وزارة التربية تفتح مجال الاستفادة من معاش التقاعد قبل السن القانونية    21 ألف مسجد دخل حيز الخدمة عبر الوطن وتعليمات لتعزيز الطابع المعماري الإسلامي    يأتي في إطار "التزام الجزائر الثابت بتعزيز التعاون القضائي الإفريقي"    رئيس الجمهورية.. مشروع غارا جبيلات- تندوف -بشار "بداية لمشروع وطني"    واضح : "المقاول الذاتي" أضحى رافدا أساسيا للاقتصاد الوطني    وزارة الشباب تعلن عن إطلاق دليل المشاركات الدبلوماسية الالكتروني    بين منطق القوة والهشاشة البنيوية ج5    مولوجي تؤكد مساهمة قطاع التضامن بما يزيد عن 1,470 مليار دج    مجزرة "ساقية سيدي يوسف" رمز للتضامن الجزائري-التونسي    الجزائر تباشر في إلغاء الاتفاقية المتعلقة بالخدمات الجوية    وفاة 5 أشخاص في حوادث المرور    خنشلة : الشرطة تشارك في العملية التحسيسية    آيت نوري في التشكيلة المثالية    هذا جديد التقاعد بقطاع التربية    حملة لتنظيف العاصمة    رياح قوية منتظرة اليوم    اختتام الصالون الدولي للصيدلة    استعداد إيراني لمواصلة التفاوض مع واشنطن    تمديد أجل تحصيل قسيمة السيارات إلى 31 ماي المقبل    بعثة استعلامية من مجلس الأمة بسيدي بلعباس ومعسكر    الجزائر تقطف ثمار الإصلاحات الاقتصادية    دعم حضور الجزائر في المنافسات العلمية الدولية    محطة تاريخية جسّدت أسمى معاني التضامن والجيرة الصادقة    مكافحة الإجرام والمخدرات أولوية قصوى    على الأئمة إعمار بيوت الله بالعبادة والكلمة الطيبة    التعبئة العامة لخدمة صورة الجزائر    آلاف المرضى والجرحى يواجهون مصيرا مجهولا    وضع سياسة موحدة لاقتناء العتاد الطبي وصيانته    آفة المخدرات.. بين الدعم النفسي والقانوني    ضغط غير مسبوق على عيادات طب الأسنان    فولفسبورغ يحدد مبلغ 50 مليون يورو لبيع عمورة    ميلان أكبر الخاسرين في صفقة بن ناصر    فتح باب الترشيح للجائزة الأدبية الكبرى محمد ديب    مازة يواصل الغياب بسبب الإصابة ويقلق بيتكوفيتش    قياس السكري مرات متكررة وإفطار وسحور صحي    تضطلع بها المساجد والمدارس القرآنية والزوايا.. بلمهدي يبرز جهود ترقية صوت الكلمة الوسطية    مصطفى حيداوي : الجزائر قادرة على صناعة جيل دبلوماسي واع ومؤهل    "بقصصه المخضرمة التي جمعت بين روحَي الماضي والحاضر، يطرح الكاتب قضايا مختلفة الشّكل والتّشكّل باختلاف حلقات الزّمن".    أعضاء في الكونغرس يشيدون بالجزائر    مواجهات حاسمة في سباق البقاء    الجزائر حقّقت تقدّماً كبيراً    غالي: تحديات متزايدة.. وغياب دور حاسم للمجتمع الدولي    دورة تكوينية لغوية للإعلاميين    ارتقاء بالخدمة الصحية ندعم كل المبادرات الرامية إلى تثمين مهامها    هذا جديد إجراءات الحج    مشروع مركز وطني كبير لأبحاث علم الفيروسات    فتح معبر رفح دون مساعدات لا يغير من الواقع    الجولة 18 من الرابطة المحترفة الأولى: مواجهات قوية وحسابات متباينة في سباق الترتيب    بطولة الرابطة المحترفة: «النسر» السطايفي واتحاد خنشلة يواصلان التراجع    بعقد لثلاثة مواسم ونصف..اتحاد العاصمة يضم الدولي أشرف عبادة    دار الأرقم بن أبي الأرقم.. البيت المباركة    ضبط وتوحيد المصطلحات محور يوم دراسي    الشروع في طبع مجموعة من الكتب بالإنجليزية    تعزيزا للانفتاح الأكاديمي ودعما للنشر العلمي ذي البعد الدولي..الشروع في طبع مجموعة من الكتب الجامعية باللغة الإنجليزية    نحو بناء منظومة أخلاقية تتناسب مع تراثنا الديني والثقافي    التعامل مع الناس.. والأمل المفقود!    بوابة الاستعداد لرمضان..    دعاء في جوف الليل يفتح لك أبواب الرزق    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تجربة الورشة الروائية الافتراضية
نشر في الحياة العربية يوم 15 - 07 - 2020

ماذا تعني الورشة الكتابية في مفهومها العام؟ المساعدة على إدراك آلية اشتغال نوع من الأنواع الأدبية، أي أن الغرض من وراء الورشة هو المساعدة التقنية وليس غرس الموهبة، ربما العمل على إيقاظها، إذ كثيراً ما تكون نائمة وتحتاج إلى من يحركها. وتكون اللقاءات فرصة لتبادل الآراء والتدرب على الكتابة. لكن ماذا عن الورشة الافتراضية؟ أشرح هذا من خلال استعادة التجربة الكتابية التي قمت بها في عز كورونا. كان لا بد من وسيلة للخروج من فكرة الموت باتجاه الحياة؟ الحياة تقتضي شراكة لتفادي التيه الذاتي.
وجاءت فكرة كتابة ونشر رواية عن مناخات كوفيد 19 وليس عنه بالدرجة الأولى. رواية تدور أحداثها، في عز الجائحة؟ هل ذلك ممكن في وقت ترتد فيه النفوس إلى دواخلها مكتفية بخوفها وملاحظات علامات كوفيد التي يمكن أن تهز كل يقينيات الجسد. كانت مغامرة بلا حساب مسبق. مقيماً كنت، في شمال باريس، في منطقة حمراء، أي من أكثر المناطق وباء ونشاطاً فيروسياً، أي احتمالات الإصابة فيها كثيرة.
وعندما صدر قانون الانكفاء (الحجر) الإجباري من طرف الدولة الفرنسية، كان عليّ وعلى الكثير من الأصدقاء أخذ الأمر بجدية لمواجهة موت محتمل. أولاً بسبب سننا التي تجاوزت الستين، ما يجعلنا طعماً سهلاً لكوفيد. ثانياً أن مرضاً قاتلاً مثل كورونا لا لعب معه، لكونه سريع العدوى وخطيراً. صديق فنان كبير دونيس مارتينيز، اختار إنجاز لوحة كبيرة مليئة بالتفاصيل الرمزية في عمل استثنائي في حياته حول المسألة الوجودية (الموت والحياة). قال هي وسيلتي الوحيدة لأبقى حياً دون أن أفكر في الموت. أرسم وأرسم حتى أرهق الموت بسلاحي الفتاك، ريشتي وألواني. الموت يخاف من الألوان الكثيفة. وكنت وقتها عالقاً مع روايتي (حيزية/ امرأة ليست ككل النساء) واحدة من أجمل قصص الحب التي حدثت بالفعل في الجنوب الجزائري في القرن التاسع عشر. كنت قد هيأت كل شيء لكتابتها بعد أن تحصلت على معلومات نادرة حول قصتها مع الشاعر بن قيطون، تخرج لأول مرة إلى العلن. وزرت بسكرة، بوابة الصحراء الجزائرية، حيث جرت وقائع القصة التراجيدية.
واستمعت إلى المرويات المهمة. وزرت قبرها وقبر أهلها، وبعض المواقع التي وقعت فيها القصة، وكنت أنوي أن أقوم بالرحلة، من بازر الصخرة حتى سيدي خالد حيث منتهى الرحلة، كما فعلت حيزية برفقة حبيبها، لكن الجائحة منعتني من ذلك. لا أدري السبب الذي جعلني أعلق قصة حيزية، وأتفرغ فقط لقصة لم تكن ملامحها قد اتضحت بعد؟ هل سأكتب يوميات الموت في المساحة الحمراء، أم أفعل شيئاً آخر. فجأة، تركت كل شيء وقلت أكتب عن نص له علاقة بالجائحة، لكنه في الوقت نفسه، يخرجني من دائرة الموت. فكانت فكرة رمادة؛ لأن كل مناخاتها في جو الفساد المعمم عربياً والانهيارات البنيوية والسياسية، ولم يكن الوباء إلا تعبيراً رمزياً عن السقف الذي وصلت إليه الأوضاع. وكانت الفكرة الأولية أن أكتب لكيلا أفكر في الموت الذي أخذ الكثيرين من العائلة في الغربة، وأخذ جاري النشيط، النائب الأول للبلدية في شمال باريس. كان عليّ ألاّ أكتفي بالكتابة عن الموت، لكن أن أخترق الصمت والخوف المبطن، فتوجهت نحو قرائي في صفحتي على «فيسبوك» الذين كان الكثير منهم يعانون من العزلة العالية في مناطق كثيرة من العالم (الجزائر، المغرب، تونس، مصر، السودان، ليبيا، فلسطين، عمان، بيروت، سوريا، موريتانيا، تورينو، فرنسا، كندا، أمريكا، بلجيكا، وغيرها...) وبدأت بتجربة تكوين ورشة افتراضية لم أعلن عنها حتى لا تبدو ذات طابع مدرسي، لكنني دعوتهم لمرافقتي لعيش ميلاد رواية يكونون هم طرفاً عارفاً بخباياها. واقترحت عليهم أن يبدوا ملاحظاتهم حول كل ما يقرأونه من الرواية، والتزمت أنا بالرد على جميع التعليقات.
وقمت بالتجربة، بنشر فصلين في الأسبوع، يومي الخمس والأحد، وكانت المفاجأة مذهلة. أكبر بكثير من أفق انتظاري. واتخذ نشر الفصول مدارات جدية، ليتحول النقاش بالفعل إلى محاورات حقيقية، كأننا في ورشة حية، موضوعها رواية هم شركاء في ميلادها بشكل من الأشكال، ولم نكن في حاجة إلى استعارة رواية لكاتب ما والتطبيق عليها باستحضار مفاهيم ميلاد موضوع الكتابة، البداية وصعوباتها، النشاط السردي بموضوعاته وشخصياته المختلفة، اللغة وسياقاتها، الحوارات... كان القراء يعلقون وأرد من جهتي بجدية، على كل التعليقات، بالخصوص الطويلة التي تتعدى الانطباع إلى المناقشة. على مدار أربعة أشهر، وثلاثين ليلة متتالية بلا توقف، وحوالي 3000 تعليق، بدون حساب اللايكات، كبرت هذه الرواية بين أيدي من اشتركوا في ميلادها، بحيث انفردت مجموعة من القراء كانت أكثر وفاء والتزاماً بالرواية حتى نهايتها.
وتحولت من مجرد اشتراك لتقاسم الحياة، لتجاوز محنة كورونا، إلى منصة نقاشية وورشة روائية. نشطت سابقاً الكثير من الورشات الأدبية الجميلة، مثل ورشة مسقط، وورشة جائزة البوكر في قصر السراب، وورشة الخلوة الأدبية في الشارقة وغيرها، كلها ذات قيمة معرفية كبيرة، لكن هذه الورشة الافتراضية التي لم تعلن عن اسمها، كانت حالة خاصة. لقد عاش القراء، نقاد محترفون وأكاديميون، كتاب شباب، وقراء شغوفون بالقراءة، هذه التجربة بشكل جميل وعميق، ربما غير مسبوق. فقد انخرطوا في العملية الكتابية، وفي الممارسة الإبداعية قراءة وتعليقاً، وانتظاراً لصدى ملاحظاتهم. شجعني التزامهم على المواصلة والرد على كل واحد منهم. لم أحسب حساب الوقت، من منطلق مبدأ بسيط، كانوا حاضرين ومداومين، ومن حقهم أن يسمعوا صدى لملاحظاتهم. فقد تفرغت لهم. طبعاً هم لم يطلبوا الدخول في النص لتغييره، وأنا لم أفتح هذا الباب. فقد ظل التفاعل نصياً بشكل قوي. لأني أومن بأن الإبداع هو مسألة فردية بالدرجة الأولى. لكن في الحلقة 29 تم تدمير أفق انتظار غالبية القراء. كانوا ينتظرون لقاء رومانسياً بين الموسيقي شادي ورمادة الطبيبة، وهو ما يحدث عادة في روايات الحب، لكن الذي حدث كان شيئاً آخر.
شيء مخالف جذرياً لأفق التوقع. ما يمكن تسميته بضربة مسرح. فبدا شادي في هذه الحلقة خائناً بالمعنى العاطفي مع الموسيقية ميشا التي ظلت معه طوال فترة مكوثه في المستشفى الوطني بفيينا، بسبب إصابته البليغة بكورونا فيروس. وكان لا بد من التمرين على كتابة نهاية يرونها هم كقراء مناسبة للنص، في انتظار نشر النهاية الرسمية للرواية التي كنت بصدد كتابتها. كانت اللعبة الأدبية انقلاباً كبيراً على كل الشخصيات التي أحبوها. كانت الورشة الافتراضية قد وصلت إلى منتهاها. ونشرنا كل النهايات المحتملة التي اقترحها القراء الذين تطوعوا بكتابة نهاية احتمالية للرواية التي تابعوها على مدار أربعة أشهر. وبنشر النهاية الرسمية التي أعادت الاختلالات إلى نصابها.
انتهت أطول ورشة كتابية افتراضية. عندما أغلقت هذه التجربة فكرت أن أضع على لسان راما جملة: أستطيع الآن أن أموت.
وكانت الفكرة تعبيراً عن داخلي لأني لم أمنح نفسي في تلك المساحة الموبوءة، لحظة راحة واحدة في حربي/ حربنا ضد كوفيد 19. بعدها قلت من الأفضل أن أقول: أستطيع الآن أن أحيا.
القدس العربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.