نعيش مشاهد نادرة في تاريخ السياسة العالمية، وإن ظهرت سابقا فليس من السهل فهمها. وقد شهدنا من قبل كيف يضع الغرب القيم التي يعلنها جانبا ليوقع على أفعال قاسية بلا رحمة. لا سيما خلال الحقبة الاستعمارية، حين كانت ثروات أفريقيا تنهب لتلبية احتياجات الثورة الصناعية، ساد نظام جمد فيه القانون. فبينما كان المطاط يتدفق من الكونغو، والذهب من جنوب أفريقيا، والماس من ناميبيا، وزيت النخيل من غرب أفريقيا إلى أوروبا، كانت الشعوب الأفريقية تسخر قسرا وتتعرض لعنف لا يتصور. ولعل الأشد صدمة هو: فيما كانت كل تلك الفظائع ترتكب، كان فلاسفة مثل هيغل قادرين على العمى إلى حد القول: "إن أفريقيا لم تسهم بشيء في الحضارة العالمية". لن أطيل الحديث عن مأساة أفريقيا. ولتتضح الرسالة الأساسية للمقالة -الدول بقوة جيوشها وولائها- تكفي تذكيرتان تاريخيتان: في الكونغو قتل ملايين البشر. الفاعل: بلجيكا. في ناميبيا، خلال إبادة الهيريرو والناما، قتل 75% من شعب الهيريرو، و50% من شعب الناما. الفاعل: ألمانيا. ثروات الدول التي لا تمتلك قوة السلاح تؤخذ من قبل الأقوياء، أو بعبارة أخرى تصادر. والتاريخ مليء بالأمثلة على ذلك. في هذه السلسلة المكونة من ثلاثة أجزاء، سنناقش ما الذي قد تكلفنا إياه «العاصفة الصفراء» التي تجتاح العالم، وكيف يمكن الابتعاد عن التوتر العالمي المقبل، ولا سيما كيف ينبغي تطوير إستراتيجية دفاعية من منظور تركيا والدول الإسلامية. إن قطع أو السيطرة على التدفق المتجه إلى الصين عبر احتياطات فنزويلا النفطية الضخمة خطوة ستؤثر مباشرة في الإستراتيجية العالمية للطاقة لدى بكين لقد كانت العملية التي جرت مؤخرا في فنزويلا على مرأى من العالم أحد أبرز نماذج هذا النوع من التدخلات. ففي صباح 3 يناير 2026، نفذت القوات الخاصة الأميركية (دلتا فورس) عملية عسكرية على مقر الرئاسة في كاراكاس، تم خلالها اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته. جرى تحييد الدفاعات الجوية، ونقل مادورو إلى نيويورك حيث قدم للمحاكمة بتهم مثل تهريب المخدرات و«الإرهاب المخدراتي». ورغم أن الإدارة الأميركية وصفت العملية بأنها «تنفيذ قانوني ضد أنشطة غير مشروعة»، فإن دولا وخبراء كثرا اعتبروها انتهاكا للسيادة ومخالفة للقانون الدولي. انتظار هدوء الحدث شرط لتحليل صحيح. وخلال هذا المسار، يبدو أن مادورو ترك وحيدا من قبل جيشه، بل وتخلى عنه إلى حد كبير دعم الشارع. يتضح أن مادورو قد خذل من جيشه، وكأنه خذل أيضا من شعبه. في الواقع، لم يكن هناك «مادورو» بوصفه شخصية دائمة، بل كان هناك مجرد زمن وجب أن ينقضي، وقد أنجزت الولاياتالمتحدة ذلك بسهولة نسبية. السبب الحقيقي الوحيد لعملية مادورو هو النفط. فالولاياتالمتحدة، الساعية إلى إضعاف خصمها قبل الدخول في تنافس كبير محتمل مع الصين من دون صدام مباشر، قطعت الشريان الأول من شرايين طاقة خصمها. إن قطع أو السيطرة على التدفق المتجه إلى الصين عبر احتياطات فنزويلا النفطية الضخمة خطوة ستؤثر مباشرة في الإستراتيجية العالمية للطاقة لدى بكين. وليس من الصعب توقع الشريان الثاني، وربما يكون إيران أو خطا حرجا آخر. وقد لا يظل هذا التطور محصورا بفنزويلا. فاهتمام الولاياتالمتحدة بغرينلاند مستمر، كما تتردد كثيرا مزاعم الاستعدادات العسكرية المتعلقة بإيران. وإذا وقع تدخل ضد إيران وتفككت البلاد أو انزلقت إلى صراع داخلي، فقد يخطر بالبال فورا تعليق من قبيل: «روسياوالصين تنتهجان إستراتيجية عميقة». لكن الحقيقة هي أن الدول التي تعتمد اعتمادا مفرطا على قوى كبرى قد تجد نفسها وحيدة في اللحظات الحرجة. كما أن هوية الوفود التي زارت مادورو مؤخرا تثير التفكير في هذا السياق. وإذا التزمت روسياوالصين السلبية حيال إيران (وهو أمر يبدو صعبا في الظرف الراهن)، فستطرح علامات استفهام جدية حول دورهما كفاعلين عالميين. غالبا ما يسأل قراء التاريخ: لماذا تنخرط الدول الأخرى عندما تبدأ القوى الكبرى حربا؟ فما الذي يحدث؟ هل نقترب من عتبة حرب عالمية؟ الخلاصة أن القوة الفعلية -أي القوة العسكرية- التي بقيت طويلا في ظل حقوق الإنسان والقانون والدبلوماسية والاتفاقيات، باتت اليوم على الطاولة أمام الجميع بوضوح. وحين تبدأ الدول في عد جيوش بعضها وقدراتها العسكرية، فهذا يعني أن فتيل الصدام الكبير قد أشعل. وغالبا ما يسأل قراء التاريخ: لماذا تنخرط الدول الأخرى عندما تبدأ القوى الكبرى حربا؟ الجواب بسيط: من الصعب البقاء على الحياد بينما الحي يحترق. وإن حاولت الظهور بمظهر المحايد، فلن تكون إلا «كومبارسا سياسيا». أما إذا كنت مستعدا لتحمل أثمان باهظة جدا، فيمكنك الحفاظ على حيادك. الجزيرة نت