افتتحت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، مساء أوّل أمس، فعاليات المهرجان الوطني الثقافي لأغنية الشعبي في طبعته الخامس عشرة، بقصر الثقافة "مفدي زكريا" في الجزائر العاصمة، وسط حضور عدد من المهتمين والباحثين في هذا المجال الفني العريق. قالت الوزيرة في كلمتها الافتتاحية إنّ هذا الحدث يُعدّ بمثابة تجديد العهد مع "ديوان الجزائريين"، مستودع أسرارهم الوجدانية التي تعكس تاريخهم العميق، مشيرة إلى أنّ أغنية الشعبي تمثّل جزءًا لا يتجزأ من فلسفة حياة الشعب الجزائري، وتجسّد الذاكرة الثقافية للمدن الجزائرية العتيقة التي صاغتها عبقرية شيوخ أفذاذ. وأوضحت بن دودة أنّ أغنية الشعبي هي "تجلٍّ من تجليات الشخصية الجزائرية"، حيث تجمع بين الحكمة والمواساة، وتظلّ محافظة على الهوية الوطنية واللغوية للشعب الجزائري. وأضافت أنّ هذا الفن الأصيل كان ومايزال وثيقة حيّة، تعكس واقع الشعب الجزائري عبر العصور، لا سيما في ظلّ المحن والتحديات التي مرّت بها البلاد، حيث كانت "النوبة" و"الاستخبار" أشكالًا غنائية، توثّق لتاريخ الجزائر بصدق، وعفوية. وفي حديثها عن أهمية الحفاظ على هذا التراث، شدّدت وزيرة الثقافة على ضرورة "دعم التجديد الأصيل" الذي يحافظ على روح هذا الفن، ويمنح الفرصة للأصوات الجديدة لتبدع، وتضيف. كما وجّهت كلمة تحفيزية للمشاركين في المهرجان، قائلة: "أنتم اليوم تحملون أمانة ثقيلة وجميلة؛ فتَمكُّنكم من ضبط المقامات وحفظ عيون القصائد يمثّل أسمى صور الوفاء للأجيال التي حفظت هذا الفن في أحلك الظروف". وأضافت أنّ المهرجان هو فرصة لتجديد هذا التراث في الوجدان والحنجرة الشابة، بعيدًا عن صمت المتاحف. ومن جانبه، أكّد محافظ المهرجان عبد القادر بن دعماش، أنّ الدورة الخامس عشرة تأتي في إطار إعادة بعث وتيرة هذا المهرجان، الذي يهدف إلى اكتشاف المواهب الشابة في مجال أغنية الشعبي. ويعكس اهتمام الوزارة بتطوير هذا النوع الفني. وقال إنّ المهرجان تأسّس في عام 2006 بقرار من وزارة الثقافة آنذاك. وتوقّف لمدة سبع سنوات من 2015 إلى 2022. وأضاف أنّ المهرجان في طبعته الحالية يواصل تقديم رسالته الأساسية، المتمثّلة في دعم "العلم والمعرفة" و"الأصالة والانفتاح" من خلال دراسة أغنية الشعبي والشعر الملحون. ويهدف إلى الوصول إلى الجيل الجديد عبر متابعة المترشحين بشكل ميداني قبل وأثناء وبعد الدورة. وأعلن بن دعماش أنّ المهرجان قد خصّص أيضًا تكريمًا لكبار مشايخ أغنية الشعبي، الذين ساهموا في إثراء هذا النوع الفني في القرن الماضي، مثل الشيخ محمد بورحلة (1984)، والشيخ خليفة بلقاسم (1951)، مشيرًا إلى أنّ هذا التكريم يُعدّ بمثابة عرفان بما قدّموه للتراث الشعبي الجزائري. وفي إطار التطوير المستمر للمهرجان، تم تقديم جديد هذا العام في شكل عرض غنائي أدبي مسرحي سمعي بصري بعنوان "قال الشاعر في كلامه"، قدّم مسيرة أغنية الشعبي في فترة زمنية قصيرة من خلال ملخّص لأربع أغان. وساهم في إبراز تطوّر هذا الفن عبر العصور، بداية من أغنية "يا ربي سهلي زورا"، ثم "لحمام لي ربيتو"، و"ماتسالونيش"، وأخيرا "آش ما عذبني زاد ليعات"، ومن خلالها استذكار أصوات ذهبية راحلة، على غرار شيخ الناظور ومحمد العنقى، وبوجمعة العنقيس وعمر الزاهي وغيرهم. ويترأس لجنة تحكيم هذه الدورة الفنان الهادي العنقى، الذي يُعدّ من الأسماء البارزة في مجال أغنية الشعبي، إلى جانب عدد من الشخصيات الفنية المعروفة مثل زروق مقداد، وخالد شهلال حسين، وجمال فضيل، وفيصل هدروق، ومحمد حمايدية، الذين سيعملون على تقييم المشاركين في المسابقة التي ستستمر حتى 12 مارس الجاري.