تستعد مدينة قسنطينة مع اقتراب شهر رمضان، لاستقبال هذا الموعد السنوي الذي يحمل نكهة خاصة لدى سكانها، حيث تتحول الحياة اليومية إلى سلسلة من الطقوس الاجتماعية والروحانية المتوارَثة عبر الأجيال. فقبل حلول الشهر الفضيل بأسابيع تنطلق التحضيرات داخل البيوت والأسواق، لتتجسد عادات راسخة، تمتد من تنظيف المنازل وتجهيز المطابخ إلى إعداد موائد الإفطار العامرة بالأطباق التقليدية، وسهرات الليل التي تجمع العائلات في أجواء مميزة، تعكس عمق التراث القسنطيني. تبدأ استعدادات استقبال رمضان في قسنطينة منتصف شهر شعبان، حيث تنطلق ربات البيوت في عمليات تنظيف واسعة للمنازل، في طقس اجتماعي راسخ، يتجاوز النظافة المادية، ليعكس استعدادا معنويا لاستقبال ضيف عزيز. وتشمل هذه التحضيرات تنظيف كل أركان البيت، وإعادة ترتيب المطابخ باعتبارها القلب النابض للمنزل خلال الشهر الفضيل. كما تعمد بعض العائلات إلى طلاء الجدران، وتجديد الأفرشة، وتلميع أواني النحاس التي تُعد جزءا من فخر المطبخ القسنطيني العريق. ومع اقتراب الأيام الأولى من رمضان تتسارع وتيرة التحضيرات، وتزدحم الأسواق التقليدية في المدينة؛ على غرار سوق "السويقة" وسوق "الجزارين" ، بالمتسوقين الباحثين عن مستلزمات رمضان، حيث يقبل الكثيرون على اقتناء أجود أنواع "لفريك" الذي ينقَّى، ويُغسل، ويُجفف يدويا قبل توجيهه إلى الرحى. وغالبا ما يكون ذلك في مطحنة الشط بالمدينة العتيقة، إلى جانب شراء التوابل الأساسية؛ مثل "رأس الحانوت" ، والقرفة، وشعرة الزعفران التي تُستعمل في تحضير أطباق رمضان التقليدية، خاصة طاجين الحلو. ولا تكتمل هذه التحضيرات دون اقتناء أوان مطبخية جديدة، سواء كانت فخارية أو نحاسية، تيمنا بالبركة والرزق الوفير. وهي عادة تعكس تمسّك القسنطينيين بالمظهر الجمالي لموائدهم. فبالنسبة لربة البيت، يمثل تجديد أدوات المطبخ جزءا من طقوس استقبال الشهر الفضيل، وقيمه الاجتماعية المتوارَثة. ومع حلول أول أيام رمضان تحرص العائلات القسنطينية على أن تكون مائدة الإفطار عامرة بأشهر الأطباق المحلية التي لا يمكن الاستغناء عنها، وعلى رأسها طبق "الجاري فريك" الذي يتربع على عرش المائدة دون منافس. هذا الأخير الذي يحضَّر بمرق أحمر غني بالنكهات مع كرات اللحم المتبّلة، وقطع لحم الخروف، لتملأ رائحته أرجاء البيوت القسنطينية عند موعد الإفطار. ويرافق هذا الطبق الأساسي أحد أبرز أطباق المطبخ القسنطيني، وهو "طاجين الحلو"، الذي يقدَّم بعدة أنواع، من بينها "طاجين العين" المحضر من البرقوق المجفف، أو "شباح السفرة". تلك الأيقونة المطبخية التي تتطلب مهارة كبيرة في تشكيل عجينة اللوز المقلية، قبل أن تسبح في مرق عسلي، يجمع بين ملوحة اللحم والحلاوة المعطرة بماء الورد المقطر، في تناغم فريد، يعكس دقة المطبخ القسنطيني، وثراءه. وبعد الإفطار وصلاة التراويح تنتقل أجواء رمضان إلى سهرات ليلية مميزة، تشكل، بدورها، جزءا مهمّا من الحياة الاجتماعية في المدينة. ففي هذه الساعات تتبادل العائلات الزيارات، ويتجمع الأقارب والجيران في أجواء ودية تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، حيث تتحول الصالونات في البيوت القسنطينية إلى فضاءات للسمر، واللقاءات العائلية. وفي مثل هذه السهرات تتصدر "سينية السماط" المشهد. وهي صينية تقليدية تزيَّن بأنواع من التحليات الباردة التي توارثتها الأجيال، مثل "المحلبي" المصنوع من الأرز المطحون وماء الزهر، و"الطبيخ" و"البالوزة". وتقدَّم هذه الحلويات عادة في أوان بلورية مزيَّنة باللوز والجوز، إلى جانب أباريق الشاي والقهوة، في صورة تعكس كرم الضيافة الذي تشتهر به العائلات القسنطينية، وتعيد إحياء جزء من تراث المدينة العريق. كما تعتمد بعض العائلات على طبق "المحلبي" خلال وجبة السحور، حيث يفضله الكثيرون كتحلية خفيفة ومنعشة، خاصة بالنسبة لمن لا يفضل تناول "الفلان". وفي المقابل يختار آخرون أطباقا تقليدية أخرى مثل "المسفوف" بالزبيب، أو "الرفيس القسنطيني" المرشوش بماء الورد، والمزيَّن بالمكسرات؛ لما تمنحه من طاقة تساعد على صيام اليوم التالي. وبالتوازي مع هذه الأجواء العائلية، تعيش مساجد قسنطينة خلال شهر رمضان، حركية كبيرة، حيث تعج بآلاف المصلين الذين يقصدونها لأداء صلاتي العشاء والتراويح في مشهد روحاني مهيب. وتمتلئ المساجد بالمصلين من مختلف الأعمار. كما يحرص الكثيرون على حضور الدروس الدينية، وتلاوة القرآن، ما يضفي على ليالي رمضان في المدينة طابعا إيمانيا، ينسجم مع الأجواء الاجتماعية التي تعيشها العائلات في بيوتها. وهكذا يجمع رمضان في قسنطينة بين العادات الاجتماعية المتجذرة والروحانية التي تميز هذا الشهر الفضيل، لتبقى هذه الطقوس جزءا من هوية المدينة، وذاكرتها الجماعية. فبالنسبة لسكان "مدينة الجسور المعلقة"، لا تمثل هذه العادات مجرد طقوس غذائية أو اجتماعية عابرة، بل هي إرث حي، يحافظ على خصوصية المدينة، ويمنح الشهر الكريم طعما خاصا لا تخطئه الذاكرة.