لعلّ من أكثر قصص القرآن الكريم الحافلة بالدّروس والعبر التي لا يستغني عنها مسلم في هذه الحياة، قصّة نبيّ الله يونس عليه السّلام، هذا النبي الكريم الذي أرسله الله تعالى إلى أهل “نينوى” في “موصل” العراق، وكانوا مائة ألف أو يزيدون، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، فلم يؤمنوا به، بل كذّبوه وأصرّوا على كفرهم وشركهم وإعراضهم، فلمّا رأى إصرارهم وعنادهم، ذهب مغاضبا وتركهم، بعد أن توعّدهم حلول العذاب. ظنّ نبيّ الله يونس –عليه السّلام- أنّ الله لن يَقْدُر عليه -أي لن يضيّق عليه ولن يعاتبه في ترك دعوة قومه- وركب سفينة في البحر مشحونة بالمسافرين معهم أغراضهم. كان كلّ شيء عاديا في البداية، ولكن ما أن توسّطت السّفينة البحر، حتى هاجت بها الرياح فماجت واضطربت، فألقوا متاعهم ليخفّفوا الحمل، ولكنّ السّفينة لم تهدأ، فقرّروا أن يلقوا ببعض الركّاب واقترعوا لذلك، وقدّر الله أن تقع القرعة في كلّ مرّة على نبيّ الله يونس عليه السّلام، فألقى بنفسه في البحر المضطرب، فبعث الله حوتًا عظيماً فالتقمه، بعد أن أمره الله بأن لا يأكل ليونس لحماً ولا يهشم له عظماً، فلبث في بطنه أياما، علم فيها أن لا منجي له من ظلمة الحوت وظلمة البحر إلا الله، ((فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين))، فأمر الله الحوت أن يلقيه، فألقاه في أرض لا بناء فيها ولا شجر، وبه من الضّعف والوهن ما الله به عليم، وأنبت عليه شجرة من يقطين (قَرْع) تظلُّه ويقتات منها حتى استعاد عافيته.. أمّا قوم يونس، فإنّهم لمّا غادرهم يونس عليه السّلام، وتحقّقوا نزول العذاب ورأوا بوادره، ألقى الله الخشوع والخضوع في قلوبهم، فندموا وتابوا وأنابوا، وجأروا إلى الله وتضرّعوا إليه أن يردّ عنهم عذابه، وبكوا رجالا ونساءً وأطفالا، فكشف الله عنهم العذاب، وردّ عنهم العقاب، وحين عوفي نبيّ الله يونس –عليه السّلام- ورجع إليهم، وجدهم قد آمنوا واستقاموا. لا بدّ للخطأ من ضريبة.. إلا أن يعفو الله لعلّ من أظهر وأهمّ دروس هذه القصّة أنّ لمخالفة أمر الله فاتورةً لا بدّ أن تدفع، إلا أن يعفو الله بمنّه وكرمه، فالغالب أنّ من خالف أمر الله حلّت به عقوبته في الدّنيا قبل الآخرة، إلا أن يتوب الله عليه قبل حلولها، فهذا نبيّ كريم، عوتب في تركه قومه قبل أن يأذن الله له، ونزل به بلاء عظيم، ومع أنّ خطأه لم يكن ذنبا ولم يتعدّ الاستعجال وترك ما هو أولى وأفضل، إلا أنّ الله ابتلاه فألقي في البحر الهائج، ثمّ التقمه الحوت الجائع، حتى صار في ظلمات بعضها فوق بعض.. وهكذا كلّ عبد في هذه الدّنيا يخالف أمر الله ونهيه، لا بدّ أن تحلّ به العقوبة، إلا أن يعفو الله؛ فمن عصى الله فليهيّئ نفسه لعقابه، يقول سبحانه: ((مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَبِه))، والعقوبة لا يشترط أن تكون مصيبة أو بلاءً ظاهرا يصيب البدن، فقد تكون عقوبة المعصية قسوة تصيب القلب، وهذه من أدقّ وأضرّ العقوبات التي لا يتنبّه لها كثير من النّاس، وهي عقوبة تجرّ خلفها عقوبات أخرى، فما ابتلي عبد بمصيبة أعظم عليه منقسوة قلبه، حينما يحال بينه وبين الاهتمام بالطّاعات، فتمرّ عليه الأيام والليالي من دون أن يكون له حظّ من تلاوة القرآن وتدبّره، ولا حظّ من قيام اللّيل، وتمر عليه مواسم الخير، مثل رمضان والست من شوال وعشر ذي الحجّة، فلا يجد من نفسه حرصا على استغلالها. وأي عقوبة أعظم من أن يحسّ العبد بثقل الصّلاة على نفسه حتى يكون همّه التخلّص منها، وبثقل الذّكر على لسانه، حتى لا يكاد يتحرّك به إلا قليلا، ويشعر بحجاب يحجبه عن القرآن، وربّما يقع في بلية أو كرب ويكون في أمسّ الحاجة إلى ذكر مولاه والتضرّع إليه، فيخونه لسانه ويخذله قلبه ويتعلّق بالأسباب الظّاهرة، فيوكل إلى نفسه، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “من أثر الذنوب والمعاصي أنّ العبد إذا وقع في شدّة أو كُربة أو بلية؛ خانه قلبُه ولسانُه وجوارحُه عمّا هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى والإنابة إليه والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه، ولا يطاوعه لسانه لذِكره” (الداء والدواء، ص215).. وإذا حيل بين العبد وبين الطّاعات والقربات، أقبلت نفسه على الشّهوات والملهيات، وتحرّكت جوارحه بالمعاصي والمخالفات، وانقضت أوقاته في الانشغال بالنّاس عن نفسه، وبهمّ الدّنيا عن همّ الآخرة.. وهكذا ربّما يعاقب المرء بعقوبات من هذا القبيل وهو لا يشعر، بل يظنّ أنّه معافى! فأهون العقوبات هي التي تنزل بالبدن والجوارح الظّاهرة، أمّا العقوبة التي تنزل بالقلب، فهي أضرّ وأعظم عقوبة، يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله: “وربّما رأى العاصي سلامة بدنه وماله، فظنّ أنْ لا عقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة، وربما كان العقاب العاجل معنويًا كما قال رجل من بني إسرائيل: يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني! فأوحى الله إلى نبيّ ذلك الزّمان أن قل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري، أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟”. لأجل هذا كان الصّالحون من عباد الله، ينظر الواحد منهم إلى كلّ بلاء ينزل به على أنّه عقوبة من الله لمعصية وقع فيها أو مخالفة ارتكبها. يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: “إنّي لأعصي الله -عزّ وجلّ- فأعرف ذلك في خُلُق دابتي وجاريتي”، بل إنّهم قد بلغ بهم الأمر إلى حدّ محاسبة أنفسهم على ترك المستحبّات وفعل بعض المباحات، شعارهم في ذلك: ((أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)). يُروى عن أبي عثمان النيسابوري -رحمه الله- أنه انقطع شسع نعله في طريقه إلى الجمعة، فانشغل بإصلاحه ساعة، ثم قال: “ما انقطع إلا لأني تركت غسل الجمعة”! قد تكون العقوبة خيرا من دروس قصّة يونس عليه السّلام أيضا، أنّ العبد المؤمن ينبغي له أن ينظر إلى عقوبة الله على أنّها خير له، لأنّها من الرؤوف الرّحيم سبحانه، فمهما كانت عظيمة فهي أهون من عقاب الآخرة، وهي رسالة من الله إلى عبده ليعود ويصلح قبل أن تختم صحيفته ويغلق دونه باب التّوبة.. عندما ابتلى الله سبحانه عبده ونبيّه يونس عليه السّلام، كانت العاقبة خيرا له، فقد عبد الله وسجد له ودعاه في بطن الحوت؛ في مكان لم يسجد فيه ولم يدعُ فيه أحد قبله ولا بعده، وقرّت عينه بإيمان قومه وهدايتهم، وأُلهم دعاءً من أعظم وأنفع ما يُدعى به الحنّان المنّان سبحانه، ((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين))، وكان بعد البلاء أعظم قدرا عند الله.. وهكذا كلّ عبد مؤمن، يعصي الله، فينزل الله به عقوبة في الدّنيا شفقة عليه من عقوبة الآخرة، ويضيّق عليه ليراجع نفسه ويتوب ويؤوب. الحنّان المنّان –سبحانه- لا يحبّ أن يرى عبده يبتعد عنه ويقترب من عدوّه إبليس، لذلك يبتليه ويعاقبه ليُقربه إليه، وليرى دموعه ويسمع اعتذاره، ويرى ضعفه وفقره وحاجته.. ولهذا قد يعاقب الرّؤوف الرّحيم سبحانه عبدا يحبّه، ولا يعاقب عبدا آخر من عباده لا يحبّه، فها هو سبحانه قد ابتلى نبيا من أنبيائه، يونس عليه السّلام، ولم يعاقب قوم يونس الذين عصوا وأصرّوا، ولذلك لا يجوز أبدا أن ننظر إلى البلاء الذي ينزل بعبد من عباد الله على أنّه دليل على غضب الله عليه أو مقته له، يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: “لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى” (متّفق عليه). لا يأس على طريق الدّعوة من دروس قصّة يونس أيضا أنّ العبد المؤمن ينبغي له ألا ييأس أبدا من هداية من يدعوهم وينصحهم، مهما طال الزّمن، ومهما كان العناد؛ فها هم قوم يونس –عليه السّلام- على كثرتهم وعنادهم وإصرارهم على الكفر لأكثر من 30 سنة؛ حين أراد الله هدايتهم، آمنوا جميعا وصلحت حالهم؛ فالدّاعي إلى الله النّاصح في الله مأجور على دعوته ومأجور أكثر على صبره، والقلوب بيد الله والهداية منحة ربانية وتوفيق إلهي، فإذا بلي الزّوج المسلم –مثلا- بزوجة ناشز، فلا ينبغي له أن يملّ من السّعي في إصلاحها، وإذا ابتلي الأب المؤمن بأبناء عاقّين فليصبر على نصحهم وعتابهم ومحاولة إصلاحهم، مستعينا بالله، آملا أن يحدث الله بعد ذلك أمرا. والله يعلم وأنتم لا تعلمون ومن دروس قصّة يونس أيضا أنّ العبد المؤمن ينبغي له أن يرضى بما يختاره الله له في هذه الدّنيا ويطمئنّ، فمهما بدا للنّفس أنّ الطّريق من دون فائدة، فليكن على يقين أنّ ما يختاره له العليم الخبير –سبحانه- هو خير له ممّا تريده نفسه، لأنّه سبحانه يعلم الغيب وأحاط بكلّ شيء علما، ((وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون)).. قال أحد السلف: “إني أدعو الله في حاجة، فإذا أعطاني إياها فرحت مرة، وإذا لم يعطني إياها فرحت عشر مرات؛ لأن الأولى اختياري، والثانية اختيار الله علاّم الغيوب”. وكذلك ننجي المؤمنين ومن دروس قصّة يونس –عليه السّلام- أنّ المولى سبحانه يتولّى عباده الصّالحين، ويربط على قلوبهم، ويجعل لهم من كلّ ضيق مخرجا، ومهما انقطعت الأسباب والحيل فإنّ الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء، يحتاج العبد فقط إلى حسن ظنّ بمولاه الكريم، وإلى تضعّف وافتقار معه دعاء يخرج من القلب قبل أن يتحرّك به اللّسان، ومن أفضل الأدعية التي كتب الحنّان المنّان أن يفرّج بها كربات عباده ويقضي بها حاجاتهم، هذا الدّعاء الذي دعا به نبيّ الله يونس عليه السّلام وهو في بطن الحوت. يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “دعوة ذي النون، إذ دعا وهو في بطن الحوت: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”؛ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له” (رواه الترمذي)، ويقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “عجبتُ لمن أصابه همٌ أو كربٌ، كيف لا يقول “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين”.. وكيف لا يجيب الحنّان المنّان سبحانه دعاءً بدأه صاحبه بهذه الكلمات وهو سبحانه القائل: ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِين)).. يروى أنّ شابا اتّهم بجريمة لم يقترفها وأودع السّجن ظلما، وفي فترة سجنه، تقدّم أحد الشيوخ ليلقي محاضرة في السجن، وعندما انتهت المحاضرة أخذ الفتى يبكي ويؤكد للشيخ أنه مظلوم وأنه لم يرتكب الجريمة التي اتّهم بها، فنصحه الشيخ بأن يكثر من ترديد دعاء نبيّ الله يونس عليه السّلام بخشوع وحضور قلب، فهو من الادعية التي تفك الكرب وتزيل الهمّ، وبالفعل حرص الشابّ على ترديد الدعاء، ولم يمر أسبوعان حتى تم إثبات براءته من الجريمة وخرج من السجن بفضل الله ثمّ بفضل هذه الكلمات: ((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين)). فلولا أنّه كان من المسبّحين من دروس قصّة يونس عليه السّلام أيضا أنّ العبد المؤمن ينبغي له أن يسعى ليدّخر لنفسه أعمالا صالحة لأيام الشدّة والبلاء، فلا أنفع للعبد عند حلول البلاء بعد فضل الله من عمل صالح خالص لوجه الله يحرص عليه العبد ويواظب عليه، ولهذا قال المولى–سبحانه- في قصّة نبيّه يونس عليه السّلام: ((فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون)).. ولعلّ من أشهر القصص التي تشير إلى أثر العمل الصّالح في كشف البلايا وتفريج الكروب قصّة الشّباب الثلاثة الذي أووا إلى كهف في جبل اتقاءَ المطر، فنزلت صخرة عظيمة فسدّت باب الغار، فقال بعضهم لبعض إنّه لا ينجيكم من هذه الصّخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم؛ فدعا أحدهم ببرّه والديه، ودعا الثّاني بعفّته عن الحرام ودعا الثّالث بحرصه على حفظ الأمانة، فانزاحت الصّخرة وخرجوا يمشون بفضل الله.