رمطان لعمامرة يتباحث مع وزير خارجية النيجر    80 موقعا أجنبيا يشن حملات تشويه ضد الجزائر    100 ألف لتر أكسيجين يوميا ستدعم المستشفيات للحد من الأزمة    الجمارك تنفي صعوبات في جمركة مكثفات الأكسجين    التحقيقات الابتدائية أكدت "الطابع الإجرامي" لحرائق الغابات    الحصيلة الأسبوعية لحوادث المرور 42 شخصا وأصابة 1337 آخرون    اتحاد التجار ينفي ندرة مادة الفرينة    التزام ثابت بمكافحة الإرهاب    إدارة بايدن تعيد النظر في بيع أسلحة للمغرب    إبراهيم رئيسي ينصب رسميا رئيسا لإيران    مهنية وعراقة دبلوماسيتنا    التماس 10 سنوات حبسا نافذا في حق الوالي السابق موسى غلاي    هذا هو السبب..    وزير التربية: التلقيح واجب وطني    انهيار رافعة حاويات بميناء بجاية    الرباع وليد بيداني يغيب عن منافسة اليوم رسميّا    "قرار اعتزالي لعالم التدريب لا رجعة فيه"    علينا استخلاص الدروس من مشاركاتنا في الأولمبياد    الرئيس تبون يترأس اجتماعا للمجلس الأعلى للأمن اليوم    المؤامرات ضد الجزائر حقيقة واقعة    الإعلان عن الفائزين بعرض الدار في انتظار الفوز بالدرع الذهبي    ملتقى دولي حول اللغة والعربية ورقمنة التراث    سعيد بفوز فيلم "فوبيا" بجائزة السيناريو في مهرجان عراقي    إدارة بايدن تعيد النظر في بيع أسلحة للمغرب    مضوي يريد إيزماني في القادسية الكويتي    برشلونة يضع النقاط على الحروف في عقد ميسي    بلمهدي يدعو لضرورة تبنّي خطاب ديني معتدل    اجتماع مع رؤساء المؤسسات الصناعية لحل مشكل رخص التجزئة والبناء    أمن العاصمة يوقف 3 أشخاص ويحجز 16 غراما من الهيرويين    حجز وإتلاف قرابة 13 ألف بيضة فاسدة    مصرع شيخ ضرير في حريق منزل    اللصان بين يدي الأمن    ندرة حادة في مادة الخبز بسبب ارتفاع أسعار الفرينة    وزير العدل يتسلّم مسودة المشروع التمهيدي    تجاوب واسع مع مبادرة طوال وبن عياد    أنا بصدد تحضير لحن أغنية تمجد الأمير عبد القادر    سنة واحدة تمر على وفاة سعيد عمارة    نفاد الأوكسجين بمستشفى طب النساء و التوليد «بن عتو ميرة»    البرلمانيون بمستغانم يحصون نقائص مصالح كوفيد    دياب يشدّد على العدالة الكاملة في انفجار المرفأ    إصابة شخص بعد سقوط رافعة    تفكيك جمعية أشرار خطيرة    تراجع الذهب والدولار إلى أدنى مستوى    حملة تحسيسية لمجابهة فيروس كورونا    مليارا سنتيم لاقتناء الأكسجين    الجزائر ودول افريقية تعترض على قرار رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    لحساب تسوية رزنامة الرابطة المحترفة: صدام سوسطارة والقبائل بعنوان الاقتراب من البوديوم    فيلم "فرسان الفانتازيا" يفتك جائزة أحسن وثائقي بكولكاتا في الهند    رئيس المركز العالمي للتحكيم الدولي وفض المنازعات يتطرق إلى موضوع ا"لجوهر "    الرئيس التونسي ينهي مهام وزيري المالية والاتصالات    الاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين ينفي ندرة مادة "الفرينة"    لا يتحوّر !    الفقيد كان من ذوي الرأي والمشورة ودراية عميقة بالدين    هذه حكاية السقاية من زمزم..    أدعية الشفاء.. للتداوي ورفع البلاء    استثمار العطلة الصيفية    اعقلها وتوكل    الإسهام في إنقاذ مرضى الجائحة والأخذ بالاحتياطات واجب الوقت    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأخضر براهيمي للشروق: هذه قصتي مع الدبلوماسية والثورة وجمال عبد الناصر
نشر في الشروق اليومي يوم 29 - 06 - 2007


سيرة موجزة
وُلد لخضر ابراهيمي في الفاتح من جانفي 1934 بالعزيزية، بلدة نائية من التراب الوطني. كان والده، المدعو صالح، مزارعا وموظفا بسيطا ("خوجة" على وجه التحديد) في إدارة تلك البلدية الصغيرة. الوالد الذي كان يحز في نفسه أنه لم يتلق تعليما، كان يتطلع إلى رؤية ابنه لخضر ابراهيمي وهو يحصل على شهادة التعليم الابتدائي التي كانت شهادة تحظى بتقدير كبير في تلك الفترة. وقد تحقق الرجاء، لكن بعد وفاة صاحبه قبل الموعد.
وبعدما صار يتيم الأب، انتقل لخضر ابراهيمي إلى بلدة عين بسام حيث قضى سنة في التحضير لمسابقة دخول "مدرسة" ( "medersa"، هكذا باللغة الفرنسية، وهي مدرسة أهلية للتعليم الحر) الجزائر العاصمة الشهيرة التي كان التعليم فيها يتم باللغتين العربية والفرنسية. هذا، وقد أنهى لخضر ابراهيمي دراسته بالمؤسسة المذكورة سنة 1953 متوجا إياها بالحصول على الجائزة الأولى في المسابقة العامة للغة العربية المفتوحة لطلاب الثانويات بكل من فرنسا وإفريقيا الشمالية. إثر ذلك مباشرة، التحق بكلية الحقوق ومدرسة العلوم السياسية بالجزائر العاصمة لينتقل بعد ذلك إلى العاصمة الفرنسية، باريس، في شهر سبتمبر من سنة 1955.
إثر انتخابه نائب رئيس لجمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا (AEMAN) بالجزائر العاصمة سنة 1954، قام لخضر ابراهيمي بدور نشط في تأسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين (UGEMA) وانتخب نائب رئيس له. هكذا وجد نفسه، مثله مثل جميع الطلبة الجزائريين تقريبا في تلك الفترة، في خضم ذلك الغليان الذي عم الوسط الجامعي كله. هكذا انقطع لخضر ابراهيمي عن الدراسة ليكرس وقته كله للنشاط السياسي. في أفريل 1956، وبالتشاور مع قيادة جبهة التحرير الوطني، أوفده اتحاد الطلبة، برفقة محمد الصديق بن يحيى، إلى ندوة طلبة إفريقيا وآسيا المنعقدة بباندونغ، أي سنة فقط بعد تلك القمة التاريخية لحركة عدم الانحياز التي انعقدت بنفس المدينة الإندونيسية الشهيرة. بعد ذلك مباشرة، وضع المبعوثان نفسهما تحت تصرف وفد جبهة التحرير الوطني بالخارج ليبقى لخضر ابراهيمي، بعد مغادرة بن يحيى، بمفرده بجاكرتا حيث أمضى خمس سنوات كاملة ممثلا لجبهة التحرير الوطني هناك، موسعا مجال نشاطه إلى باقي بلدان المنطقة لاسيما ماليزيا، تيلاندا، برمانيا وسنغافورة. وقد استغل فرصة إقامته هناك لتعلم اللغة الإندونيسية، كما استطاع أن يقيم علاقات ودية مع الرئيس سوكارنو الذي كان يستقبله بكل ودّ. سنة 1961، استدعي إلى القاهرة، مقر وزارة الشؤون الخارجية للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (GPRA). بعد الاستقلال، قضى لخضر ابراهيمي فترة قصيرة بالإدارة المركزية لوزارة الخارجية قبل أن يعينه الرئيس بن بلة أول سفير للجزائر بالقاهرة في شهر مارس 1963. أثناء إقامته بالعاصمة المصرية، استطاع أن يلج أكثر الأوساط القاهرية تنفذا، رابطا علاقات صداقة مع مشاهيرها من أمثال محمد حسنين هيكل ؛ بل ولقد استطاع أن يقيم صلات مفضلة بالرئيس عبد الناصر. ولاشك أن مثل هذه الحظوة قد سمحت له بالإسهام في قيام علاقات مباشرة بين الرئيسين الجزائري والمصري. وبالفعل، فقد صار الرئيس بومدين يحيط لخضر ابراهيمي برعاية خاصة ويستقبله بانتظام على انفراد. هذه الرعاية مكنته من أن يبقى بالعاصمة المصرية إلى غاية سنة 1970. بعد عودته إلى الجزائر، لم يمكث بوزارة الشؤون الخارجية إلا سنة واحدة إذ تم تعيينه سفيرا من جديد بلندن لدى المملكة المتحدة..
من 1988 إلى 1991، قام لخضر ابراهيمي، بكل عزم وتفان، بمهمة وسيط بلبنان من أجل إبرام اتفاقيات الطائف باسم الجامعة العربية التي كان نائب أمينها العام. وفي 1991، عاد إلى الجزائر لشغل منصب وزير الشؤون الخارجية الذي ما لبث أن استقال منه، سنة 1993. ولم تمض إلا فترة قصيرة حتى دعاه الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة آنذاك وصديقه، بطرس غالي، ليعينه مبعوثا خاصا للمنظمة بالزائير حيث قام بعدد من الزيارات للإسهام في مساعدة بلد مشلول تماما. بعد هذه المهمة، عين لخضر ابراهيمي مبعوثا خاصا لمنظمة الأمم المتحدة على رأس بعثة لمراقبة الانتخابات التي وضعت حدا لنظام الميز العنصري هناك. وفي نفس السنة، عين مبعوثا خاصا للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة باليمن بغرض المساعدة في وضع حد للحرب الأهلية التي كانت قائمة هناك. في 1996، عين لخضر ابراهيمي ممثلا خاصا لمنظمة الأمم المتحدة بهايتي حيث كانت الأمم المتحدة تسعى لمساعدة هذا البلد على النهوض من العواقب التي خلفتها دكتاتورية دوفاليي والعسكريون الذين أطاحوا بالرئيس أريستيد. من 1997 إلى 1999، عين مبعوثا خاصا لمنظمة الأمم المتحدة بأفغانستان إلا أنه استقال في شهر سبتمبر 1999 بسبب قلة الاهتمام الذي كان مجلس الأمن يبديه بشأن الأزمة في أفغانستان. ودائما في إطار الأمم المتحدة، مارس لخضر ابراهيمي، من 1999 2001، مهام نائب أمين عام مكلف بالبعثات الخاصة لدعم مساعي خفظ السلام. وقد قادته شهرته الدولية، سنة 2000، إلى رئاسة لجنة من الشخصيات كُلِّفت بالتفكير حول عمليات حفظ السلام وإعداد تقرير عرف ب "تقرير ابراهيمي". وبعد سقوط نظام طالبان، عين لخضر ابراهيمي، من جديد، ممثلا خاصا للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة بأفغانستان حيث أشرف على عمل المنظمة الأممية في إعادة بناء الدولة الأفغانية.
وفي فيفري 2004، قبل، على مضض، مهمة مؤقتة لحساب منظمة الأمم المتحدة بالعراق التي سرعان ما انسحب منها، في شهر ماي من نفس السنة. ومن 2004 إلى 2005، صار لخضر ابراهيمي مستشارا خاصا للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة إلى غاية استقالته منها في 31 ديسمبر 2005. بعد تقاعده، تمت تزكية لخضر ابراهيمي، في سبتمبر 2006، عضوا في مدرسة العلوم الاجتماعية بمعهد الدراسات المتطورة (Institute of Advanced Studies) بجامعة برينستون Princeton University الأمريكية الشهيرة. لخضر ابراهيمي حائز لدكتورات فخرية من كل من الجامعة الأمريكية ببيروت، جامعة أكسفورد البريطانية، جامعة نيس الفرنسية (كلية الحقوق) وجامعة بولونيا الإيطالية (كلية الحقوق). لخضر ابراهيمي أب لثلاثة أطفال من زوجة هي ابنة ضابط يوغسلافي سابق، وهو صديق لبن بلة، شارك في نقل الأسلحة إلى جيش التحرير الوطني وتوفي على متن إحدى السفن المستعملة لهذا الغرض، وكان ذلك سنة 1956.
تقديم
(باريس في 23 جوان 2007). في 1987، وأنا بصدد التحضير لمذكرة بحث تتعلق بنزاع الصحراء الغربية، كنت في حاجة إلى الاتصال ب Nicole Grimaud بوصفها خبيرة بقضايا السياسة الخارجية للبلدان المغاربية. لكن لكم كانت دهشتي كبيرة عندما استوقفتني هذه السيدة بطريقة حادة مخاطبة إياي بهذه العبارات: "السيد مصباح، هل مسؤولوكم يدركون أن هناك انقطاعا خطيرا يتهدد عملية تجديد السلك الدبلوماسي لبلدكم بعد الزوال المتوقع لذلك الجيل من "الدبلوماسيين المناضلين" ممن تركوا بصماتهم على الساحة الدولية ؟". طبعا، لم يفتني إيلاء أهمية لمثل هذا الخطاب وتذكرت، حينئذ، صورة هؤلاء "الدبلوماسيين المناضلين"، وكان أول من خطر ببالي لخضر ابراهيمي. وفعلا، كيف يمكن تعويض تلك الشخصيات الرمزية التي عرفتها الدبلوماسية الجزائرية في السابق بشباب طموحين حقا لكنهم مفتقرون إلى ما كان لأسلافهم من دراية ومن عزيمة في العمل وقوة في القناعة ؟ حقيقة، المهمة صعبة لكنها غير مستحيلة. لاشك أن النجاح في نقل المشعل إلى هؤلاء الشباب المتحمسين يستدعي أن يُجِلَّ هؤلاء أسلافهم مع البدء بتخليد مآثرهم للتاريخ، ذاكرين بطولاتهم الدبلوماسية و، في بعض الأحيان، إخفاقاتهم لأسباب موضوعية احتواها سجل الحرب الدبلوماسية التي خاضتها جبهة التحرير الوطني من أجل الاستقلال الجزائر. يعلم الله ويعلم المؤرخون كم أن هذه الحرب لم تكن سدى بالنظر إلى النتائج المحققة.
وفي السياق ذاته، تمنيت لو أن دبلوماسيا شابا يقوم مقامي اليوم لإجراء هذا الحوار مع السيد لخضر ابراهيمي مادام الغرض من هذا الحوار هو خدمة الذاكرة الوطنية، فقط لا غير، من خلال تسجيل مآثر تجربة فريدة من نوعها في شكل وثيقة تُصب في صفحات تاريخ الدبلوماسية الجزائرية. ينبغي، في هذا الصدد، الاعتراف بفضل لخضر ابراهيمي الذي لم يتردد في قبول إجراء هذا الحوار، لا لجريدة غربية أو أمريكية شهيرة وإنما ليوميتين جزائريتين، ألا وهما Le Soir d'Algérie و الشروق اليومي السعيدتين لأنهما مقروءتين من طرف الجزائريين قبل غيرهم. لنعد الآن إلى متن الحوار الذي تفضل به علينا لخضر ابراهيمي. إني لمعجب بذلك الحرص الذي اعتمده الرجل في تحضير هذا الحوار إذ كان في كل مرة يتساءل، بكل تواضع، حول بعض حالات السهو التي يكون قد وقع فيها، لاسيما عندما انتبه إلى أنه نسي ذكر أسماء بعض من رفاقه الراحلين من أمثال امحمد يزيد وعبد القادر شندرلي. كما أعرب لي عن بعض الانشغال بسبب ثقل المادة بالنسبة إلى القارئ، تاركا لي حرية شطب ما وجدته زائدا عن الحاجة. وقد لفت انتباهي تأثره بالأسلوب الأنجلوسكسوني في التفكير بحيث كان، أحيانا، يتناول الظواهر الدولية بصيغ إنجليزية خاصة تصعب ترجمتها كما هي إلى لغة أخرى.
حينما يعود لخضر ابراهيمي إلى سيرته الذاتية، متناولا، على التوالي، فترة صباه التي قضاها ببيئة ريفية للغاية، السنوات التي أمضاها بمدرسة الجزائر العاصمة، ظروف انضمامه إلى صفوف الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين ومنه القفز إلى النشاط الدبلوماسي "النضالي" داخل جبهة التحرير الوطني، نشعر لديه بعلامات الامتنان على الفرصة المتاحة له في هذا الحوار للتعبير عن آرائه. بطبيعة الحال، لقد أراد لخضر ابراهيمي هنا العودة إلى ماضيه، منذ البداية، انطلاقا من صباه وجاء سرده لسيرته دقيقا، واضحا، وتخللته وقائع من السهل التأكد من صحتها. أما حرصه على ذكر أسماء رفاقه، فقد ورد بمثابة الاعتراف لهم بالفضل في ما تحقق له من شهرة دولية على مر السنين. أما في ما يخص الأفكار الواردة في الحوار حول العلاقات الدولية على وجه التحديد، نجد لخضر ابراهيمي يظل متمسكا بذلك التحفظ الأسطوري الذي يطبع سلوك الدبلوماسيين عادة. غير أن هذا التحفظ لا يمنعه، كما يقول الفرنسيون، من "ركل المنملة" كلما لزم ومن تناول المسائل بكل صراحة وبلهجة تتنافى، أحيانا، والأفكار الشائعة لاسيما عندما يتعلق الأمر بالحديث عن السياسة الخارجية الأمريكية. وحتى وإن كنت لا أجرؤ أبدا على الحكم على التفكير النظري للخضر ابراهيمي وتجربته الميدانية، إلا أنني أسمح لنفسي بأن أنوه بذلك التواضع الذي يطبع سلوكه – والذي نادرا ما نلمسه لدى مسؤولينا – عندما يقلل من أهمية دوره أو يعترف بأخطائه بحسب الحال. وفي رده على السؤال المتعلق بشرح أسباب النجاحات الدبلوماسية التي حققتها الجزائر أثناء حرب التحرير بفضل هؤلاء "الدبلوماسيين المناضلين"، نجده يكتفي بجملة واحدة : "إن الثورة الجزائرية هي التي حملت الدبلوماسيين الجزائريين لا هؤلاء هم الذين حملوها !". وفي حديثه عن دوره كوسيط في النزاع المتواصل بالعراق إلى اليوم، نجده يقر بأخطائه، ومن دون أي لف أو دوران، حيث يقول : "بكل تواضع، أعترف أنني، في هذه الحالة، ارتكبت خطأ".
لنترك القارئ، إذاً، يكتشف بنفسه هذا التواضع الذي يرد به لخضر ابراهيمي على أسئلتنا، لكنه تواضع لا ينال، بأي حال من الأحول، من عمق الأفكار المطروحة وثراء البدائل المقترحة. لاشك أن هذا الحوار يسلط ضوءا جديدا على نظام العلاقات الدولية الذي هو بصدد التبلور. أثناء الاتصالات الأولى الممهدة لهذا الحوار، اقترحت على لخضر ابراهيمي الرد على تلك الانتقادات التي سمحت لها بعض الدوائر في الجزائر بالظهور ضده عندما كان وزيرا للشؤون الخارجية، فجاء رده كالتالي : "سي مصباح، تطلبون مني المشاركة في مهمة تريدونها ذات مستوى أكاديمي من أجل ترك أثر لتجربتي الدبلوماسية، فإذا بكم تريدون جري إلى مستنقع...". بعد سماع مثل هذا الرد، تذكرت مشهدا فريدا من نوعه. في 1993، ذات اليوم الذي قدم فيه استقالته كوزير للخارجية، ترأس لخضر ابراهيمي جلسة عمل حول الحد من الأسلحة الكيماوية حضرتُها باسم المعهد الوطني لدراسات الإستراتيجية الشاملة. بدت على وجهه علامات الجد والهدوء، بل وربما نوع من الامبالاة. ولما كنت على علم باستقالته وأعرف أنها قُبلت، تعجبت لذلك الهدوء البادي علي وجهه. ترى، هل كان لمسؤول آخر في وضعه أن يتصرف بنفس الهدوء، من دون أن تبدو على وجهه علامات السخط والحقد؟ بعد هذه الواقعة بفترة، فهمت أن لخضر ابراهيمي لم يكن من ذلك الصنف ممن يجعلون تقلد المسؤوليات غاية في حد ذاته. لقد كان يولي نفس الأهمية للحياة الأخرى، المليئة بنعم الفكر والسعادة العائلية. نِعم الفكر؟ هاهو يُدعى ضيف شرف من طرف جامعة برينستن الأمريكية الشهيرة للتفرغ إلى التفكير. السعادة العائلية ؟ هاهو يتأهب لسفر، يكاد يكون طقوسيا، إلى إندونيسيا للقيام بزيارة عائلية إلى أُسر رفاقه الإندونيسيين القدامى الذين عرفهم عندما كان ممثلا لجبهة التحرير الوطني بجاكرتا. إليكم، إذاً، الحوار الذي أجريناه مع لخضر ابراهيمي، لعله يكون مصدر إلهام لمشروع آت أو على الأقل سجلا لبصمات حياة مضت.
مسيرة حياة
محمد شفيق مصباح: إنه لشرف عظيم أن أسعد بلقياكم اليوم، السيد لخضر الإبراهيمي، لاسيما بعد تلك الشهرة الدولية التي اكتسبتموها في زمن تجد الجزائر صعوبة كبيرة في استعادة إشعاعها السابق. لقد سجلتم اسمكم في صفحات التاريخ المعاصر بفضل ذلك الدور الكبير الذي أديتموه في معالجة عدد كبير من الأزمات الحالية أو المنقضية. فلنبدأ الحوار، إذاً، بسؤال عفوي لاشك أنكم ستدركون رمزيته ألا وهو : هل تحنون إلى النشاط الدبلوماسي ؟
لخضر ابراهيمي: في الواقع، ليس لدي حنين إلى النشاط الدبلوماسي لاسيما وأن التجربة التي أعيشها منذ سنة تقريبا هي تجربة رائعة. فلأول مرة منذ أن غادرت مقاعد الدراسة، سنة 1956، أجد نفسي في وسط جامعي. إن الملتقيات التي أشارك فيها منذ شهر سبتمبر الفارط تخص، بالذات، "العالم الثالث اليوم" ؛ وإنه لمن المهم للغاية أن يناقش امرؤ مثلي، له تجربة ميدانية، هذا الموضوع مع أساتذة لهم معرفة أكاديمية لاسيما وأن هؤلاء جاؤوا من بلدان مختلفة ولهم مشارب متباينة. بطبيعة الحال، أغلبية هؤلاء الأساتذة أمريكيون، لكن هناك باحثون من جنسيات أخرى : واحد من الجماييك، واحدة من باكستان، واحد من فرنسا وباحثان من الصين. فهناك باحث يعمل منذ ثلاثين سنة حول إفريقيا التي يتكلم عددا من لغاتها، وباحثة تتكلم العربية وتعرف، بعمق، سوريا واليمن وباحث آخر يقوم بعمل جبار حول "باندونغ" وحركة عدم الانحياز ومسألة السيادة. كما أن هناك باحثة هي بصدد تأليف كتاب حول الإسلام في بلغاريا وأخرى بصدد نشر كتاب حول "مسألة الوشاح" بفرنسا. ومع ذلك، يصعب على المرء أن يولي ظهره، نهائيا، لمسار مهني امتد العمر كله من دون انقطاع. وعليه، أبقى على اتصال وثيق للغاية بمنظمة الأمم المتحدة وبزملائي السابقين هناك، وكذا بعدد من الصحفيين، الأساتذة والدبلوماسيين ممن يأتون إلي، من حين إلى آخر، لمناقشة بعض المسائل التي لدي دراية بها. كما يُطلب مني المشاركة في بعض الملتقيات أو تقديم محاضرات تتعلق بنفس المواضيع.
م. ش. مصباح: في ما يخص هذه التجربة الجديدة في المجال الأكاديمي، بالذات، هل لكم أن تعطونا فكرة عن جامعة برنستون التي تتواجدون بها حاليا وتحدثونا عن ظروف دعوتها إياكم؟
ل. ابراهيمي: أظن أنه من الأحسن تفادي الخوض في هذه المسألة وإلا جرنا الحديث إلى كلام يبين كيف أن الجامعة في البلدان المتطورة تبقى لصيقة بالواقع، مشكلة بوتقة تنصهر فيها الطاقات العملية والنظرية بحيث لا تهم المقاييس ولا يهم السن كثيرا.
م.ش. مصباح: أنتم تنتمون إلى جيل من الطلبة وجدوا أنفسهم في خضم حرب التحرير الوطني التي كانت، في الواقع، ثورة حقيقية، سياسيا، اقتصاديا واجتماعيا. وقد كان الانخراط، في بعض الأحيان، من دون أخذ الوقت اللازم للتفكير. لكن، قبل الخوض في هذه المرحلة من حياتكم، لنتحدث قليلا عن طفولتكم التي يقول عنها البعض إنها كانت شاقة لكنها ملئية بالجد...
ل. ابراهيمي: أنتم على حق حينما تقولون إن الانخراط في الكفاح من أجل التحرر جاء من دون "أخذ الوقت اللازم للتفكير". صحيح، المسألة لم تكن في حاجة إلى تفكير. إن البلد كان مهيئا لتلك المغامرة العظيمة ويبدو لي أن كل واحد، حيثما كان، التحق بصفوف الثورة بصورة تلقائية. أظن أننا سنعود إلى هذه النقطة في ما بعد خلال الحوار. أما في ما يخص طفولتي، فقد كانت طفولة صغير نشأ في قرية، بعيدا عن الطريق المعبد، أي عن السيارة، وعن الكهرباء، وعن الفرنسيين. كنا نعيش بضيعة ورثناها عن الأجداد وفي كنف اقتصاد كفاف بحيث كنا مكتفين بما تجود به الأرض علينا وبما تحضره لنا أمهاتنا وأخواتنا بالبيت. لم نكن أثرياء في مستوى الثراء الذي نراه اليوم، غير أننا كنا، لاشك، ميسوري الحال قياسا بالوسط الذي كنا نعيش فيه أثناء تلك الفترة. لم يتعرض أحد من عائلتنا القريبة للموت من جراء وباء التيفوس الذي أتى على جزء كبير من سكان الجزائر وصور وقائعه لخضر حمينة في فيلمه "سنين الجمر". لم يعان أي منا المجاعة في الوقت الذي عمت مجاعة تامة الجهة سنوات عدة أثناء الحرب العالمية الثانية. لم نعان البرد أيضا. ومع ذلك كانت مائدتنا زهيدة وملابسنا، التقليدية طبعا، متواضعة وحياتنا بسيطة. في كتابه الأخير بعنوان "أسماء وأماكن : ذكريات جزائر منسية"، يصف مصطفى الأشرف - في معرض حديثه عن طفولته هو - ذلك العالم الذي كان يعيش فيه بطريقة لا أستطيع أن أنافسه فيها. غير أن هناك فارقا بسيطا بالنسبة إلى القرية التي كان يعيش فيها هو، أي سيدي عيسى، التي كانت تأوي المدرسة العمومية (الفرنسية) والمدرسة القرآنية معا في الوقت الذي كانت المدرسة التي درست بها توجد على بعد بضع كيلومترات من البيت، على حافة طريق معبد، كنا نرتادها على ظهر حمار وفي بعض الأحيان راجلين. أما في ما يخص التعليم القرآني، فكان يتم عندنا بالضيعة على يد "الشيخ" المقيم بعين المكان الذي كان يعلمنا القرآن عند الفجر وفي نهاية النهار بعد الخروج من المدرسة العمومية. لا أتذكر أنني رأيت طبيبا أثناء السنوات الاثنتي عشرة الأولى من عمري ماعدا الدكتور Kest الذي كان يعالج والدي المصاب بداء السل والذي كان يأتي من الجزائر العاصمة بغرض الصيد بالجهة. كما أنني لم أتذكر رؤية فرنسيين قبل سن العاشرة ماعدا مرة، ربما سنة 1944، عندما أخذني والدي معه إلى العاصمة – وكانت بمثابة "الغزوة" فعلا – التي كان يزورها بانتظام من أجل تلقي العلاج على يد الدكتور Kest ذاته. ولعل عدم وجود طبيب في حياتنا أثناء تلك الفترة له علاقة بفقدان والدتي لأربعة من أطفالها التسعة في سن مبكرة وبوفاة شقيقتي الكبرى في سن العشرين.
من بين ذكريات صباي، لابد أن أشير إلى تلك الحياة الشاقة التي كانت النساء يعشنها في الأرياف في ذلك العهد. كن أول من يستيقظ وآخر من يأكل وآخر من ينام في البيت. إن المرأة، سواء كانت فقيرة أو ثرية، لم تكن تتوقف عن العمل أبدا : تبدأ يومها بترتيب الفراش في الصباح ثم تنصرف إلى قضاء يومها كله في الكنس، التنظيف، عجن الرغيف وطهيه بفرن أو على "طاجين"، فتل الكسكي، الطبخ، تقديم الأكل إلى الجميع، غسل الأواني والملابس وما إلى ذلك. وعند حلول الموسم، تقوم النساء بتجفيف الطماطم أو اللحم ويجعلن من كل شيء زادا، وفي بعض الأحيان لا يترددن في صنع المربى. كما كن يقمن بمهمات غسل الصوف في موسم الجز وغزلها وتلوينها وإقامة النول لإحاكة الزرابي والأغطية للعائلة كلها. بالإضافة إلى كل ذلك، كان عليهن أن يجدن من الوقت ما يسمح لهن بتدليل الأطفال وقص الحكايات عليهم أثناء ليالي الشتاء الطوال.
أعرف أن الكثير كتب حول هذا الموضوع، لكن يبدو لي أن أمهاتنا وأخواتنا لم ينلن بعد كل ما هن أهل له من تكريم.
بعد وفاة والدي، رحلنا إلى بلدة بير اغبالو، إلى ضيعة أخرى تملكها العائلة حيث كان يعيش عمي قدور وغيره. كان ذلك في شتاء 1945. إني أبقى محتفظا بتلك الذكرى الحية لمدرسنا، الشيخ علي عرباوي – وكان صديقا لوالدي – حينما أخبرني، في ربيع نفس السنة، أنه تم اكتشاف "دواء جاء متأخرا ببضعة أشهر بالنسبة إلى والدك المسكين" ؛ وقد فهمت، في ما بعد، أن الأمر تعلق بالبنسيلين. لقد توفي والدي جراء هذا الداء وعمره لم يتجاوز الأربعين. إننا اليوم نقول إنه رحل مبكرا جدا غير أن الأمر بالنسبة إلى تلك الفترة كان مغايرا بحيث كان معدل الحياة أقل من هذا العمر. أتذكر جيدا والدي، أي من الناحية البدنية. لا يزال البعض من الأهل يقول اليوم إنه كان "رجلا كريما". ومثلما كان محترما من طرف الجميع كان مهاب الجانب لأنه، كما يقال، كان صارما وربما أيضا سريع الغضب. لاشك في أنه كان صارما معنا نحن الأطفال، لكن ليس أطفاله فحسب وإنما أطفال العائلة كلها. ويحكى بنوع من الابتسامة أن شقيقه الأكبر، أحمد، الذي لم يكن البتة صارما مثله كان يهدد أولاده مخاطبا إياهم بهذه العبارة "سأخبر عمكم صالح...". لم تكن هناك خلطة بين والدي وبيننا ولم أتذكر أنني ظفرت، يوما ما، بقبلة أو بتربيت أو كلمة رقيقة منه. أكبر تعبير عن حنان أتذكره وقع في نهاية يوم شتوي حيث كان والدي ينتظر قدومي من المدرسة تحت مطر غزير. هناك واديان يمران بين بيتنا والمدرسة ولم يكن من السهل اجتيازهما حتى ولو على ظهر دابة. فقد أدركت، وأنا ابن الثمانية، كم كان والدي سعيدا لرؤيتي عائدا بسلام...
لم يحصل بيني وبين والدي تقارب إلا قبل شهرين، وربما أكثر بقليل، من وفاته، وكان ذلك في أواخر سنة 1944 التي كان شتاؤها شديد البرد. وقد علمت من خلال كلمات استطعت أن ألتقطها من الكبار من حوله أن حالته الصحية كانت سيئة للغاية وأظن أنني أدركت أن أيامه كانت معدودة. تلك هي الفترة التي بدأ يناديني فيها إلى البقاء معه، في المساء، بعد عشاء لم نكن، طبعا، لنتناوله معه. كان يجلس أمام الموقد وكنت أجلس على مسافة تقريبا وراءه أستمع إلى ما يقول. لم يخطر ببالي أن أطرح عليه أسئلة فبقيت أستمع إليه وكأنه كان يحدث نفسه، ليلة بعد ليلة. حدثني عن طفولته وأنه كان وأخاه غير الشقيق الأصغر سنا، قدور، من بين الأولاد السبعة للحاج إبراهيم. كما أشار لي أنه وأخاه هذا كانا صغيرين جدا عندما توفي والدهما بينما كان باقي الإخوة "كبارا، متزوجين أو في سن الزواج". يبدو أنه كان يريد أن يقول لي إنه هو أيضا عاش يتيما في سن أقل من سني. كما كان يقول لي كيف وضع هو وعمي قدور بزاوية "الشيخ حمامي" بعيدا عن العائلة بداخل البلاد، بالقرب من Palestro(الأخضرية حاليا) حيث لم تكن حياتهم سهلة على الإطلاق. لكنه كان يحدثني خاصة عن ضرورة متابعة الدراسة : "لا تتوقف، اذهب إلى أبعد ما يمكن. أنا أعرف أنك قد تتردد كي لا تغادر أمك وأخواتك. لكن، سترى، أمك نفسها هي التي ستشجعك على المضي". كما أتذكر تلك الليلة، ليلة خميس على ما أظن، حينما لم ينادني والدي إليه. في اليوم الموالي، رحل عنا. هذه الأحاديث، أو المونولوجات على الأصح، التي كانت بيني ووالدي في الأيام الأخيرة من حياته بقيت عالقة بذاكرتي إلى الأبد ولا أزال أراه أمام الموقد وغالبا ما يدوي صوته في رأسي. لم أتحدث عن هذا الجانب منذ مدة طويلة جدا !
م. ش. مصباح: يبدو أن والدكم حزن لأنكم لم تحصلوا، وهو حي، على تلك الشهادة الشهيرة، شهادة نهاية التعليم الابتدائي. هل شعوركم بهذا الدين المعنوي تجاه والدكم هو الذي يدفعكم، إلى اليوم، إلى عدم قطع الصلة بالجهد الفكري ؟
ل. ابراهيمي: ...لاشك ! في الواقع، ندمت كثيرا لأنني لم أستأنف دراساتي بعد الاستقلال عملا بتلك النصيحة الأبوية بالذات. لكن وكأنني أحلت، بمعنى ما، تسديد هذا الدين على شقيقي ميلود الذي شجعته على استئناف دراساته. على أية حال، كان شقيقي هذا أكثر نبوغا مني فاستأنف الدراسة وأكملها.
لكن لنعد إلى مرحلة الدراسة إن سمحتم. كنت، إذاً، بصدد قضاء سنة دراسية ببير غبالو للإعداد لتلك الشهادة الشهيرة عندنا، ألا وهي شهادة نهاية التعليم الابتدائي التي تجري امتحاناتها بسور الغزلان، البعيدة عنا بنحو عشرين كيلومتر إلى الجنوب. بعد ذلك بقليل، قضيت سنة بعين بسام للتحضير لمسابقة الدخول إلى "المدرسة". لكن لماذا عين بسام بالذات ؟ لأن هذه البلدة هي التي كان بها "مدرِّس" كما كنا نقول آنذاك، أي شخصا كان يدرس اللغة العربية بالمدرسة العمومية. كما كانت هنالك مدرسة حرة فتحت أبوابها منذ وقت قصير وكانت تابعة لجمعية العلماء. هكذا وجدت نفسي تلميذا لكل من الشيخ نذير زميرلي من بوسعادة والشيخ محمد أومزيان، مدير المدرسة الحرة ومدرسها الوحيد، القادم من منطقة القبايل، لأحضِّر، على يد هاذين الشيخين، المسابقة المذكورة. لم يكن هناك سوى عشرين مقعدا دراسيا لكل دفعة وكنت من الأواخر الذين تم قبولهم لأنني لم أكن، في الواقع، بارعا لا في اللغة العربية ولا في اللغة الفرنسية. كما كنت أصغر التلاميذ سنا.
نحن الآن في سنة 1947. وحتى وإن كنا نسكن في مشاتٍ نائية، سمعنا بوقوع "أحداث رهيبة" يوم 8 ماي 1945 في أماكن بعيدة من البلاد حتى وإن لم تكن بذلك البعد. عمي الأكبر، البشاغا لخضر الذي كنا جميعا نناديه "جدي"، شيخ العائلة الكبير، وابنه علي الذي سنقترب منه، أنا وشقيقي ميلود بعد وفاة والدنا، كانا يتحدثان عن هذه الأحداث في بعض الأحيان. كان البشاغا من بين هؤلاء الذين كان الناس ينادونهم ب "الإداريين"، وكان هدفا مفضلا لجريدة Alger Républicain التي، كما أذكر، نشرت رسوم كاريكاتورية جميلة عنه، لكن ذلك لم يمنعه من المواضبة على الاطلاع على أخبار هذه الجريدة من خلالي. فسواء كان "إداريا" أم لا، لم يمنعه وضعه أبدا من التعليق، بقسوة، على تلك الأعمال القمعية التي شهدتها سطيف وقالمة. كما كان يتحدث بنفس القسوة عن أحداث المغرب لاسيما نفي الملك محمد الخامس. وقبل وفاته بفترة قصيرة، في سبتمبر 1954، بعث بمشروع مقال إلى جريدة Le Figaro يدعو فيه إلى عودة الملك المنفي، مطالبا بإجراء إصلاحات "جريئة" (أتذكر هذه الكلمة بالذات) في الجزائر وإلا، حسب رأيه، "سيعرف بلدنا أحداثا مشابهة بتلك التي عرفها المغرب وتونس". غير أن اليومية الفرنسية المذكورة لم تقدم على نشر المقال وأظن أنها لم تكلف نفسها حتى عناء الرد على جدي.
ومع ذلك، فإن عين بسام، من حول المدرسة الحرة للشيخ محمد أومزيان، هي التي بدأنا شيئا فشيئا، نتعلم فيها مفردات الحس الوطني وهي التي تعلمنا فيها أولى الأناشيد الوطنية وهي، أيضا، التي كنا نرى – ولا أقول نطالع – فيها المجلة التي كان يشرف عليها الشيخ بشير الإبراهيمي الذي لم أستطع إلا في ما بعد بكثير تقدير جمال اللغة العربية التي كان يكتب بها : أسلوب بسيط، واضح، راق وساحر فعلا سواء من حيث الشكل أو المضمون. هذه البلدة دائما هي التي أخذنا نسمع فيها بأسماء فرحات عباس، الدكتور بن جلون، الدكتور سعدان، مصالي الحاج وغيرهم، وفيها أيضا كنا نرى، من حين إلى آخر، صحفا مثل Liberté و Egalité. ومع ذلك، لم ندخل بعد مرحلة الالتزام نحو القضية الوطنية. وكما قال مصطفى الأشرف، الوعي بهذه القضية بدأ يتبلور بالمدرسة التي التحقت بها بالعاصمة في ما بعد وكان ذلك بفضل الاحتكاك برفاق جاءوا من أماكن شتى من التراب الوطني وكذا الاحتكاك بسكان القصبة. لقد كنا نعيش وسط هذا الحي الفريد من نوعه والذي تبنانا الكثير من سكانه نوعا ما.
م.ش. مصباح: بالفعل، تميزت دارستكم الثانوية بميزة خاصة لأنكم درستم بما كان يسمى ب "المدرسة"، أي تلك المؤسسة التي ابتكرتها إدارة الاحتلال وكانت تدرس فيها كل من الحضارة الإسلامية والحضارة الفرنسية، على قدم المساواة تقريبا. ما هي الذكريات التي ما زلتم تحتفظون بها من هذه المرحلة من حياتكم ؟
ل. ابراهيمي: لعل قراءكم من الشباب لا يعرفون أن إدارة الاحتلال هي التي "ابتكرت" هذه المؤسسة الفريدة من نوعها. كانت هناك ثلاث مدارس من هذا النوع : الأولى بالعاصمة، الثانية بقسنطينة والثالثة بتلمسان. في البداية، كانت الدراسة تدوم أربع سنوات فقط وكانت هذه المدارس تستقبل تلاميذ في سن متقدمة نسبيا بحيث نادرا ما كان هناك تلاميذ يقل عمرهم عن ثماني عشرة سنة، وفي بعض الأحيان كان هناك تلاميذ عمرهم أزيد من هذا السن بكثير. فمصطفى الأشرف، مثلا، يقول إنه التحق بهذه المدرسة بعد أربع سنوات كاملة من التعليم المتوسط. تصوروا أن عمر أحد زملائي، في السنة الأولى من نفس الدفعة، كان عشرين عاما !
بعد الحرب العالمية الثانية، تم وضع "نظام جديد" بفترة دراسية من ست سنوات. لكن سواء في النظام القديم أو النظام الجديد، كانت المدرسة تخرّج، أساسا، معلمين للغة العربية، مترجمين قضائيين وأعضاء في هيئة ما كان يسمى بالقضاء الإسلامي. في سنة 1953، أجري إصلاح جديد أضفى نوعا من الأبهة على "المدارس" حين غير تسميتها إلى "ثانويات التعليم الفرنكومسلم" ؛ وكانت تسمية غريبة لم تكن ودية كثيرا. كما تم بناء مقر جديد لمدرسة الجزائر العاصمة بحي بن عكنون، يحمل اليوم اسم "ثانوية عمارة رشيد" ؛ أما المقر القديم الواقع جنب مسجد سيدي عبد الرحمان بأعالي القصبة، فقد خصص للبنات. كان هناك أيضا، في تلك الفترة، معهد الدراسات الإسلامية العليا جُعل للمتخرجين من "المدرسة" لإتمام تكوينهم إذا لم يختاروا الالتحاق مباشرة بسلك الوظيف العمومي. إثر اعتماد "النظام الجديد"، بدأ الطلبة – لاسيما بتشجيع من أستاذ الرياضيات كان له تأثير كبير فينا كلنا، ألا هو عبد العزيز عبد السلام – في محاولاتهم في التقدم إلى شهادة البكالوريا الفرنسية كمرشحين أحرار ؛ وهو ما قام به إسماعيل حمداني مثلا. قمت أنا بنفس الشيء بالإضافة إلى عدد كبير من رفاقي. لقد كانت المدرسة توفر تكوينا متينا في اللغة العربية بالإضافة إلى تكوين باللغة الفرنسية كان مستواه يقارب، نوعا ما، ما كان يدرس بالثانويات الفرنسية. أظن أن الفائدة الأخرى، في ما يخص "المدرسة"، تمثلت – على الأقل قبل ظهور "الثانويات الفرنكومسلمة" – في قلة عدد طلبة كل دفعة وفي سن هؤلاء إذ كانوا أكثر نضجا نسبيا.
ومع ذلك، نوعية التعليم ظلت مرهونة بنوعية الأساتذة وطبيعة العلاقات القائمة بينهم وبين تلامذتهم. في هذا السياق، دعوني أقص عليكم طرفة مثيرة للغاية : عند التحاقي بالمدرسة، كان الأكبر سنا من التلاميذ يستغربون أن يروا شخصا قادرا على القدوم من قرية بير غبالو النائية. ما هو السبب ؟ لأنه كان هناك أستاذ للرياضيات والعلوم، يدعى Nicolaï، يقول دائما، في توبيخه لتلامذته : "حذار، أنا لست أستاذا ببير غبالو !". لماذا "بير غبالو" ؟ لم يجرؤ أحد على طرح السؤال على هذا الأستاذ الجريء. ربما، وهذا مجرد تخمين مني، لأن بير غبالو كانت مجرد قرية نائية لا يسمع بها أحد. ومع ذلك، لم أسمع أبدا الأستاذ ينطق بهذه العبارة في قسمي، وحسب علمي انقطع عن استعمالها في الأقسام الأخرى. كما أن أكثر الأساتذة الفرنسيين جلبا للانتباه كان، من دون شك، أستاذ اللغة الفرنسية السيد Sherer ، وكان شابا متخرجا من مدرسة المعلمين لم يبق طويلا بيننا واستطاع أن يقيم علاقات ودية ببعض "الكبار" من التلاميذ الذين كاد البعض أن يكون في سنه. هذا الأستاذ بالذات هو الذي شجع المرحوم هاشمي بونجار على الإعداد لمسابقة الدخول إلى المدرسة العليا للأساتذة. لقد كان رجلا يساريا، مليئا بالفضول لمعرفة الجزائر ومشكلاتها، وكان من المتوقع ألا يبق أستاذ متمرد مثله طويلا في الجزائر حيث نقل إلى فرنسا بعد سنتين فقط إن لم تخني الذاكرة.
أما أساتذتنا الجزائريون، وكان لهم تأثير أقوى في عقولنا، هناك، كما ذكرت، أستاذ الرياضيات، عبد العزيز أو عبد السلام الذي صار، بعد الاستقلال، مديرا لمدرسة المهندسين بالحراش التي استطاع أن يجعل منها مدرسة ذات مستوى عال على الرغم من الصعوبات الكبيرة التي واجهته في تلك الفترة. كنت أراه من حين إلى آخر بنفس المتعة دائما وأستمع إليه في كل مرة بنفس الاحترام وبنفس الإعجاب. وهناك أستاذ آخر كنت أراه بانتظام إلى أن وافتهم المنية منذ بضع سنوات، ألا وهو الشيخ مشري عويسي، من الأغواط. كان هذا الأستاذ علاّمة في الفقه الإسلامي وهو الذي غرس فينا حب هذه المادة الجافة. كما كان أيضا أستاذا ممتازا للغة العربية حببنا في فطاحل الشعر العربي مثل المتنبي وقصائده التي لا نظير لها، الحريري ومقاماته، الجاحظ، شعراء الفترة الأندلسية، إلخ.. كما حببنا أيضا في الأمير عبد القادر، جبران خليل جبران، المنفلوطي، كُتّاب "النهضة"، وغيرهم. بعد الاستقلال، التحق السيد عويسي بوزارة العدل كمستشار حيث كان يحظى باحترام كبير، كما يشهد على ذلك سي عبد المالك بن حبيلس بصفة خاصة. كان الشيخ عبد القادر نور الدين مثالا للعالم الكبير ولم يكن للنحو أسرار تخفى عليه. كان قصير القامة، متواضعا لا يبرح تلامذته إلا من أجل الذهاب إلى المكتبة أو إلى إذاعة العاصمة حيث كان يقدم دروسا للعامة.
الشيخ عمر بن دالي كان، هو الآخر، أستاذا ممتازا في الترجمة. كانت له لهجة عاصمية وكثير من روح الفكاهة. أما الشيخ بوعلام ولد رويس، فكان من مدينة البليدة التي كان يأتي منها كل يوم على متن القطار. هذا الشيخ كان أستاذا ممتازا في اللغة العربية وربما كان قاسيا بعض الشيء إلا أنه كان عادلا. لقد زارني بلندن عندما كنت سفيرا هناك وقضينا معا سهرة طويلة تحدثنا فيها عن قدامى مدرسة الجزائر العاصمة، أساتذة وطلبة، لكن أيضا عن صعوبات التعليم في الجزائر بعد الاستقلال. الشيخ مزيان كان من تلمسان وظل محتفظا بزيه التقليدي المتميز وبلحيته الكثيفة التي كان يعتني بها أيما اعتناء. لقد كان يبدو أكثر صرامة مما هو في الواقع. لم يلبث أن عاد إلى تلمسان بعد تعيينه مديرا للمدرسة بهذه المدينة. الشيخ آغا الذي جاء من مدينة مليانة كان أصغر الأساتذة الجزائريين سنا. وكان، مثل الشيخ ولد رويس، يرتدي بذلة ورباط عنق وطربوش أحمر. لا أمر دون ذكر سيد أحمد فويلة الذي كان يشغل منصب مقتصد المدرسة ومستقبلها. كان مقيما بالمؤسسة وكان دوما سهل الاتصال به. في الأخير، أذكر مدير مدرستنا، الشيخ بن زكري، ذلك الرجل الأنيق الذي كان يرتدي زيا تقليديا عاصميا وشاربه الأبيض المحفوف بعناية فائقة. كان هذا الشيخ مشهورا بقدراته البيداغوجية لكن، للأسف، لم أتتلمذ على يده. كان يقوم بدروس بالمعهد العلي للدراسات الإسلامية وكان الطلبة يتحدثون عنه بإجلال. قيل أيضا إنه كان شاعرا رقيقا وشغوفا بالموسيقى. كان يبدو في غاية الصرامة ولم يكن يتحمل سماع إجابة بغير اللغة التي يتحدث بها : فإذا تحدث باللغة العربية كان عليك أن تجيبه في هذه اللغة ونفس الشيء إذا تحدث باللغة الفرنسية. فمن نافلة القول، إذا، أن أشير إلى أنه كان يمقت تلك اللغة الهجينة، "الفرنسية العربية"، التي كثيرا ما نسمعها اليوم. ومع ذلك، تلك القسوة البادية على هذا الشيخ كانت تخفي قلبا طيبا، ولا أدل على ذلك من هذه الواقعة الطريفة التي حدثت لي معه. ذات ليلة من ربيع 1950 أو 1951، "قفزت على الحائط" بغرض الذهاب لمشاهدة مسرحية للمثلين المصرين الكبيرين يوسف وهبي وأمينة رزق جاءا في جولة عبر بلادنا. ولما قفلت راجعا بعد العرض، وجدت نفسي وجها لوجه مع الشيخ بن زكري في الحافلة التي كانت تقلني إلى مدرسة المعلمين ببوزيعة حيث كنت مقيما. لعله هو أيضا جاء ليشاهد المسرحية وهو الآن عائد إلى بيته الواقع بحي الأبيار. لا داعي إلى أن أقول إنني أمضيت ليلة سيئة لأنني كنت متأكدا أنني سأستدعى إلى مكتب المدير في الصباح حيث سأقضي وقتا صعبا جدا. غير أن شيئا من ذلك لم يقع ولم يحدثني المدير أبدا في الموضوع.
كان أساتذتنا يعرفوننا كل المعرفة وكانوا يهتمون بكل طالب على حدة. كانوا صارمين لكن عادلين وكنا نحترمهم ومعجبين بهم. بالنسبة إلى البعض منهم، كنا نكن لهم محبة خاصة بل ونوعا من التبجيل. كان هؤلاء يسعدون بنقل علمهم إلينا وكنا نحن سعداء بتلقي هذا العلم منهم. هل الأمور هي هكذا اليوم ؟ لا أظن ذلك ! ولا أعتقد أنه الحنين إلى الماضي، أي "حنين رجعي"، هو الذي يجعلني أقول ليتنا استعدنا شيئا من هذا الماضي ومن ذلك الجو الذي كان سائدا في المدرسة بين الأساتذة والطلبة آنذاك. إن المدرسة التي أيقظت فينا الحس الوطني بل ولقد كان بعض من رفاقنا مناضلين مهيكلين أغلبهم في صفوف حركة انتصار الحريات الديمقراطية وربما كان بعضهم منخرطا في صفوف الحركة الديمقراطية للبيان الجزائري إلا أنني أشك في ذلك. الجامعة هي التي كان يوجد بها مناضلون في هذا التنظيم ومناضلون شيوعيون. في ما يخصني، لم أنخرط في أي تنظيم في تلك الفترة. كان مصالي حينئذ تحت الإقامة الجبرية بفيلا واقعة ببوزريعة، تقريبا قبالة مدرسة المعلمين التي كنا مقيمين بها. وغالبا ما كنا نمر بهذه الفيلا آملين رؤية الرجل لكن الحظ لم يسعفنا أبدا في ذلك.
م. ش. مصباح: هل كان ذلك يدل على عملية نضج سياسي عند "المدرسيين" مهدت للانخراط السياسي ؟
ل. ابراهيمي: نعم، لاشك في ذلك. الأستاذ أوعبد السلام، أستاذنا في مادة الرياضيات، اعترف لي أنه أثناء تلك السنوات التي سبقت أول نوفمبر كان يحس وكأن شيئا ما سيحدث. وقد قال لي في ما بعد : "كان يتهيأ لنا ونحن ننظر إليكم جميعا في المدرسة أن هناك أحداثا مهمة، أحداثا حبلى بالتغيير ستقع عما قريب".
لا أدري ما إذا كان لنا كلنا نفس الشعور، لكن الأكيد أن أحداث تونس والمغرب، الأخبار الواردة من الهند الصينية، الأحداث المتفرقة التي كانت تقع في الجزائر نفسها، اللامبالاة السعيدة، المتكبرة والمستفزة التي كانت تطبع سلوك فرنسيي الجزائر كانت كلها توحي لنا أنه، ببساطة، لم يعد من الممكن أن تستمر الأحوال على ما كانت عليه آنذاك. أتذكر، مثلا، انتصار الوطنيين الفيتناميين بديان بيان فو سنة 1953. لقد تزامن هذا الانتصار بإحيائنا لذكرى أحداث 8 ماي 1945 في كل من سطيف وقالمة وكان انتصارا مخزيا لسلطة الاحتلال على يد شعب مستعمَر مثلنا، كما كان لنا بمثابة الرمز وفأل خير بحيث نقش اسم الجنرال الفيتنامي جياب، صانع هذا النصر، في ذاكرتنا. أنا متأكد من أن كل ذلك الجيل من الجزائريين آنذاك شعر بسعادة كبيرة عندما رأى الجنرال جياب يزور الجزائر بعد الاستقلال. عند هذا الحد، ينبغي إضافة إشارة إلى بعض الطلبة الأفارقة ممن تابعوا دراستهم معنا لبضعة أشهر وربما لسنة دراسية كاملة.
م. ش. مصباح: هؤلاء كانوا طلبة غير جزائريين ؟
ل. ابراهيمي: نعم، بكل تأكيد. جاء هؤلاء من السينيغال ومن مالي والنيجر حاليا. لقد أدهشتنا معرفتهم للغة العربية. وبعد مرور نحو خمس عشرة سنة من ذلك الوقت، التقيت أحدهم بالقاهرة كان يرافق رئيس دولته، النيجر، في زيارة رسمية إلى مصر. كنت آنذاك سفيرا بالقاهرة. وقد اندهش كل من الرئيس النيجري، حماني ديوري، والرئيس المصري، جمال عبد الناصر، لرؤيتنا ونحن نهرع للقاء بعضنا بعضا أثناء مأدبة عشاء أقامها الرئيس المصري على شرف ضيفه برياض قصر القبة.
م. ش. مصباح: التحقتم بجامعة الجزائر بعد مغادرتكم المدرسة. ماذا كانت الأولوية السياسية عند الطلبة آنذاك ؟
ل. ابراهيمي: السنة الجامعية 1954-1955 بالجزائر العاصمة تركزت فيها كل الجهود على إنشاء الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين (UGEMA). صحيح، كانت هناك جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا (AEMAN) و جمعية الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين (AEMNA)، الأولى بالجزائر العاصمة والثانية بباريس، إلا أن الطلبة التونسيين والمغاربة كانوا قد سبقونا بسنتين أو ثلاث في إنشاء تنظيم طلابي خاص : الاتحاد العام للطلبة التونسيين (UGET) والاتحاد العام للطلبة المغاربة (UGEM). ظروف الكفاح في كل من هاذين البلدين، بمميزاته الخاصة، كانت تساعد فعلا على ظهور مثل هذا التنظيم. وبعدما اندلع الكفاح المسلح في بلدنا، كان من الطبيعي أن نتبع نفس الخطى.
م. ش. مصباح: لاشك أنكم تريدون هنا الإشارة إلى تلك المعركة، نوعا ما، التي نشبت في ما يخص صفة "المسلم" التي أصررتم على إدراجها في تسمية تنظيمكم الطلابي الناشئ.
ل. ابراهيمي: بكل تأكيد ! خلافا لأشقائنا المغاربة والتونسيين، كانت الأمور أصعب بكثير في ما يخصنا. وبالفعل، من كان جزائريا في ذلك الوقت ؟ زملاؤنا الشيوعيون وآخرون معهم كانوا يظنون أنه حتى وإن لم تكن هناك سوى أقلية ضئيلة من الطلبة غير المسلمين ممن كانوا يعتبرون أنفسهم جزائريين كان من اللازم علينا أن نسمح لهم بالانضمام إلينا. أما بالنسبة إلى أغلب الوطنيين، بالعكس، كانوا يظنون أن الفترة كانت فترة كفاح حرجة للغاية بحيث كان على كل من "ادعى أنه جزائري" أن يكون ملتزما التزاما دقيقا يفرض ضرورات معينة. هكذا كان أولئك يريدون إنشاء "اتحاد عام للطلبة الجزائريين" (UGEA) بينما كان هؤلاء يفضلون إنشاء "اتحاد عام للطلبة المسلمين الجزائريين" (UGEMA). فهذه "الخصومة حول ‘الميم'" لم تكن من دون صلة بتلك الخصومة بين حزب الشعب-حركة انتصار الحريات الديمقراطية، من ناحية، وبين الشيوعيين - المدعومين، فترة طويلة، من طرف الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري بل وحتى من طرف العلماء - من ناحية ثانية في ما يخص وجود الأمة الجزائرية إذ كان أولئك يدافعون عن هذا الوجود بينما كان هؤلاء ينكرونه باسم "الجزائر أمة في طور التكوين". في جامعة الجزائر، تأييد فكرة "الطلبة الجزائريين" (من غير ذكر "المسلمين") كان ضئيلا جدا بحيث لم يقع تقريبا أي نقاش حولها. نفس الموقف عرفته الجامعات والمؤسسات التعليمية في البلدان العربية. أما في فرنسا، بالعكس، فقد عرفت جامعاتها خلافات أكثر حدة بشأن هذا الموضوع. إن بلعيد عبد السلام هو الذي كان يقوم، من باريس، بحملة في صالح الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين. وكان، سنتين أو ثلاث قبل ذلك، قد انتخب رئيسا لجمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا بالجزائر العاصمة وقام بأنشطة ثقافية، اجتماعية وسياسية غير مسبوقة. وبفضل هذه الأنشطة وكذا بفضل استماتته في خدمة القضية الطلابية صار عبد السلام – وبقي إلى غاية الاستقلال – زعيم قضية الطلبة الجزائريين المعترف به والمحترم من طرف الجميع. للتذكير، كان عبد السلام وبن حبيلس عضوين في حركة انتصار الحريات الديمقراطية وكذا لمين خان، محمد بن يحيى وغيرهم من المناضلين المحترمين في صفوف الحركة. ثم إن بن يحيى كان قد أنهى دراساته


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.