يحيي الشعب الفلسطيني، اليوم، الذكرى الخامسة والعشرين لإعلان قيام الدولة الفلسطينية في قصر الأمم بنادي الصنوبر بالجزائر، ليكون ذلك أهم حدث تاريخي تعرفه القضية الفلسطينية في مسارها الطويل، وشكلت نقطة تحول في طبيعة النضال السياسي الذي سلكته قضية العرب والمسلمين الأولى. وإذا كان هذا الحدث شكل منعرجا في مسار هذه القضية وأعطى لها هدفا ومغزى فإن أحداثا وقعت طيلة هذه السنين سارت إلى نقيض ما كان يأمله الشعب الفلسطيني الذي اعتقد أن القضية توشك أن تبلغ نهايتها بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعودة ملايين الشتات والنازحين واللاجئين الذين يعانون ويلات وضع استثنائي تحول الى قاعدة تكرست في دول الجوار العربي. ويتذكر الفلسطينيون ذلك الإعلان المدوي الذي قرأه الرئيس الراحل ياسر عرفات في قصر الأمم في وقت رفضت فيه الدول العربية إعلان وصفته إدارة الاحتلال في حينه بمثابة إعلان حرب ضدها لما فيه من مغزى سياسي وثوري ويعطي للكفاح الفلسطيني معناه الذي طالما بحث عنه الفلسطينيون الذين افتقدوا الى كيان سياسي يشملهم جميعا ويؤسس لدولتهم التي أرادت إسرائيل والقوى الغربية التي زرعتها في فلسطيني التاريخية طمسها. وتكمن أهمية الإعلان في أن الشعب الفلسطيني لم يعد ممثلا بمنظمة تحرير قادت معركة التحرر منذ الفاتح جانفي 1965 ولكنها شكلت البوتقة التي كان يبحث عنها ملايين الفلسطينيين للانتساب إليها والقول لمن يريد أن يسمع بقضيتهم أن لهم دولة فلسطينية تبحث عن اعتراف كل العالم. وهو الهدف الذي تحقق مباشرة بعد إعلان الجزائر التي كانت أول دولة تعترف بالمولود الجديد وكان ذلك بداية اعتراف دولي واسع. وأعطى ذلك الشعور بالانتماء الى دولة تحمل هويتهم لكافة الفلسطينيين بكافة شرائحهم وأطيافهم السياسية إرادة إضافية في العمل من أجل تحقيق الهدف النهائي لنضال سياسي وكفاح مسلح تفاعل طيلة عقود بإقامة دولة بنفس مقومات تعريف الدولة في العالم مستغلين في ذلك التحولات التي عرفها العالم بداية تسعينيات القرن الماضي بانهيار المعسكر الشيوعي وميلاد دول من رحم تلك التحولات. ولكن الزخم الذي عرفه ميلاد هذه الدولة ما لبث أن بدأ في الخفوت بمجرد أن استأثرت الولاياتالمتحدة بالقضية الفلسطينية عبر اتفاقية أوسلو سنة 1993 التي بدلا من أن تحقق الأهداف التي عقدت من أجلها بإقامة السلام فإنها عمدت إلى قبره ومكنت لإسرائيل مقابل ذلك ما لم تتمكن من تحقيقه بقوة السلاح، خاصة بسياسة الاستيطان التي تعد بحق مؤامرة على الجغرافيا. ولولا الاختراق الدبلوماسي الذي حققته القضية الفلسطينية العام الماضي الذي مكن السلطة الفلسطينية من أن تتحول إلى دولة غير عضو في الأممالمتحدة لانهار الحلم من أساسه وعادت القضية الى نقطة البداية. ويتابع الفلسطينيون كل يوم حلقة من حلقات هذا الانكسار الذي غذته مفاوضات سلام عملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة المستحيل من اجل تقويض وزن القضية الفلسطينية ورهن مستقبلها في الإطار الذي تمليه حكومات الاحتلال. ويمكن القول أن الانكسار الأخطر الذي عرفته القضية يبقى دون شك الانقسام الذي تكرس منذ أحداث جوان 2007 عندما وقع الشرخ بين حركتي فتح وحماس وانقسم معهما الشعب الفلسطيني إلى جزأين واحد في الضفة وآخر في القطاع. وهو الواقع الذي انعكس سلبا على تجانس شعب بأكمله الذي أصبح رهينة تطاحن سياسي وإيديولوجي لم يجن منه الشعب الفلسطيني سوى الفرقة والتشتت حد التطاحن. وما يدمي قلوب الفلسطينيين في ظل هذا التطاحن أن العدو خرج منتصرا من هذا الشقاق بعد أن كادت الشحناء بينهما تتحول إلى حرب مفتوحة الرابح فيها سيكون دون شك أكبر الخاسرين. والواقع أن الشعب الفلسطيني برمته خرج هو الخاسر الأكبر من صراع اقتنع أن لا حاجة له فيه ولا أدل على ذلك من أن العدو الإسرائيلي وجد ضالته في استمراره لتمرير مشاريعه في ابتلاع كل الأراضي الفلسطينية وإفراغ الدولة الفلسطينية من ماهيتها والقضية برمتها من معناها.