الصوفية وتلمسان تعيش سنة تتويجها عاصمة للثقافة الإسلامية. أبو جعفر أحمد بن سيد بونة الخزاعي، أندلسي المولد بقرية زناتة الواقعة بشرق الأندلس غير بعيد عن البحر الأبيض المتوسط، وكان مولده سنة 524 ه، وأصله من بونة ''عنابة''، واستوطن سلفه بالأندلس. وقد ظهرت على أبي أحمد شيخ المريدين، البركات والكرامات، ويذكر ابن الخطيب في كتابه ''الاحاطة'' أنه أحد الأعلام منقطعي القرين في كتاب الله، وأولي الهداية الحقة، فذ شهير، شائع الخلة، كثير الأتباع...''. نشأ أبو جعفر أحمد في زناته ودرس بها عن خاله الشيخ الحاج المقرئ، ورحل أبو أحمد إلى بلنسية، أين أخذ فيها القراءات عن المقرئ أبي الحسن علي بن هذيل، وأخذ أيضا عن الإمام أبي الحسن علي بن محمد بن النعمة، ويقول ابن الخطيب، إنه كان يحفظ نصف المدونة وكان يؤثر الحديث والتفسير والفقه عن بقية العلوم الأخرى. وبعد أن استوعب العلوم بالأندلس، رحل إلى بجاية لأخذ علم الباطن على يد سيدي بومدين الغوث، ويقول عن هذه الرحلة محمد بن الحجاج المشهور بالطباق: ''استنشق زهرة شجرة التصوف فتبع أرج عرفها ولمح موردات التلطف، فعمل على جني لطفها، فجذبه الحق إليه ودله به عليه، فركب البحر قاصدا مدينة بجاية بنية القراءة على الشيخ أبي مدين شعيب، فلما نزل بساحل بجاية، تلقاه رجل فقال له: أنت أبو أحمد جعفر بن عبد الله بن سيد بونة، فقال له: نعم، ومن عرفك بي؟ فقال: الذي عرفني أنك جئت بنية القراءة على الشيخ أبي مدين، أوليس كذلك؟ قال: بلى! قال: أنا أبو العباس الخضر، آمرك أن تلازمني وتقرأ عليّ، فقرأ عليه مدة وأذن له في الاجتماع إذ ذاك مع الشيخ أبي مدين والقراءة عليه''. لازم أبو أحمد الشيخ أبي مدين مدة يأتمر بأمره وينتهي بنهيه، وحين جاء إلى أبي مدين قال له: يا سيدي بأي شيء تأمرني؟ قال له أبو مدين: ''تقيم الزاوية وتسوق الماء وتعجن الخبز وتطحن''، فقال سمعا وطاعة، وامتثل ما أمر به شيخه.. ومما يروى أنه جاء يوما لأبي مدين وقال له: ''يا سيدي اختمر الخبز وحمى التنور'' وكان الشيخ أبو مدين إذ ذاك يتحدث مع رجل أتاه زائرا فلم يجبه، فأعاد عليه ثانية فلم يجبه لاشتغاله بالحديث مع زائره، فوقف أبو أحمد هنيهة، ثم أعاد عليه، فجرى على لسان الشيخ أبي مدين أن قال له: انطلق فادخل فيه، فامتثل أمره ومضى فدخل في التنور، فلما أتم الشيخ حديثه مع من كان يتحدث معه قال: أين أبو أحمد؟ فقال له بعض أصحابه: ألم تأمره بدخول التنور؟ فقال: أدركوه، فذهبوا إليه فوجدوه قد دخله والتنور يلتهب نارا، وهي لا تضره، فقالوا له: الشيخ يأمرك بالخروج، فقال لهم: هو أمرني بالدخول وهو يخرجني بنفسه، فرجعوا إلى الشيخ فأخبروه بذلك، فقام بنفسه وأتاه، فلما رآه في بيت النار قال: قد وصلت يا أبا أحمد وأمره بالخروج فخرج، بعد هذه الحادثة اكتملت تربية أبي أحمد على يد الشيخ أبي مدين، حيث طلب منه المغادرة وقتها وأن يبني زاوية في بلده وأن يدعو إلى الله. من مدينة بجاية يرحل أبو أحمد نحو الحجاز لأداء فريضة الحج، فيلتقى هناك بالشيخ أبي العباس أحمد الرفاعي، فلبس منه الخرقة. بعد أدائه لفريضة الحج، قفل ابن سيد بونة إلى بجاية مرة أخرى، حيث التقى بشيخه أبي مدين فقام معه زمانا حتى قدم قوم لزيارة أبي مدين، مستفسرين عن مسائل حصلت لهم.. فطلب منهم الشيخ أن يتربصوا عليه ثلاثة أيام: ''اليوم الأول أنظر في كتبي، واليوم الثاني أستفتي قلبي، واليوم الثالث أنتظر ما يرد علي من الفتح الرباني''، فلما انقضت المدة التي حددها، عاد القوم للظفر بجواب أسئلتهم، فأمر أبو مدين أبا أحمد أن يقعد على سجادته وأن يجيب عن المسائل المطروحة.. فعند ذلك قال الشيخ أبو مدين: ''جئتنا لتعرف الله بنا فعرفناه بك، وقد بلغت رتبة الشياخة، فارحل إلى وطنك يهدي الله أهله على يديك''. وتوفي أبو أحمد وهو يناهز من العمر مائة سنة ببلدته زناتة عام 624 ه. هذه بعض المقتطفات عن هذا العلم المغاربي الكبير وعن حياته وزهده وتقواه وعلمه وكراماته وغير ذلك مما أنعم الله به عليه، أردنا من خلالها نفض الغبار عن هذه الشخصية الفذة وتقديمها كعَلَم من أعلامنا.