لقد أدركت معارض الكتاب، في بعض الدول العربية، من التجربة ما يجب علينا الآن قراءتها بتمعن، ومساءلتها بجد عما تقدمه وما قدمته في باب القراءة المعاصرة، وفي باب اقتصاد الكتاب، وعن حجم تأثيرها في توطيد العلاقات الثقافية والسياسية ما بين شعوب هذه البلدان التي تنظم فيها سنوياً معارض الكتاب وتستقبل دورياً تقريباً الناشرين أنفسهم، الكبار والصغار، وتعرض العناوين نفسها وتستضيف الكتاب والمثقفين والإعلاميين أنفسهم. هي ساعة السؤال قد دقت، هي ساعة المطالبة بالحصيلة الدقيقة والمدعمة بأرقام لا تكذب حتى لا نتقدم في الظلام الثقافي. في غياب مثل هذه الحصيلة الدقيقة الصادقة والشفافة، إننا كمثقفين وككتاب نشعر، في الأقل هذا شعوري الخاص، وكأنما المعارض هذه تغرق سنة بعد أخرى في الروتين الثقافي وفي التكرار البارد، لقد بدأت تستحم في ماء الحوض نفسه ولمرات متتالية! في تصوري، تعتبر معارض الكتب مخابر سوسيو-ثقافية مهمة قادرة أن تقودنا لوضع تصورات ناجحة لسياسة الكتاب والقراءة المستقبلية، وهي أيضاً مخابر لمعرفة واقع الإبداع في هذا البلد أو ذاك، هي مؤشر صادق لقياس الذكاء الفردي والجمعي في مجتمع ما. معارض الكتاب هي الترمومتر لمقاربة ثقافة المواطنة ومؤشر لفهم تشكل المواطن الجديد من عدمه، ومصطلح "المواطن" نعني بها ها هنا هو ذلك الفرد الفاعل والإيجابي القادر على نقد مجتمعه وذاته على حد سواء. إنها، أعني معارض الكتاب، هي وسيلة لقياس درجات سلّم العقل الجمعي في مجتمعاتنا، فمعرفة ماذا يقرأ المواطن في العالم العربي وشمال أفريقيا هي الطريق لتحديد درجات العقل ودرجات الغباء والدجل أيضاً في المجتمع. لكن للوصول إلى تفكيك كل ذلك، علينا أن نكون صادقين في الإحصاءات التي نقدمها عن هذه المعارض من دون معوق سياسي أو خوف ديني أو عرقي أو لغوي. معارض الكتاب لا تتوقف على مدار السنة من الرياض إلى الجزائروالقاهرة والشارقة والكويت وأبو ظبي وتونس والدوحة وعمان والرباط وبغداد ودمشق ومسقط والخرطوم وبيروت والمنامة وطرابلس وصنعاء ونواكشوط وجدّة والإسكندرية وأربيل، يكاد لا يمر أسبوع إلا وينظم معرض للكتاب في المشرق أو شمال أفريقيا. إننا نعتقد بأن هذه المعارض إذا ما كانت متابعة ومحصنة بفريق عمل من الخبراء، غير المنظمين والإداريين، منشغلين بحق بشؤون القراءة ومشاق سوق الكتاب وأعطابه، فريق من الباحثين الجادين الذين يقفون على مسافة من السياسة والديماغوجيا والشعبوية وملتحمين مع هواجس الثقافة والقراءة والكتاب، فإنها، المعارض، تستطيع واعتماداً على إحصاءات موثقة أن تقدم لنا صورة دقيقة لطبيعة القارئ في العالم العربي: تحديد جنس القارئ، المرأة والرجل والطفل، وبالتالي حل الإشكالية القائلة إن المرأة تقرأ أكثر من الرجل إما بالنفي أو بالتثبيت، قادرة أن تبين لنا نوع الكتاب المطلوب أكثر والكتاب المرفوض أكثر: الرواية أو الكتاب الديني، كتاب التاريخ أو علم النفس، الكتب العلمية أو كتب أطفال، كتب الشريط المصور أو كتب سير الزعماء ونجوم الفن والرياضة، كتب الطبخ أو كتب السياسية، كتب الشعر أو كتب السياحة، الكتب المكتوبة بالعربية أو المترجمة أو باللغات الأجنبية. تبين لنا الاختلاف والتنوع بين طبيعة قارئ في السعودية وآخر في الجزائر أو في القاهرة أو في نواكشوط… بمثل هذه الإحصاءات الدقيقة نتمكن من تحديد القارئ القادم من فضاء المدن أو من القرى، من الجنوب أو من الشمال؟ تكشف لنا مثل هذه الدراسات الميدانية المستخلصة من معارض الكتب عن طبيعة القراءة، بأية لغة أجنبية يقرأ المواطن العربي، بالفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية. مثل هذه الدراسات الميدانية التي يقوم بها خبراء محايدون لا سلطة عليهم سوى سلطة احترام الكتاب والقارئ تقدم لنا عدد مبيعات الكتب، كم يطبع الناشرون العرب والمغاربيون في السنة؟ كم نسخة تسحب من كتاب أدبي (رواية أو شعر أو دراسة) في بلاد يبلغ عدد سكانها نصف مليار نسمة!؟ نستطيع بالاستناد إلى هذه الدراسات المخبرية الميدانية من وضع صورة سوسيو-سياسية للناشر العربي، مستواه التعليمي واندماجه في الثقافي، التوجهات الفكرية لخط هذه الدار أو تلك، هذا الذي يسمح لنفسه بوضع كلمة "الطبعة الرابعة أو الخامسة أو العاشرة " على غلاف رواية أو كتاب فكري؟ نفهم لماذا الكتاب يعامل في مرات كثيرة في العالم العربي كتجارة الممنوعات! نفهم جيداً وعلى ضوء هذه الأرقام الموثقة هاجس خوف الناشر من مصالح الضرائب، وربما لهذا لا يصرح بأرقام دقيقة ترتبط بالسحب والبيع؟ يعيش الوسط الأدبي حمى التهافت خلف الجوائز الأدبية في العالم العربي، الكاتب والناشر على حد سواء، حتى أن الناشر العربي، أو غالبيتهم، أصبح يضمن عقد النشر المبرم بينه وبين الكاتب بعض المواد المرتبطة بالجوائز التي تجبر الكاتب مقاسمة قيمتها مع الناشر، النسب متفاوتة بين هذا الناشر وذاك، ولكن ما يهمنا هنا هو السؤال التالي: هل فعلاً للجوائز الأدبية تأثير في عدد السحب وعلى عدد القراء في معارض الكتاب؟ بكثير من الترقب ينتظر الكاتب ومعه ناشره مواعيد إعلان قائمة أسماء المتوجين بالجوائز الأدبية التي أصبح بعضها مكرساً في الحياة الأدبية والثقافية، وهذا شيء جميل، ك"البوكر" العربية (الجائزة العالمية للرواية العربية)، و"جائزة الملك فيصل"، و"جائزة العويس"، و"جائزة الشيخ زايد"، و"جائزة السلطان قابوس"، و"جائزة كتارا"، و"جائزة نجيب محفوظ"، و"جائزة الطيب صالح"، و"جائزة الشابي"، و"جائزة آسيا جبار"، و"جائزة محمد ديب"، و"جائزة الأركانة"، إضافة إلى أن كثيراً من معارض الكتاب في بلدان مختلفة أسست لها جوائز بالمناسبة، بعضها محلية وأخرى عربية، كمعرض الشارقة ومعرض القاهرة ومعرض تونس ومعرض الجزائر. حين نتأمل ظاهرة هذه الجوائز الأدبية العربية وضجيجها الإعلامي، من التشكيك في اللجان إلى حرب الشلل الإعلامية والجامعية وما يرافق ذلك من الخصومات بين الكتاب، نتساءل: هل جوائزنا الأدبية هذه تشكل عامل ترغيب لدى القارئ؟ وهل ترفع من أرقام سحب الكتاب المتوج كما هي الحال في عالم الجوائز الأدبية في العالم الغربي الأوروبي والأميركي؟ على غرار "جائرة الغونكور" الفرنسية، و"جائزة سيرفانتيس" الإسبانية، و"جائزة السلام" الألمانية، و"جائزة البوكر" البريطانية، و"جائزة بوليتزر" الأميركية، و"جائزة نوبل" السويدية… إنها جوائز أدبية تحقق أرقام مبيعات خيالية تقدر بملايين النسخ للكتاب المتوج، إضافة إلى عشرات الترجمات إلى اللغات الكبيرة التي من خلفها أيضاً تسحب ملايين النسخ، وهي إحصاءات شفافة ودقيقة تكشف عن علاقة المواطن بالكتاب وعن طبيعة الذوق الأدبي والجمالي السائد في هذا المجتمع أو ذاك. فهل يا ترى ستجيب معارض الكتاب التي تقام في عواصم البلدان العربية وشمال أفريقيا على مثل هذه الأسئلة المرتبطة بالقارئ والسحب والذوق واللغة؟ لأنه وفي غياب أجوبة صادقة ودقيقة سنظل نتقدم في ظلام وفي فوضى منظمة! أندبندبت عربية