حرائق الغابات: تضامن عربي واسع مع الجزائر    برونزيتان إضافيتان للجزائر في الكاراتي دو    توقيف 3 أشخاص تورطوا في جناية "حرق محاصيل زراعية"    الأمين العام لجامعة الدول العربية يعزي الجزائر في ضحايا الحرائق    حرائق الغابات: وفاة 37 شخصا وإصابة 183 آخرين    هجومات 20 أغسطس 1955، محطة مهمة في تعزيز مسار ثورة التحرير المظفرة    حرائق الغابات : وزارة الطاقة والمناجم تعبئ جميع مواردها البشرية والمادية    رئيس الجمهورية يتلقى تعازي الرئيس الفلسطيني في ضحايا الحرائق    الرئيس تبون يتلقى تعازي أمير دولة قطر في ضحايا الحرائق    كورونا: 83 إصابة جديدة خلال ال24 ساعة الأخيرة    كأس إفريقيا للأمم-2023 (أقل من 23 سنة)/ تصفيات الدور الثاني: الجزائر في مواجهة المتأهل من إثيوبيا/الكونغو الديمقراطية    وهران : توزيع أزيد من 2.670 وحدة سكنية عمومية إيجارية    وزارة الشؤون الدينية تطلق الحملة الاعلامية التحسيسية ال 21 لصندوق الزكاة    قوجيل يشيد بالاهتمام الكبير الذي يوليه رئيس الجمهورية لملف الذاكرة    إطلاق عرض خاص لأصحاب السيارات الراغبين في السفر إلى تونس    حرائق الغابات: نيابات الجمهورية المختصة تأمر بفتح تحقيقات قضائية ضد مجهولين    سونلغاز: اطلاق قافلة وطنية للتحسيس حول ترشيد استهلاك الطاقة    اليوم العالمي للعمل الإنساني: حوالي 274 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة الإنسانية خلال العام الجاري    تنس /الدورة الدولية لأقل من 14 سنة بتونس: الجزائرية ماريا باداش تتوج باللقب    أشرف على تصميم مقام الشهيد : رحيل عميد الفنانين التشكيليين الجزائريين بشير يلس    افتتاح مهرجان الموسيقى الحالية بقالمة: الحياة تدب في المسرح الروماني    الأيام الوطنية لمسرح الطفل ببومرداس: تسعة فرق تتنافس على جائزة القناع الذهبي    اللجنة الوزارية للفتوى تستنكر تصريحاته بشدة وتؤكد: كلام الريسوني تحريض واضح للاعتداء على سيادة الدول    "الفصيلة المحمولة جوا 2022": تواصل المنافسة بإجراء سباق البياتلون بمنطقة بوغار    أم البواقي: إحباط صفقة لترويج كمية من «الكوكايين»    انطلاق تجديد شبكة المياه بأحياء ماوكلان    رابطة الأبطال الإفريقية: شباب بلوزداد يختار ملعب 8 ماي 45 لاستقبال منافسيه    بسبب الإخلال بقواعد العمل: إحالة ملفات 21 مؤسسة على العدالة بالطارف    نجاح عملية الرمي بالمتفجرات لاستخراج الحديد: الانطلاق العملي في استغلال منجم غار جبيلات    السلطات أكدت الاستفادة من جهاز جديد: سكان يشتكون من تعطل الموزع الآلي بنقرين    الخضر يواجهون منتخبا أوروبيا شهر نوفمبر    حريق المستودع في المستشفى الجامعي: تواصل التحقيقات وتوجيه الخردوات المتضررة للبيع بالمزاد    إنهاء مهام قائد المصلحة الوطنية لحرس السواحل زين الدين بناط    حرائق الغابات: سونلغاز تجند فرقها ووسائلها لتأمين التوزيع العادي للكهرباء    رابطة أبطال إفريقيا /سيدات: إقصاء آفاق غليزان بعد خسارته أمام وادي دجلة المصري (0-2)    صناعة صيدلانية: السيد بن باحمد يتباحث فرص التعاون مع خبراء من الاتحاد الافريقي    الجزائر تنتفض ضد الريسوني رسمياً    وزير الاتصال يُبشّر بإنجاز مدينة إعلامية    القصيدة الشّعبية أرّخت لتاريخ النّضال    توقيف 4 عناصر دعم للجماعات الإرهابية    هجمات الشمال القسنطيني فكت الحصار عن الثورة    إطلاق جائزة الإنجاز الاقتصادي الإسلامي 2023    تشجيع الشراكة الجزائرية-الإثيوبية في الصناعة الصيدلانية    اجتماع قادة القوى الحزبية لبحث مخرج للأزمة السياسية    السكان يشتكون نقص التغطية الصحية    تأمل في المسار الإبداعي للثقافة الوطنية    تسجيل 831 مخالفة مرورية    مالي تطالب باجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي    نفحة من الحنين إلى الماضي    لولا دا سيلفا يعود بقوة    قدامى مولودية وهران متخوفوّن من تكرار سيناريو 2008    عبد الله بن عمر .. على خطى الحبيب    سوناطراك تحقّق في حريق المنطقة الصناعية لسكيكدة    الشروع في إنشاء المعهد الوطني العالي للسينما    السباب من شيم الفاسقين    لا للسب والكلام البذيء في شوارعنا    الزواج يبنى على أهداف سامية    وقفات من الهجرة النبوية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نشأة الفلسفة وإشكالية البداية- الجزء الأول
أحمد شيال

متى بدء التفلسف ومن الذي أثار السؤال الفلسفي الأول؟ هذا السؤال الذي حير الفلاسفة والمؤرخين، حول أصل البداية، لذا فقد انقسموا إلى فريقين، الأول يرى أن بداية الفلسفة كانت يونانية، في حين رجح الآخرون القول بأن بداية الفلسفة كانت من الشرق.
الفريق الأول ينتمي إلى ما يسمى "التمحور حول الذات المركزية الأوربية" وهم «رسل» و«فكتور كوزان» و«سانتهيلر»، هؤلاء اتفقوا في أن أصل البداية كانت مع اليونان، ولكنهم اختلفوا في أول من تفلسف،«برتراند رسل» جعل «طاليس» أول الفلاسفة تماشياً مع «أرسطو»، في حين ذهب الآخرون إلى أن بداية التفلسف كانت مع المدارس «الأيونية»، باعتبار أن الفلسفة خلق عبقري يوناني أصيل، جاء على غير مثال سابق، وأنهم بحثوا المعرفة لذاتها، بمعنى أن العقل يتجه إلى كشف الحقيقة بباعث من اللذة العقلية بدون أية أغراض عملية وغايات دينية، وهذا النوع من المعرفة النزيهة نشأ في ظل اليونان، وفي المقابل فإن الشرق ذو نزعة عملية دينية، وأن النظر العقلي كان وسيلة لغاية أخرى هي إصلاح الدين والنجاة من الشر، هذا الدافع كان وراء القول أن الشرق وإن أنشأ الحضارات الإنسانية، لكن العلم والفلسفة هي منتج أوربي محض، وهذا ما أكده «رسل» بالقول "إن العلم والفلسفة اختراعان يونانيان"، ولذلك فهو يعزو عدم بروز التفكير في مصر وبابل إلى عدة أسباب هي:
أ افتقار هذه الشعوب إلى العبقرية.
ب الأوضاع الاجتماعية لا تساعد على بلوغ هذه المعرفة.
ج وظيفة الدين لم تكن تساعد على ممارسة المغامرة العقلية.
في حين يذهب باحث أخر، «اويرفيبج» إلى أن الفلسفة كمنهج عقلي، لم يكن في الإمكان ظهورها عند الشعوب الشمالية التي وإن تميزت بالقوة والشجاعة، فإنها كانت تفتقر إلى الرغبة الصادقة في تحصيل الثقافة، ولم يكن ممكنا أن تظهر عند الشعوب الشرقية التي حققت درجات عليا في ميدان الفكر، إلا أنها استلمت ما اكتشفت بروح سلبية، بل كان حتماً أن تزدهر عند اليونان الذين جمعوا بين خصائص هذه الأمم، ويرى «هنري بيير» أن الشرق كانوا على جهل بالتفلسف والتأمل في الوجود لمعرفة طبيعة أو الوقوف على كنه موجودات، هذه النظرية التي جعلت الفلسفة معجزة يونانية غربية، لم تقتصر على المؤرخ والفيلسوف الأوربي فقط، فقد انعكست على الفكر العربي الإسلامي، فهذا «عبد الرحمن بدوي» مثلا يقول "إننا لا نزال عند رأينا أن الفلسفة اليونانية لم تنشأ عن فلسفة شرقية مزعومة، إن بداية الفلسفة عند اليونان في فجر القرن ال6 ق.م لذلك قد رجحنا «أرسطو»"، أما الذين يعتقدون أن الحضارات القديمة في الشرق كانت، ذات طابع فلسفي، يتجلى في أساطيرهم و عقائدهم الدينية، فهم:
«ول ديورانت» مؤرخ حضارات؛ «جورج سارتون» مؤرخ علم؛ «بول ماسون أورسيل» أستاذ الفلسفة الشرقية؛ «ولتر ستيس» ومرجعية النموذج المعرفي الواحد؛ «ولتر ستيس» فيلسوف أمريكي ولد عام 1886 بلندن، درس في انجلترا واسكتلنده وايرلندا وفي عام 1935 أصبح أستاذ الفلسفة في جامعة «برنستون» له مؤلفات عديدة ترجمت إلى اللغة العربية، منها "الدين والعقل الحديث"، "الزمان والأزل" مقالة في فلسفة الدين، "التصوف والفلسفة"، "تاريخ الفلسفة اليونانية"، "معنى الجمال".
لابد من القول في البدء إن «ستيس» واقع في دائرة التمركز الحضاري الأوربي وخضع في قراءته لتاريخ الفلسفة لسلطة النموذج المعرفي الواحد، الرافض للآخر باعتباره منتج لحضارة وتفلسف، فهو يعتقد أن الأفكار الواردة في الحضارة اليونانية تتملك قدراً من الحقيقة، لا تتقادم ولا تشيخ، وبذلك رفض الموقف القائل "إن الفلسفة جاءت من الشرق، وإن الشرق عنده مصر وليس الهند"، و"رفض القول بأن الرياضيات والفلك هي نتاج مصري، وينكر زيارة «فيثاغورس» إلى الشرق، ويعتبر هذا كله داخل في النغمة الشرقية، يدفعهم الشرقيون إلى ذلك زهوهم القومي"، والفلسفة عنده هي ذات طابع أوربي وليس شرقي، فاليونان هم الذين أنتجوا الفلسفة بأنفسهم، وأن بداية الفلسفة كانت في القرن ال6 ق.م بالسؤال: ما هو تفسير العالم؟ وحتى الأساطير في نشأة الكون ولاهوتيات الشعراء، لا تحتوي على محاولة لطرح تفسير طبيعي للأشياء، فهي محاولات ترجح الدين والشعر ولكنها ليست فلسفة ويرفض كذلك فكرة مادية الغرب ومثالية الشرق، وإن كانت صحيحة إلى حد ما كما يقول، لأنه لا يوجد شعب مثالي خالص، والمادية مغروسة في جميع الأشياء، نحن نولد ماديين سواء كنا شرقيين أم غربيين، إن «ستيس» برأينا وقع في نفس الإشكالية التي رفضها وعدها عامل معيب ألا وهي الزهو القومي، وذلك بإرجاعه الفلسفة وبداية التفلسف إلى اليونان دون غيرهم، وبالتالي أصبح جزءاً من النظرة التفوقية الأوربية التي تنظر إلى الآخرين وكأنهم هوامش مقابل المركز "الغرب"، يعتقد «ستيس» أن المذاهب الفلسفية يكمل بعضها البعض الآخر، لأن الحقيقة ليست حسابية حتى تكون صادقة أو كاذبة، بل هي تكشف عن ذاتها في الزمن من خلال تعاقب الفلسفات، فمذهب «أرسطو» لا يلغي «أفلاطون»، «اسبينوزا» لا يلغي «ديكارت»، لذلك أي تفكير فلسفي لا يتأسس على دراسة شاملة بمذاهب الماضي، سيكون بالضرورة ضحلاً وبلا قيمة".
لكن حول أي شيء تدور الفلسفة؛ لا يوجد تعريف جامع مانع للفلسفة لأن محتوى الفلسفة اختلف اختلافاً كبيراً في حقب التاريخ المتباينة، فأعطى تعريف معين للفلسفة هو محل خلاف، يكون مقبولاً من طرف ومرفوضا من الطرف الآخر، عندما نعرف الفلسفة بأنها البحث عن المطلق، هناك من يوافق عليه وهناك من يرفضه، إذن ما هو الحل؟ هو تعريف الفلسفة ليس في البداية بل في النهاية، بمعنى عندما نكون قد اطلعنا على جميع الآراء والمدارس والمذاهب، فالفلسفة هي محاولة لتجاوز التفكير الرمزي والتصوفي والوصول إلى الحقيقة العادية، والتقاط ما وراء الرمز كما هو في حد ذاته، وهي الارتفاع من الحسي إلى ما هو غير حسي.
لكن الإشكالية المعقدة، هي كيف يمكن تصور ما هو غير حسي بأسلوب حسي، عندما نفكر في الأشياء غير المحسوسة بطريقة حسية، فإننا نقع في مشكل صعب، ألا وهو أن الصور الذهنية تكون صور غير ملائمة للتفكير، بمعنى غير واضحة لذلك يقع الفيلسوف في مشكلة، بل يفشل عندما يريد أن يصور ما وراء الحس بطريقة حسية، فالواجب هو أن نتحدث عن الأشياء بطريقة المماثلة، إذن في ضوء التعريف أعلاه للفلسفة، يذهب «ستيس» إلى أن أرقى أشكال التفكير الفلسفي، موجودة عند اليونان وفي أوربا الحديثة، وحتى لو كانت هناك حضارات مثل الهند، الصين، مصر، بابل، تمتلك ديناً وشعراً وفناً، ولكن لا تمتلك فلسفة، لذلك يتخذ موقف غاية في التطرف ويعبر عن النزعة الأحادية القائمة على الإيمان وعقدة التفوق والتمركز الأوربي، أما التفكير الشرقي فهو تفكير فلسفي ديني، وبالتالي فهو خارج خارطة الفلسفة لأسباب عديدة، منها:
أ أنه وسيلة للخلاص ومن ثمة لا توجد معرفة لذاتها، فإذا كان التفكير الفلسفي قائم على الدهشة والرغبة، فإن التفكير الهندي قائم على الخلاص من شرور الحياة، وهذه نزعة عملية وليست علمية، وهي السبب في ولادة الأديان.
ب إنه تفكير شاعري والشاعرية تفكير بالرموز والاستعارات بدلاً من التفكير العقلاني وهو لا يرتفع من الحسي إلى اللاحسي، وهذا يدل على أنه ديني لا فلسفي.
هذه الأسباب هي التي دفعت «ستيس» لإخراج الفلسفة الهندية بل الشرقية بالعموم من دائرة الفلسفة، لذا يضع لنا «ستيس» ملامح عامة للفلسفة التي تميزها عن غيرها من المعارف، وهي:
1 الرؤية الكلية، عكس المعارف الأخرى ذات الرؤية الجزئية.
2 تبدأ الفلسفة من نهاية العلم.
3 لا يوجد في التفكير الفلسفي شيء يؤخذ كقضية مسلم بها.
4 الفلسفة هي محاولة للارتفاع من الحسي إلى ما هو غير حسي من خلال عالمين مختلفين:
أ العالم الفيزيائي الخارجي، تكون معرفته بالخبرة
ب العالم الذهني الداخلي، تكون معرفته بالاستبطان، العالم الواقعي أكثر أُلفة، لان الإنسان البدائي مدفوع بالضرورة إلى الطعام، في حين أن الإنسان المعاصر يقضي معظم أوقاته في التأمل بالأشياء الخارجية، إذن بالاعتبار وبالعامل الوراثي يميل إلى اعتبار العالم الخارجي أكثر حقيقة من العالم العقلي، إذن الفلسفة هي رؤية شمولية كلية، تبدأ من نهاية العلم، ولا يوجد فيها قضية ثابتة، وتقوم على قاعدة الارتفاع من الحسي إلى اللاحسي، وأن وظيفة الفلسفة والفيلسوف هي الفهم العقلاني للمسائل، والاستيعاب العقلاني هو ما نطلق عليه اسم الفلسفة أو المعرفة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.