نظمت الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، مساء أول أمس، في إطار برنامج ندواتها الرمضانية، ندوة علمية، بالتنسيق مع الجمعية الثقافية الجاحظية، نشطها البروفيسور عبد الحميد بورايو المختص في الأدب الشعبي، متناولا فيها الكثير من المفاهيم المتداخلة، منها الأسطورة والحكاية الشعبية. قدم الضيف في هذه الندوة، التي نظمت بمشاركة مخابر البحث العلمي (مخبر البحث في الجماليات وإشكالية البحث العلمي)، قراءة عميقة في كيفية صمود الذاكرة الشعبية الجزائرية أمام تحديات الزمن، متناولا بإسهاب، تاريخ التراث الشعبي الجزائري عبر العصور، وذلك وفق تحقيقات ودراسات علمية، علما أنه مختص في هذا المجال، سواء في جانبه النظري أو الميداني، واشتغل على الكثير من جوانب التراث، عبر مسيرته العلمية الأكاديمية الطويلة والزاخرة. استعرض البروفيسور بورايو ثراء هذا التراث وتنوعه، ودوره في الحفاظ على أصالة الهوية والذاكرة الوطنية، المعبر عن غنى هذا التراث الممتد عبر البلد القارة.توقف المحاضر عند أبعاد هذا التراث الاجتماعية والرمزية، ودوره في تشكيل الوعي الجماعي والحفاظ على الهوية الثقافية، ساعيا في شرحه، إلى تعميق التفكير في قضايا التراث الشعبي، وإبراز أهميته بوصفه رصيدا ثقافيا حيا، يعكس تنوع المجتمع الجزائري وغناه الحضاري. من المراحل التاريخية التي مرت، كانت حقبة الاستعمار الفرنسي، الذي حاول طمس الهوية والثقافة الجزائرية، فلم يجد هذا المجتمع سوى ما يمتلكه من تقاليد شفوية، مثل الأخبار والقصص والأشعار، لكي يحملها ذاكرته ويسجل عن طريقها الوقائع التي عاشها من وجهة نظره. كما يتميز المنجز الثقافي والأدبي الشفوي في الجزائر، من حيث الشكل والمضمون، في تمثيله للظروف الخاصة التي عاشها المجتمع الجزائري في العهدين العثماني والفرنسي، بصفة خاصة، وإلى التحولات التي عرفها قبل ذلك بقليل، بعد الفتح الإسلامي للبلاد المغاربية، وقدوم قبيلتي بني هلال وبني سليم إلى المنطقة، وكذلك الهجرة الأندلسية، وانتشار الطرق الدينية التي كانت لها سلطة سياسية ودينية وثقافية في القرون الوسطى، خلال هذه العهود، حدث انقلاب جذري في مجتمع المغرب الأوسط، فتأسست التجمعات السكانية وانتشرت الثقافة الإسلامية، وامتزجت بالثقافة البربرية القديمة، وظهرت اللهجة العربية المغاربية، وتم نقل مظاهر الحضارة الأندلسية إلى الحواضر المغاربية، وبالتالي يوجد تمثيل لكل ذلك في الأدب الشعبي الشفوي الجزائري، الذي ظل يتداول بين الناس إلى وقت قريب، باللهجات العربية والبربرية. انتشرت في القرنين التاسع عشر والعشرين، رواية قصص المغازي الإسلامية الخيالية، التي كانت قد ظهرت في الأندلس أثناء صراع المسلمين مع المسيحيين، ثم استعملها الرواة الجزائريون كرد فعل ضد الغزو الفرنسي وثقافته، أما قصص كرامات الأولياء، فقد تم توظيفها للتعبير عن الصراعات الاجتماعية والسياسية في العهدين العثماني والفرنسي. للإشارة، فقد عرفت الندوة نقاشا علميا حول مسائل مهمة، من بينها جدوى هذا التراث في حياة الإنسان الجزائري، وكذا الدراسات والمناهج العلمية، التي يمكن أن نتناول بها زوايا دراسة هذا التراث بكل أشكاله وتجلياته.