في لحظةٍ تتدفّق فيها صور الحرب الإسرائيلية على غزة بلا انقطاع ويصبح الواقع نفسه مادةً يومية للبثّ الحي، يأتي مسلسل "صحاب الأرض" المعروض ضمن السباق الرمضاني الحالي. المسلسل من بطولة إياد نصار، ومنة شلبي، وكامل الباشا، وآدم بكري، وتارا عبود، وسارة يوسف، وإياد حوراني، وديانا رحمة. وهو من معالجة وسيناريو وحوار عمار صبري ومحمد هشام عبيه، وإخراج بيتر ميمي، وإنتاج شركة المتحدة للخدمات الإعلامية. وأفادت لجنة الدراما التابعة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، بأن المسلسل من ضمن الأعلى مشاهدة خلال الأسبوع الأوّل من رمضان، إلى جانب مسلسلي "رأس الأفعى" و"عين سحرية". أعمال سينمائية وتلفزيونية كثيرة تناولت القضية الفلسطينية سابقاً، غير أنّ الناقدة المصرية خيرية البشلاوي ترى أنّ "صحاب الأرض" يختلف؛ لأنّه وُلد في قلب اللحظة، في زمن تُشاهَد فيه صور الإبادة والغدر على الشاشات والهواتف ليل نهار. وتقول، في تصريحات ل "العربي الجديد"، إنّ هذا الحضور البصري الكثيف أضفى على المسلسل مسحة تسجيلية واضحة حتى بدا في بعض مشاهده أقرب إلى عمل توثيقي يرصد لحظات حيّة، لا إلى دراما تعيد إنتاج الواقع من مسافة. وتضيف البشلاوي أنّ لغة الخطاب الدرامي جاءت أكثر تطوّراً، وصدقاً، نابعة من إحساس داخلي عميق، انعكس على أداء الممثلين جميعاً. كما إنّ أدوات السرد بدت مغايرة لما سبق تقديمه نتيجة الارتكاز إلى معايشة مباشرة، ووقائع حقيقية. وتشير الناقدة المصرية إلى أنّ العناية بالتفاصيل البصرية من تصميم الديكور إلى بناء البيئة المحيطة، عزّزت الإحساس بالواقعية ومنحت العمل مصداقية إضافية. وفي تقديرها، نجح صنّاع المسلسل في تقديم القضية بمصداقية. وكشفوا عبر البناء الدرامي ما تصفه ب"مرض العداء الصهيوني" وجحوده، وهو ما أثار غضب وسائل إعلام إسرائيلية. وتلفت إلى أن الرقابة لم تجد ما يستوجب التدخل، لأنّ العمل "يمسّ وجدان الوطن العربي بأسره، لا الفلسطينيين وحدهم". المخرج المصري محمد فاضل الذي سبق أن قدّم أعمالاً قاربت السياسة في إطار اجتماعي، يرى أنّ "صحاب الأرض"يندرج ضمن ما يمكن تسميته الدراما التسجيلية، التي تعرّف الجيل الجديد بحقيقة القضية الفلسطينية، وتعيد تذكير الأجيال الأقدم بما قد يكون غاب عن الذاكرة. ويؤكّد في تصريحاته ل"العربي الجديد"، أنّ أبرز ما يميّز المسلسل هو غياب المبالغة، فلا مشاهد أكشن مفتعلة، ولا استعراض عضلات درامياً، بل أداء متأثّر بالحدث، ملتزم بالحدود الإنسانية للشخصيات، و"وثيقة مهمّة كان ينبغي إنجازها منذ زمن". ويعزو فاضل صدق الأداء إلى أنّ اللحظة لاتزال ساخنة، وأنّ الممثلين أنفسهم تابعوا تفاصيلها، وعاشوها عبر الشاشات، ما انعكس تلقائياً على حضورهم أمام الكاميرا. ويرى أنّ إياد نصار بدا وكأنّه استلهم الكثير من التجربة الحية، فيما اعتمدت منة شلبي في بعض المشاهد، على تعبيرات الوجه، والصمت، فجاء إحساسها أبلغ من الكلمات. كما يشيد بعناصر الإنتاج، مشيراً إلى أنّ الديكورات أُنشئت في مدينة الإنتاج الإعلامي، مع استخدام تقنية الكروما، من دون أن يشعر المشاهد باغتراب بصري عن الواقع. وبدوره، يعبّر الممثل الفلسطيني كامل الباشا الذي يجسد شخصية "إبراهيم" في "صحاب الأرض"، عن امتنانه لاختيار موسم رمضان لطرح القضية الفلسطينية. ويقول ل"العربي الجديد" إنّ العمل، وإن لم يكن سياسياً بالمعنى المباشر، إلاّ أنّه اجتماعي في جوهره، يرصد معاناة الإنسان الفلسطيني في غزة على مستويات متعدّدة. ويؤكّد أنّ جميع المشاركين تمنوا أن تكون لهم مساهمة ولو عبر الشاشة، في نصرة القضية، وأنّ المسلسل يذكّر بأن الشعب الفلسطيني يبحث عن الحياة لا الموت رغم ما يعيشه من مآسٍ. ويشير الباشا إلى أنّ مشاهد الإبادة الإسرائيلية ولا سيما ما يتّصل بالنزوح القسري، أثّرت فيه بشدّة، لأنّها تلامس تجربة اقتلاع الإنسان من بيته وأسرته، وتركه معلّقاً بين الخوف والنجاة. ومع ذلك يقول إنّ صنّاع العمل "حرصوا على البحث عن بصيص أمل وسط الركام؛ كي لا تتحول الدراما إلى مرآة يأس مطلق". وخارج السياق الفني، أثار "صحاب الأرض" امتعاض جهات إسرائيلية، إذ وصفته وسائل إعلام عبرية ب "خطوة سياسية مدروسة" من القاهرة في ظلّ التوترات المرتبطة بحرب الإبادة في غزة. وخصّصت هيئة البث الإسرائيلية فقرة لمناقشة محتواه. وانتقدت طريقة تناوله للحرب. كما رأت القناة 12 الإسرائيلية أن إنتاجه وبثه يحمل أبعاداً سياسية، فيما هاجمته المتحدثة باسم جيش الاحتلال إيلا واوية. وزعمت أنه "تزوير للتاريخ"، و"تحريض". وردّ المخرج بيتر ميمي على انتقادت واوية بصورة للممثلة التي تؤدي دور ضابطة إسرائيلية في المسلسل، نشرها عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك". وعلق عليها: "تزييف حقايق إيه؟ ده الفيديوهات موجودة! عموماً أنا دوخت علشان أجيب ممثلة تكون شبهك! النصر لكلّ مظلوم". كثيرون رأوا في "صحاب الأرض" إنصافاً رمزياً في لحظة تحاول فيها إسرائيل ترميم صورتها الدولية عقب الإبادة المرتكبة بحق غزة. الأسير المحرّر أسامة الأشقر قال في تصريحات صحافية إنّ المسلسل جاء في توقيت بالغ الحساسية، لأنّه يعرّي "حملة الخداع" الإسرائيلية، الساعية إلى استعادة الرأي العام. ويقدّم رواية إنسانية لا يمكن تجاهلها. ومع الثناء الواسع في الأوساط الفلسطينية والمصرية، لم يخلُ الأمر من تحفظات؛ فقد قال بعض المصريين والفلسطينيين والعرب إن العمل أقرب إلى "مناورة درامية تستثمر الأحداث الراهنة"، و"محاولة لتعويض التخاذل المصري تجاه الإبادة".