الثقافة الشعبية حصانة للمجتمع الصحراوي تشهد الصحراء الغربية مقاومة ثقافية شديدة، حيث تعتبر الإبداعات الفنية والثقافية أداةً قوية للتعبير عن المطالب الثورية والمقاومة ضد الاحتلال المغربي. يبرز الأدب الشعبي والفنون الجماعية كالموسيقى والرقص، كإحدى وسائل التواصل الثقافية في الصحراء الغربية، وهي تعدّ وسائل لشحذ الهمم وتمرير الرسائل التحريرية، رغما عن قوات الاحتلال. ولقد ساهم الادب الشعبي في الصحراء الغربية في استمرار النضال والمحافظة على الوعي الثقافي بطريقة مباشرة وغير مباشرة، ويتمثل دوره في تعزيز معرفة الناس بحقوقهم، وتعزيز هويتهم الثقافية والوطنية ومساعدتهم في تحقيق أهدافهم النضالية. وعلى الرغم من التحديات التي تواجه الشعراء في الصحراء الغربية، إلا أنهم ما زالوا يواصلون النضال من خلال كتاباتهم وتعابيرهم الفنية. وتتحدث أعمالهم عن الحقوق المسلوبة للشعب الصحراوي والاضطهاد الذي يتعرض له، وتشجّع الناس على الوقوف ضد الاحتلال المغربي. من أمثلة الأدباء الصحراويين، نجد المدير المركزي بوزارة الثقافة الصحراوية وعضو الاتحاد العالمي للأدباء الحسّانيين، الشاعر الزعيم علاّل، والذي يكتب شعرا حسّانيا يعبّر فيه عن العديد من المسائل الاجتماعية، بما في ذلك تطرف الاحتلال المغربي ونضال الشعب الصحراوي، ويتميز شعر الزعيم علال بالتعبير عن الرغبة في الحرية والسيادة والاستقلال، ويتناول في أعماله أساليب الاستغلال والظلم اللذين يتعرض لهما الشعب الصحراوي، مع الدعوة الى وحدة الصف والوقوف ضد الاحتلال المغربي. وأكد الشاعر الزعيم علال أن المقاومة الصحراوية تظل أنموذجاً في الاهتمام بالكلمة، خاصة تلك الكلمة الموزونة لدعم المقاتلين والمناضلين والسياسيين، والتصدي للمظاهر المُشينة والتفرقة والعنصرية وكل السلوكيات التي قد تمس بسمعة ونضال الانسان الصحراوي. في المقابل تدعو الكلمة – يقول الزعيم علال- الى تشجيع المبادرات الحسنة والقيم النبيلة والأخلاق الحميدة، وهي أهداف مرسومة أمام الشعراء والكتّاب والصحفيين الصحراويين من أجل جعل الكلمة، سواء كانت الموزونة أو النثرية، دستوراً قيماً في حياة المجتمع الصحراوي الذي صنع المعجزات خلال 50 سنة من المقاومة والكفاح والصمود. أوضح الشاعر الزعيم علال أن الشعب الصحراوي أدرك منذ الوهلة الأولى الاهمية الكبيرة لقلم الشاعر والكاتب الصحراوي، فكان الوعي عميقاً بأن هذه الجبهة من جبهات المقاومة، لا بد من إثرائها، وتعزيز حضور القضية الصحراوية فيها، وإعطائها حقها الذي تستحق في مسيرة النضال الى جانب البندقية، لأنها جبهة صراع محتدم مع العدو الذي يحاول سلب الثقافة وإفساد المجتمع الصحراوي في المدن المحتلة، وبث التفرقة والقبلية والعنصرية في المخيمات. واصل الزعيم علال قائلاً: إن الثقافة الشعبية في الصحراء الغربية شكّلت حلبة صراع بين الشاعر والكاتب الصحراوي من جهة، والقوة المعادية من جهة أخرى، بكل أساليبها ومحاولاتها البائسة واليائسة، فالثقافة الشعبية شكّلت حصانة للمجتمع الصحراوي وللثورة الصحراوية خلال 50 سنة من النضال. المثقّف الصحراوي لم يوقع اتفاق السلام مع المغرب تجربة الشعراء الصحراويين في هذا الميدان هي تجربة غنية رغم صعوبة الأمر في البداية، ليتمكّن الشاعر والكاتب بعد سنوات النضال الطويلة من تحليل الظواهر المجتمعية السلبية التي تحاول المخابرات المغربية زرعها في المجتمع الصحراوي، والتعاطي معها بكل احترافية واختيار الطرق الانسب للتصدي لها، بالكلمة والقلم. «كنا دائماً جاهزين للخوض في الجبهة الثقافية مع العدو، فاستطعنا النيل من مخططاته وتحطيم عنجهيته على صخرة الوعي، فالشاعر والكاتب الصحراوي لم يكونا طرفين في التوقيع على وقف إطلاق النار، ولم يدخلا في مسار التسوية الأممي، وإن كان هذا السلام قد شمِل جانباً من مسار النضال للشعب الشعب الصحراوي، إلا أن الجبهة الثقافية مع العدو بقيت معاركها محتدمة وحامية الوطيس، فكانت الوحدة الوطنية مُصانة والشعب الصحراوي موحَّداً خلف ممثله الشرعي والوحيد. من جهته، أكد الباحث الصحراوي اللود بوقرين، أن تماسك وتمسّك الصحراويين بهويتهم الوطنية، كان السبب الرئيسي لصمودهم في وجه محاولات الاحتلال طمس الهوية الصحراوية في المدن المحتلة. إعداد الاحتلال المغربي برامج تلفزيونية عن الثقافة الصحراوية على أنها موروث ثقافي مغربي، ومحاربة الزي التقليدي وكل ما له علاقة بالهوية الصحراوية في المدن المحتلة، اصطدم بإرادة صلبة وثبات قوي من الشعب الصحراوي الذي أعلن تمسكه بهوية الثقافية الوطنية. وقال بوقرين إن الثقافة الصحراوية راسخة وباقية في ذهن الانسان الصحراوي، رغم المحاولات العديدة والأساليب الدنيئة التي يلجأ إليها الاحتلال المغربي من أجل المساس والنيل بالثقافة الصحراوية، وصلت حد فرض قيود على استيراد "الدراعة" و«الملحفة" وخفض أسعار الجلباب في أسواق المدن الصحراوية المحتلة، وفرض ارتدائه في المدارس، ما ترتب عنه دخول الصحراويين في حركة احتجاجية مطالبين بإعادة الاعتبار للزي الصحراوي في المدارس وأماكن العمل. لجأ المواطن الصحراوي في المدن المحتلة الى إحداث قطيعة ثقافية مع المستوطنين المغاربة، والحد من التعاملات الثقافية أو التجارية معهم أو مصاهرتهم، وتُعدُّ هذه الاستراتيجية إحدى العوامل الرئيسية التي ساعدت على احتفاظ الثقافة الصحراوية بزخمها وبمكانتها وصفائها من أي شكل من أشكال "المَغربة".