*الشيخ راغب السرجاني لم يكن عطاء ربِّ العالمين لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وأمته في رحلة الإسراء والمعراج واقفًا عند حدِّ الصلوات الخمس فقط إنما أعطاه في هذا المقام ثلاثة أمور أخرى عظيمة هي: أولاً تحديد نظام جديد كريم لحساب الحسنات والسيئات وثانيًا: خواتيم سورة البقرة وثالثًا: غفران المُقْحِمات لمن لم يشُرك بالله شيئًا. أولا:ً تحديد نظام جديد كريم لحساب الحسنات والسيئات فقد قال اللهُ تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في المرَّة الأخيرة: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَات كُلَّ يَوْم وَلَيْلَة لِكُلِّ صَلاَة عَشْرٌ فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاَةً وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَة فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَة فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً فهذا نظام عجيب خرج من مجرَّد العدل إلى كامل الفضل ومن إحقاق الحقِّ إلى سابغ العفو والصفح والكرم. ثانيًا: خواتيم سورة البقرة وأما الأمران الثاني والثالث فقد جاءا في حديث آخر وقد ذُكِرا مع الصلوات الخمس روى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا قَالَ: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم: 16] قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَب . قَالَ: فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ وفي رواية الترمذي بسند صحيح زاد: فَأَعْطَاهُ اللهُ عِنْدَهَا ثَلاَثًا لَمْ يُعْطِهِنَّ نَبِيًّا كَانَ قَبْلَهُ.. ثم ذكر ما جاء في حديث مسلم. أُعْطِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذن في هذه المشهد العظيم خواتيمَ سورة البقرة! أعني الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} البقرة: 285 - 286. وهاتان الآيتان لهما من الفضل ما يصعب علينا سرده في مقامنا هذا! فقد روى النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَام فَأَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ فَخَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَلاَ تُقْرَأنَّ فِي دَار ثَلاَثَ لَيَال فَيَقْرَبَهَا الشَّيْطَانُ . وروى حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلاَث : جُعِلَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا وَجُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلاَئِكَةِ وَأُوتِيتُ هَؤُلاَءِ الآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْز تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ قَبْلِي وَلاَ يُعْطَى أَحَدٌ بَعْدِي . وروى أبو ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُعْطِيتُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ بَيْتِ كَنْز مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي . وروى أبُو مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَة كَفَتَاهُ . *آيتان فقط لهما كلُّ هذا الفضل! ومع ذلك فهناك إشكال في توقيت نزول هاتين الآيتين فبين أيدينا الآن أنهما نزلا في ليلة المعراج بينما نجد بعض الروايات التي تذكر سببًا للنزول في المدينة! روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نَزَلَتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ} [البقرة: 284] قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ وَلاَ نُطِيقُهَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ فَأَنْزَلَ اللهُ فِي إِثْرِهَا: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]. فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]. قَالَ: نَعَمْ . {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}. قَالَ: نَعَمْ . {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. قَالَ: نَعَمْ . {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]. قَالَ: نَعَمْ . وحلُّ هذا الإشكال أن الله تعالى أعطى في هذه الليلة لرسوله صلى الله عليه وسلم هاتين الآيتين ولكنه سبحانه ادَّخرهما عنده ليُنزلهما بعد ذلك في المدينة عند حدوث هذا الموقف السابق وذلك حتى يشعر المسلمون برحمة الله بهم وفضله عليهم. ثالثًا: غفران المُقْحِمات لمن لم يشُرك بالله شيئًا هذا بالنسبة إلى خواتيم سورة البقرة أما غفران المقحمات فهي مِنَّة أخرى كبيرة! فالمُقْحِمات هي الكبائر من المعاصي وهي التي تُقْحِم مرتكبيها في النار وقد يُفْهَم من هذا أن هناك تعارضًا مع الأحاديث الكثيرة التي تُوجب العقاب على مرتكبي الكبائر والحقُّ أنه لا تعارض ولكن ينبغي التدبُّر قليلاً في الأمر! إن ارتكاب الكبائر موجبٌ لعقاب الله فعلاً فعقوق الوالدين والتعامل بالربا وشرب الخمر والقتل كلُّ هذه من الكبائر التي أوجب الله لمرتكبيها العذاب والأصل أن يُقْحَم صاحبها في النار غير أن الله تعالى من رحمته أعطى أصحابها -في ليلة المعراج- فرصة للنجاة وهي إمكانية أن يغفر الله عز وجل له هذه المقحمات وهذا لم يكن متاحًا قبل إعطاء هذه المنحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن هذه المنحة مشروطة -كما دلَّت- عليه أحاديث كثيرة بالتوبة الصادقة فإن لم يقمْ بالتوبة عذَّبه الله تعالى ولكن على الرغم من هذا العذاب فإنه لا يخلد في جهنم ما دام أنه لا يشرك بالله شيئًا وهذا -أيضًا- داخل في معنى منحة غفران المقحمات.