بقلم: عمرو حمزاوي أعادت غرينلاند خلال السنوات الأخيرة فرض نفسها بقوة على أجندة السياسة الدولية ليس بوصفها إقليماً نائياً متجمداً تابعاً لمملكة الدنمارك فحسب بل باعتبارها عقدة جيوسياسية متزايدة الأهمية في تفاعلات القوة بين الولاياتالمتحدة وأوروبا وفي سياق أوسع يتصل بصعود الصين وتغير المناخ وإعادة تعريف الأمن في القطب الشمالي. السؤال الذي يواجه الأوروبيين اليوم لا يتعلق فقط بكيفية إدارة العلاقة مع السياسة الأمريكية تجاه غرينلاند وإنما بكيفية صياغة مقاربة أوروبية متماسكة تحمي مصالحهم الاستراتيجية وتحافظ على وحدة الموقف داخل الاتحاد الأوروبي وتراعي في الوقت ذاته تطلعات سكان الإقليم أنفسهم. تنظر الولاياتالمتحدة إلى غرينلاند من زاوية أمنية واستراتيجية صرفة إلى حد بعيد. فالموقع الجغرافي للإقليم الممتد بين أمريكا الشمالية وأوروبا يمنحه أهمية مركزية في منظومات الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي وفي السيطرة على المسارات البحرية الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد في القطب الشمالي. هذه النظرة ليست جديدة فقد احتفظت واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية بوجود عسكري في غرينلاند وتحديداً في قاعدة ثولي لكنها اكتسبت زخماً سياسياً غير مسبوق عندما طُرحت علناً فكرة شراء الإقليم في تعبير فج عن منطق القوة والمصلحة الذي يحكم المقاربة الأمريكية. ورغم أن الطرح الأمريكي قوبل برفض دنماركي وأوروبي قاطع فإنه كشف عن فجوة حقيقية في التفكير الاستراتيجي بين ضفتي الأطلسي. فبينما ترى واشنطن في غرينلاند امتداداً مباشراً لأمنها القومي يميل الأوروبيون إلى التعامل معها باعتبارها مسألة سيادة دنماركية في المقام الأول وقضية تنمية وحقوق سكان أصليين في المقام الثاني وملفاً أمنياً ينبغي ألا يدار إلا في إطار التعاون متعدد الأطراف. هذه المقاربة الأوروبية وإن كانت أكثر انسجاماً مع القيم الليبرالية التي يعلنها الاتحاد الأوروبي إلا أنها تعاني من ضعف واضح في أدوات القوة الصلبة ومن انقسام داخلي حول أولويات القطب الشمالي. أحد الخيارات الأساسية أمام الأوروبيين يتمثل في تعزيز البعد الأوروبي الخالص في إدارة ملف غرينلاند عبر دعم الدنمارك سياسياً واقتصادياً وتوسيع انخراط الاتحاد الأوروبي في تنمية الإقليم. فغرينلاند رغم خروجها من الجماعة الأوروبية في الثمانينيات ترتبط بالاتحاد بعلاقات وثيقة من خلال برامج الدعم المالي والتنموي. توسيع هذه البرامج وربطها باستراتيجية أوروبية واضحة للمواد الخام النادرة والطاقة المتجددة يمكن أن يمنح بروكسل نفوذاً حقيقياً ويحد من قدرة الولاياتالمتحدة أو الصين على الانفراد بالتأثير في مستقبل الإقليم. *الامن القومي الامريكي غير أن هذا الخيار يصطدم بواقع معقد يتمثل في محدودية الموارد السياسية والعسكرية الأوروبية وفي تردد العديد من الدول الأعضاء في تحويل القطب الشمالي إلى أولوية استراتيجية. فدول الجنوب الأوروبي تنظر إلى التهديدات القادمة من المتوسط والشرق الأوسط بوصفها أكثر إلحاحاً بينما تركز دول الشرق على روسيا وأوكرانيا. أما دول الشمال وعلى رأسها الدنمارك والسويد وفنلندا فتجد نفسها في موقع الوسيط بين الالتزامات الأطلسية والمصالح الأوروبية الأوسع. الخيار الثاني يتمثل في السعي إلى إدارة الخلاف مع الولاياتالمتحدة عبر التكيف لا المواجهة أي القبول بالدور الأمريكي الأمني المهيمن في غرينلاند مقابل ضمانات سياسية واقتصادية. في هذا السيناريو قد يركز الأوروبيون على انتزاع اعتراف أمريكي أوضح بالدور الدنماركي وبحقوق الحكم الذاتي في الإقليم وعلى ربط الوجود العسكري الأمريكي بإطار تشاوري أوسع داخل حلف شمال الأطلسي. هذا الخيار واقعي من حيث إدراك اختلال ميزان القوة لكنه يحمل في طياته مخاطر تآكل الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية وتحويل غرينلاند عملياً إلى ورقة أمريكية في لعبة التنافس مع الصينوروسيا. أما الخيار الثالث وهو الأكثر طموحاً والأصعب تحقيقاً فيتمثل في تطوير مقاربة أوروبية أطلسية مشتركة تعيد تعريف أمن القطب الشمالي على أسس متعددة الأطراف. مثل هذه المقاربة تفترض إعادة إحياء دور مجلس القطب الشمالي وتوسيع نطاق التعاون ليشمل قضايا البيئة والتنمية وحقوق السكان الأصليين إلى جانب القضايا العسكرية. غير أن هذا المسار يواجه تحديات جسيمة في ظل تدهور العلاقات مع روسيا وتعليق معظم آليات التعاون معها وفي ظل ميل واشنطن إلى تفضيل الترتيبات الثنائية والمرنة على الأطر المؤسسية المقيدة. *الخيارات الأوروبية لا يمكن فصل الخيارات الأوروبية عن العامل الداخلي في غرينلاند نفسها. فالحكم الذاتي الواسع الذي يتمتع به الإقليم وتنامي النزعات الاستقلالية بين سكانه يفرضان على الأوروبيين والدنمارك معاً التعامل بحذر مع أي مقاربة تبدو وكأنها تتجاهل صوت الغرينلانديين. الاعتماد الاقتصادي على الدعم الدنماركي والطموحات المرتبطة باستغلال الموارد الطبيعية يخلقان معادلة دقيقة بين الرغبة في الاستقلال والحاجة إلى الشركاء الخارجيين. هنا تمتلك أوروبا فرصة لتقديم نفسها كشريك تنموي أقل اندفاعاً وأقل عسكرة من الولاياتالمتحدة وأكثر حساسية للاعتبارات البيئية والاجتماعية. في المقابل تظل السياسة الأمريكية محكومة بمنطق السرعة والحسم. فواشنطن ترى أن نافذة الفرصة في القطب الشمالي تضيق وأن المنافسة مع الصين لا تحتمل الانتظار. لذلك تميل إلى توسيع حضورها الدبلوماسي والاقتصادي في غرينلاند وإلى التعامل المباشر مع سلطات الحكم الذاتي أحياناً بمعزل عن كوبنهاغن. هذا الأسلوب يثير قلق الأوروبيين ليس فقط لأنه يتجاوز الدنمارك بل لأنه يكرس نموذجاً في العلاقات الدولية يقوم على تقويض الشركاء لصالح تحقيق مكاسب استراتيجية سريعة. في المحصلة لا يملك الأوروبيون ترف تجاهل غرينلاند أو الاكتفاء بردود فعل دفاعية على السياسة الأمريكية. الإقليم أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة أوروبا على التفكير والعمل كفاعل جيوسياسي متماسك. النجاح في هذا الاختبار يتطلب الجمع بين دعم واضح للدنمارك وانخراط أعمق مع سكان غرينلاند وحوار صريح مع الولاياتالمتحدة حول حدود المقبول في إدارة الأمن الأطلسي. دون ذلك ستظل أوروبا تدور في فلك سياسة أمريكية ترسم أولوياتها من واشنطن بينما تتآكل تدريجياً قدرتها على التأثير في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية.