يأتي شهر رمضان كل عام، محملا بمشاعر مختلفة عن بقية الشهور. تتغير ملامح الأيام، ويهدأ إيقاع الحياة وتقترب القلوب من بعضها أكثر، حيث تنزل الراحة والسكينة في هذا الشهر، ويشعر الكثيرون بأنهم أمام فرصة جديدة لمراجعة النفس، وترتيب الأولويات، والعودة إلى المعاني البسيطة التي تمنح الحياة قيمة حقيقية، وأن الصيام ليس امتناع عن الأكل والشرب فقط، بل هو تدريب يومي على الصبر وترويض النفس، وضبطها، والإحساس بالآخرين، ما يجعل من رمضان شهرا ينتظره المسلم بشوق، لأنه يعيده إلى شيء عميق في داخله، وهو الشعور بالسكينة والطمأنينة وقطع الارتباط بالحياة وسرعتها. رمضان اليوم، لم يعد كما كان قبل سنوات طويلة، حين دخلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى تفاصيله اليومية، وأصبحت جزءًا أساسيا من مظاهره عند الكثيرين، فمع أذان المغرب، تمتلئ المنصات بصور وفيديوهات لموائد الإفطار، وأطباق الحلويات، وزوايا البيت المزينة بالفوانيس، التي أصبحت هي الأخرى، أكثر القطع التجارية اللافتة، لاقتنائها كجزء من الديكور، وحتى لحظات العبادة أحيانا، التي يصورها عاشقو التواصل الرقمي، لمشاركتها بين الأصدقاء وحتى الغرباء، وبين روحانية الشهر وهدوء لياليه، وبين ضجيج النشر والمشاركة، يظهر سؤال مهم "هل تغير معنى رمضان، في ظل هذا الاستعراض المستمر للحياة الخاصة، وحتى الأكثر خصوصية في عبادة الله سبحانه وتعالى، أو ما هو خاص بأكل العائلة ومشربها؟. نشر الصور ومشاركة اللحظات ليس أمرا سلبيا في ذاته، فالكثيرون يرون في ذلك وسيلة للتواصل مع الأهل والأصدقاء، خاصة من يعيشون بعيدا عن عائلاتهم. كما أن مشاركة وصفات الطعام أو أفكار تزيين المنزل، قد تكون مفيدة وملهمة للآخرين. لكن المشكلة تبدأ، عندما يتحول الأمر من مشاركة عفوية إلى سباق غير معلن، لإظهار أفضل ما لدى الفرد وأجمل ما تملك العائلة، وأغنى ما على موائدها. في حديث مع المختصة الاجتماعية، مروة محمودي، أوضحت أن شهر رمضان يكشف بوضوح، تأثير وسائل التواصل على سلوك الأفراد، وتقول إن الإنسان بطبيعته يحب التقدير، ومواقع التواصل وفرت له منصة سريعة للحصول على الإعجاب والتعليقات، خصوصا بالنسبة للنساء اللواتي من طبعهن المجاملة وعرض القدرات، خصوصا داخل مساحتهن التي يحببنها في المطبخ، لاسيما في رمضان، حيث تكثر التجمعات العائلية والموائد العامرة، فهي فرصة يجد البعض مساحة لعرض تفاصيل حياته اليومية بشكل مكثف، وأضافت أن الدراسات الحديثة، تشير إلى أن الإفراط في مشاركة الحياة الخاصة، قد يؤدي إلى ضغوط نفسية غير مباشرة، سواء على الشخص نفسه، الذي يشعر بضرورة المحافظة على صورة مثالية، أو على المتابعين الذين يقارنون حياتهم بما يرونه على الشاشة. وترى المختصة، أن المشكلة لا تكمن في نشر صورة لمائدة إفطار، بل في الدافع وراء النشر، فأذا كان الهدف هو التفاخر أو إثارة الغيرة، أو إثبات مستوى اجتماعي معين، فإن ذلك يتعارض مع روح رمضان التي تقوم على التواضع والإحساس بالمحتاجين. وأشارت إلى أن هذا الاستعراض قد يخلق فجوة بين فئات المجتمع، خاصة عندما يرى أصحاب الدخل المحدود، صورا يومية لموائد فاخرة لا تشبه واقعهم، ما قد يولد لديهم شعورا بالنقص أو الحزن في شهر، يفترض أن يكون شهر رحمة وتكافل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تضيف: "يكلف البعض أنفسهم إعطاء صورة قد تكون غير حقيقية عن الواقع، وهذا ما يجعل الجميع يعيش نوعا من النفاق المجتمعي، لإرضاء الغير، وهو ما يتنافى مع قيمنا المجتمعية والدينية على السواء". وأضافت محمودي، أن من أخطر الجوانب في هذه الظاهرة، تعويد الأطفال على ربط قيمة الشهر بالمظاهر فقط، فعندما يرى الطفل أن التركيز الأكبر يكون على التصوير والتزيين وعدد الأطباق، قد يختزل رمضان في الطعام والديكور، وينسى أن جوهره الحقيقي، هو العبادة والأخلاق الحسنة ومساعدة الآخرين. رمضان شهر العبادة والذكر على صعيد ثان، أوضح محمد لعزوني، إمام مسجد، أن رمضان شهر عبادة في الأساس، ولا شك في ذلك ومن المفروض أن الجميع على دراية بالأمر، ومدرك لذلك تماما، وهو شهر نزل فيه القرآن، وشهر تتضاعف فيه الحسنات، وأكد أن الإسلام لا يمنع الفرح ولا يمنع الاستمتاع بالطعام الحلال، لكن المشكلة حين يتحول الأمر إلى رياء أو مباهاة وتفاخر وتكبر على المحتاجين أو التباهي أمامهم، وأوضح أن نشر صور الأعمال الصالحة أو تفاصيل الحياة الخاصة، قد يدخل في باب الرياء، إذا كان الهدف منه كسب إعجاب الناس، بدلا من طلب رضا الله، مؤكدا أن المخيف في الأمر، أن البعض يقومون بذلك دون شعور بذنب، حتى وأن الكثير يروح لتصوير مائدة أكل العائلة أو نشر صورة، وهو يصلي أو يقرأ القرآن، أو خلال تواجده بالمسجد لأداء صلاة التراويح، وغيرها من الصور التي لا فائدة منها، بل العكس قد تبطل تلك الأعمال والعبادات. وأشار الإمام، إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعيش رمضان ببساطة، وكان يركز على العبادة والصدقة وصلة الرحم، لذلك، من المهم أن يسال كل شخص نفسه، قبل أن ينشر تلك الصور والفيديوهات. عن الهدف من ذلك، وهل هو بحث عن إعجاب وتعاليق الغرباء الذي غالبيتهم لا تجمعنا بهم أي صلة، لا من بعيد ولا من قريب، مشددا على أن حفظ وصون خصوصية العائلة، جزء من القيم الإسلامية. وأكد الإمام، أن هناك جانب إيجابي يمكن استثماره، من تلك الممارسات الرقمية، مثل نشر آيات قرآنية أو تذكير بمواقيت الصلاة أو الدعوة إلى عمل خيري، فهذه استخدامات طيبة للتقنية، إذا كانت النية صادقة، أو الهام غير المسلمين والتأثير عليهم، وعرض لهم أجواء الرحمة والعائلة في رمضان، وما يصاحبها من روحانيات وعبادات جميلة، لكن أن تكون بتلك النية وليس الرياء في الدين.