«قوى البديل الديمقراطي» تعقد إجتماعا في 31 أوت الداخل    اكتشاف ترسانة حربية ضخمة على الحدود الجنوبية    الشروع في إنجاز مصنع «بيجو- سيتروان الجزائر» ببلدية طفراوي    «مصنع سيروفي» يشرع في تركيب علامة «فولفو» بداية من 2020    الرئيس الفلسطيني يقدم شكره للشعب الجزائري على مواقف الدعم والتضامن    شرطة بومرداس تعلن الحرب على بؤر الجريمة    وفاة أربعة أشخاص في حوادث مرور    بوعلاق: برنامج وطني لمكافحة الداء    الجزائر بطلًا لكان 2019 : كتبوا التاريخ.. بلغوا المجد.. عانقوا الذهب!    قرعة الدور التمهيدي لبطولة كأس الاتحاد الأفريقي    مستشار التحقيق بالمحكمة العليا يستمع لسيف الإسلام لوح    حمس تذكر شركائها بالتزاماتهم اتجاه الحراك    ارتفاع قياسي في درجات الحرارة اليوم    11000 بيطري لمراقبة الأضاحي قبل وأيام العيد    جمع أكثر من 8 ألاف طن من النفايات منذ انطلاق الحملة    الملك سلمان وولي العهد السعودي يهنئان الجزائر    إدانة واسعة وغضب يعم الأوساط الصحراوية الرسمية والشعبية    البويرة : التحكم بحريق منطقة الصوادق ببلدية عمر    الفرقة النحاسية للحماية المدنية تمتع الجمهور العنابي    تظاهرة «جيجل تحتضن الجزائر» بداية من هذا الأربعاء    إدارة باريس سان جيرمان تسعى لتجديد عقد مبابي    عمي علي، مثال عن الإصرار في أداء الواجب الديني    اختطاف 4 مواطنين أتراك في نيجيريا    أحزاب البديل الديمقراطي تدعو لاجتماع وطني موسع    وفاة طفل صدمته سيارة بتبسة    مقداد سيفي: أقبل الوساطة ولكن …    تطبيق للحجز الإلكتروني في 72 فندقا ومركبا سياحيا بدءا من اليوم    رونار يستقيل من تدريب المنتخب المغربي..    بلايلي يحسم مستقبله: “في إفريقيا لن ألعب سوى للترجي”    مضيق هرمز: حظر ناقلة النفط "مصدر" دام 1 سا 15 دقيقة    إيران تبعث برسالة "شكر" الى السعودية    مضيق هرمز يتجه نحو التصعيد العسكري    تكوين 440 شاب في مختلف الفنون المسرحية منذ مطلع 2019    بن ناصر "كنا الأقوى في البطولة ونستحق اللقب عن جدارة"    تعرف على ترتيب الجزائر بأولمبياد الرياضيات العالمي    تواصل حملة الحصاد والدرس بقسنطينة    تنظيم حفل موسيقي تكريما لبن عيسى بحاز بالجزائر العاصمة    تنظيم عرض للرقصات التقليدية بأوبيرا الجزائر    الجزائر تدعو صندوق الاوبيب للتنمية الدولية إلى مواصلة جهوده في مجال التمويل    احسن طريقة لإسعاد الشعب هو التتويج بالألقاب    انطلاق أول رحلة للحجاج من مطار رابح بيطاط بعنابة    اسمنت-صادرات: تحسن ملحوظ خلال الأشهر الخمسة الأولى لسنة 2019    إطلاق سراح أول ناشط سياسي رفع لافتة "لا للعهدة الخامسة"    الخطوط الجوية الجزائرية تتعهد بإرجاع جميع مناصري "الخضر" العالقين بالقاهرة    بالصور.. رئيس مركز مكة المكرمة يسعى لإنجاح موسم الحج    سائق السيارة ينزل في الزنزانة    غوغل تسد ثغرات أمنية في كروم    الشرطة الفرنسية تفسد احتفالات الخضر‮ ‬    إعذارات لأصحاب المشاريع المتأخرة وسحب الأوعية العقارية    رحيل الشيخ مصطفى المسامري ذاكرة الزجل بقسنطينة    رحلة البحث عن الأزمنة الضائعة    العثور على لوحة الأمير بفرنسا    في‮ ‬أجواء وصفت بالجيدة‮ ‬    لسلامة اللغة العربية أثرٌ في حِفظ كِيان الأُمَّة الإسلامية    كيف علمنا الشرع التعامل الصحيح والمحافظة عليها    السيدة زينب بنت جحش    أهميّة الرّوح الوطنية في صنع الإنجازات    بين اعتذار بونجاح و”مُكَابَرَة” النُّخَبْ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





"الحمار المصري" الأفضل للتهريب و500 دج إيجاره كل ليلة
نشر في الشروق اليومي يوم 01 - 05 - 2007

يعرف الشريط الحدودي الشرقي الفاصل بين الجزائر وتونس حركة تهريب واسعة لمختلف السلع، ينشطها مهربون جزائريون وتونسيون ينتمون إلى شبكات تهريب تقليدية وبعضها شبكات محلية وأجنبية منظمة، لا تتورع في بيع كل شيء مقابل أي شيء، خاصة لدى فئات من الجزائريين ينخرون اقتصاد بلدهم ويجلدون ذواتهم بمختلف "الأسواط" في نوع من السادية الاجتماعية والاقتصادية، يهربون من بلدهم الغالي والثمين ويستنزفون الخزينة العمومية بالملايير من الدينارات سنويا.
عندما يهربون لأشقائهم التونسيين المازوت والبنزين ورؤوس الأغنام والبقر والماعز، وهي المواد الثمينة.. مقابل مواد من عالم الخردوات كالطماطم والعجائن والحلويات التافهة، و"الصوف" الذي غالبا ما يعيد التونسيون المهربون إعادة بيعه للجزائريين من الكباش والخرفان التي يهربها الجزائريون الذين "يصنع لهم من لحيتهم شكالا" كما يقول المثل في أشكال فظيعة من الانتحار الذاتي الجماعي الاقتصادي والاجتماعي، حيث لم تسلم حتى النباتات البصلية كالبلبوزة ونبات الداد المهربة بشكل لافت نحو تجار تونسيين يعيدون تسويقها بأثمان خيالية للمخابر الإيطالية التي تستخرج منها محاليل طبية وأخرى كيميائية كالعطور ومساحيق الماكياج التي تتزين بها حسناوات روما وميلانو وباريس ومختلف مستهلكي الموضة التجميلية، وسط ثغرات قانونية وفوضى إدارية عارمة، يعمل رجال الدرك من حرس الحدود جهودا مضنية للحد من خطورتها، ومجابهتها بمختلف الوسائل والطرق، لأن القضية قضية دولة تتعرض لنزيف حاد لمقوماتها ومقدراتها‮ الاقتصادية‮ عبر‮ الحدود‮ وتهريب‮ لا‮ حدود‮ له‮!‬
100 ‮ نقطة‮ مشوهة‮ في‮ الشريط‮ الحدودي‮ الشرقي
في رحلة طويلة امتدت إلى تبسة ومنها إلى دائرة تاورة بولاية سوق اهراس، حطت "الشروق اليومي" رحالها مدة 24 ساعة في مهمة استطلاع في عمق الشريط الحدودي الفاصل بين الجهة الشرقية للجزائر مع الجهة الغربية للجمهورية التونسية، ورافقت عناصر حرس الحدود (جي.جي.أف) وتوغلت معهم إلى عمق "جمهورية التهريب" التي تتوسط البلدين عبر شريط ممتد على مسافة 184 كلم، يخوض فيها عناصر حرس الحدود التابعين للمجموعة الثامن عشرة "تاورة" المكلفة بتأمين هذه المسافة الطويلة ذات الغابات والأحراش الوعرة والمسالك الجبلية الشاقة، لولايتي سوق أهراس والطارف في معارك ليلية شرسة وخطيرة من الترصد ونصب الكمائن والدوريات المتحركة والراجلة، بلا كلل أو ملل، وبكثير من التضحية والتفاني ونكران للذات، حتى كأنك تتخيل أحيانا أن الملائكة يمكن أن تكون خضراء بلون بزة حرس الحدود، المنتشرين على مدار النهار والليل عبر 12 موقعا متقدما ينتمون إلى أربع سرايا، اثنتان منها (العيون رقم 181- برج بولعراس 184) بولاية الطارف حتى البحر، واثنتان (عين الزانة رقم 182 - بورنان رقم 183) بولاية سوق اهراس، وكل هذه السرايا خاضعة عسكريا وإداريا لمقر مجموعة قادرة تعتبر مركز القيادة والسيطرة!
ووسط مكتبه، استقبلنا الرائد محمد يادري بحفاوة وترحاب شديد، دلت عليه فناجين القهوة والمكسرات، وبينما كنا بصدد ضبط اجراءات رخصة المبيت داخل الثكنة، كانت المكالمات تتهاطل عليه من قبل مسؤولي المواقع المتقدمة عن تحركات مشبوهة لمهربين مفترضين وحتى من "مخبرين" من سكان الشريط الحدودي، التي أفلحت مجموعة تاورة في "تجنيدهم" لصالحها ولصالح الوطن، بما أن المهمة وطنية قصوى، ولم يبطئ الرائد يادري الذي يتحكم في خيوط ملف التهريب في قطاعه بفضل مفهوم الاستعلام والملاحقة الدورية لرؤوس التهريب، المعروفين والمحددين سلفا، أن قال ‮"‬معلومة‮ واحدة‮ كفيلة‮ بإحباط‮ مشروع‮ كبير‮ وإبطال‮ ألف‮ مشكلة‮ في‮ المهد‮"‬،‮ ليس‮ ثمة‮ فرق‮ بين‮ الطب‮ والعسكرية‮ وهي‮ وقاية‮ خير‮ من‮ ألف‮ علاج‮!‬
خلية‮ العمليات‮ الخط‮ الأول‮ في‮ مكافحة‮ التهريب
والعلاج يبدأ من "خلية العمليات" التي سمح لنا بزيارتها دون تصوير الخرائط السرية، وعلى الخارطة البيانية الكبيرة، رحنا نتفحص بالميليمتر الحدود الفاصلة بين البلدين عبر كافة المواقع المتقدمة، وتمركز الأفراد المقدرين بالمئات دون إعطاء المزيد لدوافع أمنية، موضحا "كما تلاحظ فإن 184 كلم التي نتكفل بحمايتها ذات تضاريس وعرة منها 160 كلم عبارة عن جبال وعرة المسالك ومسالك غابية وأدغال، وغابات بعض المناطق كثيفة الضباب وعناصر الجي.جي.أف مجبرون على التعاطي مع هذه المعطيات الجغرافية وحتى المناخية، وعندما تتساقط الأمطار نضاعف الاحتياطات خشية استغلال المهربين لهذه النقطة"، عندما سألته عن بعض النقاط الحمراء المثبتة في الخريطة وكان عددها زهاء 100 نقطة، أوضح "هذه النقاط هي "المحاور المشبوهة" ومناطق عبور المهربين، وقد سقط الرقم على رأسي مثلما تسقط المطرقة على السندان، بما أن مئة نقطة في 184 كلم قد تجعلك تفكر أن الحدود الشرقية هي مثل "جبنة الڤريار" المثقوبة أو الغربال الذي يحتاج إلى نصب حارس في كل كيلومتر، وبحسابات عسكرية أكد قائد المجموعة "أمنيا وعسكريا لا تعتمد مراقبة الحدود على حشد الأفراد كما يعتقد العامة، المهم هو احتلال مواقع استراتيجية مهيمنة على التلال والهضاب، حيث يكفي لحارس واحد موزع بشكل جيد في المكان أن يراقب أميالا وبضعة كيلومترات من نقطة مراقبة فوق جبل، عندما يلاحظ حركة مشبوهة يتصل بواسطة أجهزة لاسلكية ببقية العناصر لإعداد الكمين والرصد والمطاردة".
كل هذا الحديث دار في ضوضاء منظمة، شوشت عليها ذبذبات الصوت المتصلة دون انقطاع والآتية من مختلف السرايا والمواقع المتقدمة، ويسهر على قراءتها وتحليلها ضباط شبان أكفاء، كنت أسمع أصواتا دون أن أفهم معناها، حروف وكلمات مخلوطة تشبه اللغة الآرامية الأولى، أو قل تشبه لغة "الفرنكا" التي ابتدعها جزائريو القرن السادس والسابع عشر لإختلاطهم ببحارة أوروبا، أو بالأحرى لغة بونيقية بما أننا في منطقة محسوبة تاريخيا على "أبوليوس المداوروشي" أصيل مداوروش القريبة من تاورة، والسبب كما أفهمني إياه النقيب عالم بن علي، قائد أركان المجموعة 18 "سبب أمني بحت.. خلية العمليات تتلقى المعلومات والاتصالات من السرايا أو من المراكز المتقدمة مباشرة، نتلقى المعلومات حول حركة المهربين في التو واللحظة، والاتصالات تتم وفق لغة مشفرة، حيث تتحول الرسائل المشفرة بلغة غير مفهومة إلى رسالة مكتوبة يفككها خبراء الشفرة (تكوين أمن عسكري استعلامي) ثم تحول للاستغلال المباشر عبر البرقيات المكتوبة"، قبل أن يضيف "هذا لحماية المعلومات من الاختراق من قبل المهربين وتداخل أجهزة الاستقبال للحرس الوطني التونسي المنتشر في الجهة الأخرى، صحيح أننا نكافح التهريب، لكن مهامنا‮ الأساسية‮ دفاعية‮ لحماية‮ الحدود‮ الوطنية‮".‬
واستنتجت منذ علمت أن سرية حرس الحدود مرتفعة العدد ومسلحة كوحدة قتالية، أن الأفراد مهيئون أيضا ضد أي مواجهات مع الجماعات الإرهابية، منذ بعض الحوادث المتفرقة في مناطق حدودية أخرى، والدليل إجبارية ارتداء واقي الرصاص في مهام تمشيط الدوريات الراجلة والمتنقلة والكمائن‮ المنفذة‮ في‮ اعماق‮ الأحراش‮ والغابات،‮ فهل‮ للموضوع‮ علاقة‮ بتهريب‮ دروكدال‮ لتنظيمه‮ المسلح‮ من‮ حلقة‮ الجماعة‮ السلفية‮ الى‮ مربح‮ قاعدة‮ المغرب‮ الإسلامي،‮ لا‮ أحد‮ قال‮ لي‮ ذلك‮.. لكن‮ الأمر‮ بدا‮ لي‮ كذلك‮!‬
مع‮ خفافيش‮ الليل‮.. في‮ مهمات‮ وطنية
بالموازاة مع ذلك، تشن هذه الوحدات حربا صامتة، لكنها ضروس ضد التهريب المحدود واللا محدود، على غرار المتاجرة في الأسلحة والمخدرات والهجرة السرية وتوقيف المشبوهين على طول الشريط الحدودي، يقول حارس وحدة مخبأ وكامن في حفرة هيأتها الطبيعة والسيول "هنا تنسى أباك وأمك وحتى "صديقتك"، تتفكر شيئا واحدا وهو الوطن.. أنا أول وآخر خط يحمي 33 مليون جزائري ضد كل طارئ أو طارق للحدود.. الحق أدركت هنا المعنى الحقيقي للجزائر عندما تنسى أهلك وأصدقاءك وتتذكر أنك وحيد هنا تراقب المجهول، تحس أنك في خدمة باقي أبناء الوطن وتشعر أن الأم الوحيدة هي الأمة"، ولست أدري أين تعلم هذا الحارس مثل هذا الكلام، لكنه يعبّر بصدق عن حاسة الطبقة الشعبية التي يتشكل منها أفراد الدرك ومختلف أسلاك الأمن، وتذكرت عندما تفرست في ملامح شاب متوسط الحال على ما يبدو لماذا قال بطل الفيلم الشهير "بلاتون" القادم‮ من‮ عائلة‮ مرفهة‮ والمتطوع‮ في‮ حرب‮ الفيتنام‮ في‮ شبه‮ رحلة‮ سياحية‮ كما‮ ظن‮ أن‮ "‬الفقراء‮ وأبناء الشعب‮ العاديون‮ هم‮ روح‮ الأمة‮ الأمريكية‮"!‬
هذه المهام الخطرة والشاقة المستمرة ليلا جعلت الكثيرين يطلق تسميات جديدة على حرس الحدود، إضافة إلى الكلمة المفرنسة والعامية إجباريا (جي. جي. آف)، يطلق عليهم البعض مصطلح "الوطاوط" أو "الخفافيش"، وبينما يتقلب الجزائريون في أسِرَّتهم الفاخرة وينتقلون بين القنوات المرقمنة، يمضي هؤلاء ساعات الليل في الغابات مع عواء الذئاب والبرد القارس وتتشوق عيونهم للنور، من فرط الظلمة الحالكة، والبحث في سواد الليل عن "أشباح مهربين" ينشطون ليلا، فيما تنتصب آذانهم مثل "الرادارات" لتلتقف حركة المتسللين خلفهم وأمامهم من البشر نادرا، ومن "الحمير" غالبا الوسيلة الحيوانية الأكثر شهرة في عالم التهريب الغريب العجيب، و"الحمار" هنا هو العدو الأول لحراس الحدود، فعلى ظهره يهرب الحدوديون الجزائريون آلاف اللترات من المازوت والبنزين الجزائري إلى التونسيين يوميا أو ليليا، مقابل "العجائن والتليتلي والمعكرونة" في تعامل إقتصادي أقرب إلى "البلاهة" و"الهبل"، تصور أن بعض الجزائريين ولظروف اجتماعية وعدم الإحساس بالمسؤولية و"اللاانتماء الوطني" مستعدون لبيع بقرة، مقابل بيضة أو الخروف مقابل صوفه مثلما هو حال تهريب قطعان الماشية من رؤوس الأغنام، شعرت بالحزن والمتاخم لحدود الإحباط عندما قال لي عون حراسة "لكي تفهم عالم الحدود وما يدور في هذا الشريط سأروي لك نكتة، زار جزائري جاره التونسي فذبح له هذا الأخير خروفا صغيرا هرما، وعندما ضيّف الجزائري جاره التونسي، ردا للزيارة، ذبح له أحسن تيس عنده "العتروس"، بعد الأكل، علق التونسي "الآن فهمت لماذا أنتم الجزائريون دائما هكذا، على استعداد دائما لخصْي فحولكم"! هذه النكتة المضحكة هي أدق وأعمق وصف لنكبة التهريب المبكية، ما يخرجه الجزائريون "صحيح" وما يدخلونه مجرّد ريح، والتهريب يطال أيضا البشر أو "الحراڤة"، لكنه بشكل محدود،‮ حيث‮ تمّ‮ توقيف‮ تونسيين‮ في‮ الطريق‮ إلى عنابة،‮ بعد‮ ما‮ خدعهم‮ شخص‮ جزائري‮ أوهمهم‮ أن‮ "‬عنابة‮" هي‮ "‬وهران‮"‬،‮ حيث‮ سقط‮ حلم‮ الهجرة‮ إلى‮ إسبانيا‮ في‮ مدينة‮ مجاورة‮ لتونس‮.‬
أحمرة‮ مدربة‮ وذكية‮ لتنفيذ‮ مهام‮ حدودية
بين لحظة إحباط ولحظة نكتة، دوّت صافرة إنذار على مركبين، مجرّد ثوان استغرقت تحركات أفراد المجموعة في كافة الأنحاء، تسلموا الأسلحة الرشاشة، اصطفت سيارات الحراس في طابور، ووجدت نفسي بجانب النقيب بن علي "تلقينا اتصالا من مركز أولاد عباس، سنتوجه مع خلية الطوارئ لكشف الأمر"، وبعد زهاء ساعة من السير وسط طرق مكسرة وزلجة بعضها موحل مرورا بدائرة المراهنة ثم مشته الكرومة، وصلنا سرية بورنان، لننطلق بعدها إلى موقع أولاد عباس، حيث تمكن عناصر الموقع من رصد تحركات مهرّب تونسي كان بصدد اختراق الشريط الحدودي رفقة حمارين، يحمل كل واحد منهما 10 دلاء، أي ما مجموعه 20 دلوا تستوعب 2000 لتر من المازوت، وقد تمّ ضبط الحمارين بواسطة استعمال المناظير الليلية المشتغلة بالأشعة ما فوق الحمراء التي تحصلت عليها الجزائر من روسيا ضمن صفقة تسلح، وتسمح هذه المناظير الليلية المستعملة منذ 4 سنوات فقط بتسهيل المهام الرقابية ليلا من خلال كشفها لمجسمات الأشخاص وفق تكبير من الضعف إلى عدة أضعاف، حيث تستقطب الأشعة ما فوق الحمراء، كل جسم مصفّح أو حي متحرّك وثابت يطلب جسمه حرارة، كانت الدلاء فارغة تفوح منها رائحة البنزين، فيما تمكن صاحبهما التونسي من العودة إلى تراب بلده على عدّة أمتار فقط، والسبب أن "أصحاب الحمير" يبقون بعيدا يُراقبون دوابهم المدربة سلفا والمبرمجة على قطع الطريق من نقطة الإنطلاق إلى الوصول دون خطأ وكأنها قذائف كروز الصاروخية الذكية نتيجة التدريب المكثف لهم من طرف المهربين! قال لنا أحد الحرّاس "من عادة المهربين الجزائريين الإتصال بالمهربين التونسيين بواسطة الهواتف النقالة لتحديد الصفقة، بعض المهربين التوانسة يشترون للجزائريين "كارطة" تونيزيان إضافة إلى كارطة (جيزي) التي يملكونها لتسهيل الإتصال، في حالة اليوم قام مهرّب تونسي بإرسال‮ حمارين‮ محملين‮ بالدلاء‮ فارغة،‮ كي‮ يقوم‮ الجزائري‮ بإعادة‮ شحنها‮ وإرسال‮ الحمارين‮ نحوه‮ مجددا‮"!‬
بخلاف أحمرة مغنية الموجهة بواسطة سماعة جهاز تسجيل صغير "ولكمان" سجلت فيها عبارة "أر" والتي كشفت منذ عدّة سنوات، فإن أحمرة الجهة الشرقية للحدود مُدربة مثل الكلاب الألمانية مع أنها جزائرية، وأغلبها "مصرية" كما تسمى هنا، ومع اختلاف سبب التسمية وسببه خاصة "المصرية" منها، وبغض النظر عن ذلك، فإن الحمار في هذه المناطق، الوسيلة رقم واحد والداعمة اللوجستية الكبيرة نظرا لقدرته على تحمّل الثقل واختراق المسالك الجبلية الوعرة، وخبرته في معرفة أروقة ومسالك التهريب.. وحتى المهربين!
الحمار‮ الواحد‮ ب500‮ دج‮ لليلة‮ وسوق‮ الدواب‮ قاعدة‮ نائمة‮ في‮ التهريب
سوق التهريب في هذه المناطق يتمركز على قاعدة دعم خلفية هي "سوق الحمير".. لأن الحمار وسيلة تهريب نعم، لكنه استثمار حقيقي أيضا.. وسلطان! لم أفهم لماذا كتب "أبوليوس المداوروشي" (Appulé de Madore) الروائي الجزائري العالمي القديم، ابن منطقة مداوروش أول مؤلف روائي سبق به ابن المقفع في كليلة ودمنة ولافابل بآلاف السنين سماه "الحمار الذهبي"، وتعززت القناعة، لأن الروائي الكبير الطاهر وطار صاحب "عرس بغل" هو من هذه المنطقة بالذات بحسب تقديرات رسمية، فقد تمكنت عناصر حرس الحدود للمجموعة 18 من حجز 94 حمارا خلال 2006 و46 آخر في الثلاثي الأول لهذه السنة، من مجموعة 140 حمارا فتاكا في التهريب، لذلك فإن سعره في السوق في حدود 10.000دج إلى 12000دج، في حين يبلغ سعر "الحمار المصري" الذي يفضله المربون لعلو قوائمه وشدة خصره 18000دج، أي سعر كبش محترم. معظم أهالي الشريط الحدودي الشرقي الممتد على مسافة 184 كلم بين سوق اهراس والطارف يربون المواشي، لكن بعض المهربين يربون "الحمير"، ثلة منهم المنتمون مجازا إلى الخلايا النائمة لدعم التهريب يملكون 20 حمارا، يتم تأجيرها بسعر 500 دج ليلة تهريب واحدة، كراء النصف يضمن لصاحبه 5000دج، وهو ثمن افضل بكثير من تشغيل الشباب والشبكة الاجتماعية وعقود ما قبل التشغيل، والحق أن هذه الآفة حتى وان كانت غير منظمة في هذه المنطقة ناتجة أساسا عن تفشي البطالة وانعدام آفاق اجتماعية وتدهور القدرة الشرائية، وهي في تصاعد كبير، سجلنا مثلا أنه تم حجز 3440 لتر من المازوت في‮ جانفي‮ وفيفري‮ ومارس‮ أي‮ في‮ الثلاثي‮ الأول‮ من‮ هذه‮ السنة‮ مقابل‮ 5308‮ لتر‮ مازوت‮ طيلة‮ سنة‮ كاملة‮ 2006‮.‬
سألت شابا داخل مقهى عن استفحال ظاهرة التهريب فقال: "هناك أسباب عميقة ينبغي حلها موضوعيا في هذه المناطقة الحدودية، تنعدم شروط الحياة الكريمة، لا يمكن أن يكون شبح انسان وطنيا، الوطنية الحقيقية هي التنمية، البطالة مستفحلة، الطرقات مكسرة، والناس فقراء محرومون، لذلك يلجأون إلى التهريب، افضل أن اكون صاحب حمار يربح 3000 دج يوميا نظير كراء الأحمرة من تلقي 3000دج في اطار الشبكة الاجتماعية أو 6000دج في إطار عقود ما قبل التوظيف بعد 20 سنة دراسة من الإبتدائي إلى الجامعي"، وأضربت عن الحديث معه بعد ما تنهد.. وخشيت أن يقول‮ لي‮ يا‮ ليتني‮ كنت‮ "‬حمارا‮ جزائريا‮ ذهبيا‮"‬ أو‮ حمارا‮ مصريا؟‮! الحاجة‮ أم‮ اختراع‮ الآفات‮!‬ بعض الرسميين في مكافحة التهريب يطالبون بتطبيق عقوبة "الإعدام" في حق الأحمرة المصادرة في التهريب، لردع المهربين وتقليل الظاهرة، بعد ما اتضح "أن بعض المهربين مستعدون للتضحية بسياراتهم المحجوزة ويفرطون فيها، ولا يفرطون في الأحمرة"، هكذا قال لي متحدث، مقارنة بالإجراءات المطبقة عقب حجز الدواب، ثم بيعها عن طريق المزاد، اذ غالبا "ما يفعل أصحابها سابع المستحيلات لإعادة شرائها مجددا بأسعار مزادية منخفضة رغبة في عدم تضييع خبرتها الاحترافية في مسالك التهريب الملتوية".
فلاحون‮.. يهربون‮ البنزين‮ بطرق‮ مشبوهة؟
تكشف الجهود الكبيرة التي يبذلها عناصر (جي.جي آف) عن نجاحات كبرى في إحباط محاولات التهريب، من خلال عمليات الإستعلام والكمائن والمراقبة، أمكن لمجموعة تاورة استرجاع 5308 لتر من المازوت و775 لترا من البنزين سنة 2006، وفي ظرف الثلاثة اشهر المنقضية لهذه السنة (2007) تم استرجاع 3440 لترا من المازوت وهو ما مجموعه زهاء 10.000 لتر.. أي حقل نفط مصغر مجازا! لكنه يؤكد النزيف الحاصل، والمازوت هو المادة الأكثر تهريبا نحو تونس، حيث يتميز المازوت بسعره المنخفض هنا وغلائه هناك (13.70 دينارا جزائريا للتر هنا) و(6.90 دينار تونسي هناك أي حوالي 40 دينارا جزائريا باعملة الوطنية) ما يسمح للمهربين التونسيين إعادة بيعه عندهم بأسعار ربحية وهامش فائدة مقبول، وقد ضاعفت جودة المازوت الجزائري من انتشاره هناك، هكذا يهرب الجزائريون مشتقات النفط مقابل ماذا؟! مقابل المعكرونة والسباڤيتي والحلوى ومقابل السكر الذي يباع في تونس ب 6.6 دينار للكيلو أي ما يقابل 40 دج للكيلو، ما يحقق للمهربين ربح 15 دج في الكيلو الواحد اذا ما بيع ب 55 دج للكيلوغرام هنا، واحيانا تتم مبادلته بالصوف.. نعم مقابل الصوف التونسية المنتزعة في الغالب من الماشية الجزائرية المهربة، ووفق نواميس المهربين من كلا البلدين، فإنه لا وجود لتعاملات مالية، كل شيء يتم عن طريق المقايضة، تفاديا لمصادرة الأموال وتهربا من المتابعات الجزائية المندرجة تحت بند المادة القانونية (مخالفة الصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج)، التي يعاقب عليها القانون،‮ ويفضل‮ المهربون‮ هنا‮ المطلعون‮ جيدا‮ على القوانين‮ الجمركية‮ والعقابية‮ تعريض‮ السلعة‮ للحجز‮ بدل‮ تعريض‮ أنفسهم‮ للسجن‮!‬
ويكشف الواقع المر أيضا أن "بعض الفلاحين المالكين لشهادات الحيازة للاستغلال الفلاحي للأراضي الواقعة قرب الشريط، يسمح لهم القانون من الحصول على 200 لتر بقرار ولائي يتم شحنها من محطات البنزين بغرض تزويد الجرارات والمحولات الكهربائية"، لكن ولإنعدام المراقبة الإدارية يستغل هؤلاء الرخصة القانونية الموجهة للفلاحة الجزائرية لتهريبها إلى تونس، حيث تستعمل هناك في التدفئة ولتحرك السيارات، وقد كشف الرائد محمد يادري في هذا الإطار "أن مصالح حرس الحدود استطاعت بفضل تجند ويقظة عناصرها الحد من هذا النزيف الحاد بشكل كبير وبنسب عالية وعلى باقي المصالح الإضطلاع بمسؤولياتها، لأن المهمة أمنية وهو ما تقوم به، لكن من جانب آخر هي ادارية وقانونية، على باقي المصالح مراقبة الرخص الممنوحة وتتبعها على مستوى محطات البنزين، وتمكيننا من قوانين تسمح لنا بمراقبة محطات البنزين، وكذا تمكيننا من آليات قانونية مرنة تسمح لنا بتفتيش منازل الفلاحين المشبوهين الذين يخزنون المازوت داخل منازلهم أو في صهاريج خاصة، قبل تحويلها على مراحل فوق أظهر الحمير إلى الجانب الآخر، ينبغي توفير غطاء قانوني يسمح بتفتيش المنازل المخزنة للمادة".
طاهر‮ حليسي‮


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.