يحتضن المسرح الوطني محيي الدين بشطارزي، الليلة، عرضا موسيقيا بعنوان "من غرناطة إلى مزغنة الجزائر". وهو عبارة عن رحلة موسيقية تتتبّع نشأة وتطوّر الموسيقى الجزائرية التقليدية من التراث الأندلسي بعد سقوط غرناطة، إلى التعبيرات الشعبية المعاصرة. تستكشف الرحلة أنماط النوبة، والحوزي، والعروبي، والشعبي، بمشاركة الفنان سيد علي دريس رفقة الأوركسترا والفنان عبد الباقي إنصاف، لتقديم تراث حيّ وزاخر، ثمرة رحلته وارتباطه الوثيق بهذه الموسيقى العريقة. وسيروي الشاعر ياسين أوعابد هذا التراث السامي في هذه الرحلة الموسيقية. ويجري العرض في أجواء دافئة معبّقة بسحر الماضي الجميل، تجتمع فيها العائلات والأصدقاء، علما أنّ العرض يتواصل إلى الليلة الموالية (الرابع مارس). ويستعرض المسار التاريخي للموسيقى الجزائرية منذ جذورها الأندلسية عقب سقوط غرناطة، وصولا إلى تطوّر فن الشعبي، مرورا بأنماط النوبة، والحوزي، والعروبي. كما يرافق السهرة الشاعر ياسين أوعابد، الذي يتولى سرد الحكاية الموسيقية، وتقديم قراءة شعرية تؤطر هذه الرحلة الفنية. وبالمناسبة، يقدّم سيد علي دريس أيضا، تجربة موسيقية فريدة. وسيكون للنكهة الرمضانية حضورها. كما تكون الموسيقى حوارا مع النفوس، مع احتفاء بالثقافة الجزائرية بكلّ روعتها؛ إذ يسعى الفنان سيد علي دريس لحمل الجمهور إلى الموسيقى العتيقة من أزمان ولّت، حملت خصوصية جزائرية امتدّت إلى النواحي الثقافية والاجتماعية والتاريخية، مليئة بالألوان، والمشاعر. ويتم تقديم هذه الألحان والنصوص والأحداث التاريخية البارزة في قالب فنيّ يجمع بين المشاهد المسرحية والأداء الموسيقيّ الأندلسي الراقي؛ من خلال أداء باقة من روائع طابع الحوزي والصنعة والمالوف؛ على غرار "لله يا ابن الورشان"، و"قم ترى"، و"يا آسفي على ما مضى"، و"قالوا لعرب قالوا"؛ ما يصنع الفرجة وسط الجمهور المتابع للعرض؛ كونه يعكس قيما جمالية وفنية تراثية راقية، ناهيك عن توظيف صوت الحكواتي المتمثّل في أشعار ياسين أوعابد على خلفية لوحات فنية منتقاة بعناية، ترافق الشاعر حين جولته عبر الركح. للتذكير، تُعد مدرسة قرطبة التي أسسها زرياب، "المدرسةَ الأم" التي أرست قواعد النمط الموسيقي الأندلسي، الذي انتشر في باقي المدن كإشبيلية وبلنسية وغرناطة، فتشكَلت في هذه المدن مدارس، لكلّ منها خصوصياتها في النوبات، وفي الأداء، والأزجال. وانتقلت تلك الفروق مع المهاجرين الأندلسيين إلى الجزائر، لتصبح تلك الأنماط الموسيقية المختلفة التي توارثتها الأجيال عبر تقاليد شفوية، تعبيرا عن أصولها؛ منها "الصنعة" في مدينة الجزائر العاصمة وما جاورها من حواضر كالبليدة والقليعة، والتي ورثت المدرسة القرطبية، وأضحت نوباتها هي الناظم الأساس لكلّ مظاهر الحياة الفنية والدينية أيضا؛ سواء من خلال قصائد المديح التي كانت تؤدى في المولد النبوي (المولوديات)، أو في رمضان (الجد)، أو من خلال أداء المؤذنين للصلاة في المساجد. أما الطرب الغرناطي في تلمسان، فهو امتداد لمدرسة غرناطة. وتفرّع منه طابع "الحوزي" ، وهو الذي اختصّ به سكان أحواز المدينة (أطراف تِلْمْسَان). ولا تؤدَّى قصائده باللغة العربية الفصحى كباقي الموروث الغرناطي، وإنّما باللهجة العامية. أما موسيقى "المالوف" في قسنطينة وعنابة فهي سليلة المدرسة الإشبيلية في تميّزها على مستوى النوبات والأزجال والموشّحات. وحافظت الموسيقى الأندلسية في الجزائر على قواعدها الأساسية رغم ما تعرّضت له من تأثيرات عبر الزمن. وخرجت منها طبوع أخرى جديدة، كان منها فن الشعبي المرتبط ارتباطا وثيقا، بالبيئة المحلية الجزائرية، والذي له قواعده، وشيوخه، ونصوصه الجديدة منها والكلاسيكية.