تجاوبا مع ما يحدث حاليا في العالم من محاولات للهيمنة والسيطرة من طرف أطراف معيّنة، يُنظّم المسرح الجهوي للنعامة "امحمد بن قطاف" ، ملتقى فكريا بعنوان "إيديولوجيات الاستعلاء والمسرح" أيام 12 و13 و14 أفريل الجاري، بالتعاون مع المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية بالنعامة، والمسرح الوطني الجزائري "محيي الدين بشطارزي". بالمناسبة، قال مدير المسرح الجهوي للنعامة الأستاذ إبراهيم جاب الله، أمس الثلاثاء في الندوة الصحفية التي عقدها بالمسرح الوطني، إنّ تنظيم الملتقى في هذا الظرف الذي يمرّ به العالم، هو استجابة لخطاب رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون في التعبئة العامة أمام ما يحدث في العالم من تجاوزات وهيمنة لخطاب العنصرية والاستعلاء والهيمنة، مضيفا أنّ مثل هذا النشاط هو أيضا رد من مسرح النعامة الفتي حول هذا الخطاب، خاصة أنّه سبق له أن أنجز مسرحيات عن مثل هذه المواضيع مثل فلسطين وغيرها. ومن جهته، أكّد مدير المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية بومدين مختاري، أهمية هذا الملتقى، الذي قد تُطبع مداخلاته لتصبح أرشيفا مكتوبا يضاف الى أرشيف المسرح الجزائري، مشيرا الى أنّ كلمة "علوّ" ظهرت في أكثر من آية قرآنية، لكنّها تحوّلت عن فطرتها في عالمنا، وأصبحت تحمل نوتة مقيتة، وتحوّلت إلى كلمة "استعلاء". أما مدير الملتقى زياني شريف عياد فرأى أنّ المسرح هو فكرة أيضا؛ أي أنّه يتناول الأفكار، ويجسّدها بطريقته الخاصة، مؤكّدا في السياق نفسه، أهمية مشروع المسرح الوطني الجزائري في مسألة جمع الأرشيف، ليطالب بتوفير إمكانيات أكبر لمواصلة المشوار. كما دعا إلى دراسة المواضيع التي تطرّق لها المسرح الجزائري. وقدّم زياني مثلا عن الفترة الأولى للمسرح الوطني الجزائري، والتي حدّد زمانها من استقلال البلد إلى غاية عام 1972، حيث كان لمسرحنا هوية. وقد تطرّقت الأعمال في تلك الفترة لمواضيع العنصرية، والاستعمار، والاستعلاء وغيرها، في حين كانت الفترة الثانية للمسرح (من 1972 إلى 1980) رتيبة بتغيّر المديرين رغم أنّ المسارح الجهوية كانت شغّالة؛ فمسرح وهران اهتمّ بالطفل. ومسرح قسنطينة بتاريخ الجزائر. ومسرح سيدي بلعباس كان محرّكه كاتب ياسين. وتساءل المتحدّث أيضا عن إمكانية إنجاز مسرحيات عما يحدث في غزة وإيران، فهناك من يرى أنّ المسرح لا يمكنه تناول قضايا آنية، بينما تيار آخر يرى العكس. وعلى الفن الرابع ترجمة شعور صانعيه تجاه ما يحدث في عالمنا. وللأستاذ إبراهيم نوّال أيضا كلام في هذا الموضوع، فقال إنّ الملتقى يضمّ علاوة على مداخلات، شقا فنيا، يتمثّل في عرض فيلم وثائقي، ومقتطفات من مسرحيات، وكذا معارض، وتركيب شعري، مضيفا أنّ مشروع زياني عن الأرشيف الذي تبناه المسرح الوطني، مهم جدا. وأكّد أنّ مسألة السرد الوطني ليس حديث الساعة، بل إنّ الأمير خالد سأل المثقفين في عهده عن كيفية بناء السرد الوطني. وذكر نوّال أنّ المسرح الجزائري وتحديدا المسرح الثوري، كان سباقا على مستوى المسرح العربي في التطرّق لمواضيع الهيمنة، بالإضافة إلى اهتمام المسرح الجزائري بعدها بمواضيع النضال، ومشاركة المثقف في المقاومة ضدّ المستعمر والهيمنة. للإشارة، جاء في نشرية الملتقى أنه انطلاقا من أنّ ذاكرة المسرح الجزائري (البدايات والتحوّلات) فعل مقاومة للاستعمار، وكلّ أشكال الكولونيالية وأنساق التفوّق العرقي. وفي بيئة دولية تتّسم بعودة خطاب الهيمنة ومنطق القوّة في العلاقات الدولية، حيث تُختزل الشرعية في موازين السلاح وتبرَّر الحروب باسم التفوّق الحضاري، يبرز المسرح كفضاء لكشف وتعرية هذه البنى الاستعلائية، وتفكيك سرديتها وخطابها. وفي هذا السياق، رأى كاتب ياسين المسرحَ "مدرسةً للشعب"، بينما لوّح فرانس فانون إلى أنّ الاستعمار هو اغتصاب للوعي قبل الأرض، في حين صرخ جون جينيه إلى جانب المقهورين في مواجهة المدّ الصهيوني والصهيونية. كما دعا برتولد بريشت إلى مسرح ينتج الفكر الواعي، ويقاوم الاستعلاء بالفهم والإدراك بعيدا عن الانفعال. أما الشاعران محمود درويش وبابلو نيرودا فقد طوّعا الكلمة لتكون ذاكرة حية تجابه الطغيان. ومن هنا يقوم هذا الملتقى خاصة في السياق العالمي الحالي، الذي يتبنى منطق احتكار الصهاينة؛ ليس مجرّد حديث ونقاش عن شكل فني فقط، بل فعل مقاومة، وضمير نقدي في وجه هذه السرديات الصهيو-نازية الاستعمارية، ويفضح عقلية التفوق، ومنطق القوّة؛ دفاعا عن الإنسان، والحرية والعدالة.