العيادات النفسية صارت حتمية على مستوى بعض الأسر وبعد التهرب منها طويلا لجأت أغلب الأمهات إلى العلاج النفسي للأبناء بعد ظهور تغيرات على طباعهم لاسيما في مرحلة المراهقة التي تمتاز بتصرفات غريبة تصدر عن الطفل المراهق بالنظر إلى خطورة المرحلة التي تفصل بين مرحلتي الصغر وكبر الطفل، بحيث تشهد أغلب العيادات النفسية إقبالا كبيرا من طرف العائلات بعد إقناع الطفل بضرورة تلك الخطوة. وتجد بعض الأمهات استعصاء في الخطوة في الأول إلا أنه ومع الأيام يرضى الطفل بذلك ويطلب بمحض إرادته اللجوء إلى مختص نفساني من أجل المعالجة وذلك لا يعكس أبدا أن الطفل يعاني من اختلالات مثلما يفهمه الجميع، بل أن الظروف المحيطة به في المدرسة وفي الشارع وحتى بالبيت تحتاج إلى متابعته لدى مختص نفساني بغية أخذ الاستشارات والاستفادة من بعض المواعظ التوجيهية، وباتت تلغى الفكرة الأولى تدريجيا وتتلاشى في مجتمعنا والمتمحورة حول ترادف المصطلح مع الاختلالات العصبية، وأصبح ذلك المفهوم يتلاشى شيئا فشيئا بعد أن رأت بعض الأمهات ضرورة الاهتداء إلى الطب النفسي لأجل تقويم سلوكات أبنائها التي تهددها الكثير من العوائق في الشارع والمدرسة وفي كامل المحيط بالمفهوم العام. ولم تعد الأسر تجد أي حرج في خطو تلك الخطوة وإقناع الأبناء على المعالجة النفسية بعد دراسة أبعادها النفعية جدا، في ظل الظروف التي تحيط بمجتمعنا والمتعلقة بالانحرافات السلوكية وشرب المخدرات والتسرب المدرسي إلى غيرها من المخاطر الكثيرة التي تتربص بالطفل في المحيط المجتمعي. اقتربنا من عيادة نفسية على مستوى العاصمة فوجدناها تعج بالناس من مختلف الأعمار، وحضر الأطفال والمراهقون بقوة برفقة أمهاتهم وآبائهم لأجل متابعة الحصص العلاجية هناك، بعد أن تحول اهتمام الكثير من الأسر إلى الطب النفسي بغية الخروج من المأزق الذي بات يهدد أبناءها في الوقت الحالي. اقتربنا من إحدى الأمهات التي كانت برفقة طفلها البالغ من العمر 14 سنة وكانت مظاهر الحشمة والرصانة بادية على وجهه، سألنا أمه عن المشكل التي أتى بها إلى هناك مع طفلها فقالت إنه كتوم جدا ولا يتحدث كثيرا، الأمر الذي أدخل عليها الشكوك فهو لا يصارحها لا بمشاكله ولا بمسرّاته، كما أنها لاحظت تراجعه في دراسته بإحراز معدل 10 وهو الذي كان متفوقا فيما سبق بإحراز معدلات 14 و 15 من 20، كل تلك الأمور دفعته إلى عيادة نفسية لأجل عرض حالته على مختص نفساني والوقوف على مكامن الإشكال التي لم توفق في الوصول إليها، وعن قبوله قالت إنه تردد كثيرا في الأول إلا أنها تفاجأت به وهو يطلب منها أن تأخذه إلى مختص نفساني كونه بحاجة إلى ما يرشده ويرفع معنوياته، فسارعت به إلى العيادة وهو يتابع الحصص بانتظام ووقفت على ارتفاع معنوياته كثيرا حتى أنه صار يتصل بهم في البيت بعد أن انعدم تواصله في الأول، ورأت في الأخير أن العلاج النفسي لم يكن ولو لمرة من العيوب بل بالعكس هو منقذ للبعض في بعض الظروف الحالكة. المختصة النفسية (ج. سليمة) بدورها بينت الدور الفعال الذي يلعبه الطب النفسي في تقويم سلوكات الأطفال وإنقاذهم من مخالب الانحراف والتسرب المدرسي إلى غيرها من المشاكل السلوكية المحيطة بهم، وحثت الأسر من خلال تجربتها على إخضاع الأبناء إلى حصص علاجية في حال ملاحظة بعض التصرفات أو السلوكات الغريبة الصادرة منهم أو حتى في حالة تسربهم الدراسي، ورأت أن المختص النفسي قادر على إثبات مواطن الضعف والفشل وتقوية عزيمة الطفل من أجل المواصلة وحمايته مما يدور من حوله.