لم يكن للجزائر أن تغفل التصعيد الخطير الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، والذي طال عددا من الدول العربية الشقيقة دون أن تبدي تضامنها الكامل معها انطلاقا من قناعتها بأن ما يمسّ أمن الدول العربية يمسّ أمن الجزائر، حيث عبّر عن ذلك رئيس الجمهورية، في اتصالات هاتفية أول أمس، مع قادة هذه الدول الشقيقة، فضلا عن استقبال وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية والشؤون الإفريقية، لسفراء هذه الدول التي تعرّضت لاعتداء عسكري. موقف الجزائر الرّافض المساس بسيادة الدول ووحدة ترابها وأمن شعوبها، يعد عقيدة ثابتة في سياستها الخارجية التي ترتكز على تغليب منطق الحوار واستبعاد الخيارات العسكرية، فضلا عن نصرة القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية لتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه. وباعتبار أنها عضو نشط في جامعة الدول العربية، فإن الجزائر لم تدّخر جهدا في تعزيز العمل العربي الجماعي، وتذليل الخلافات عبر الاعتماد على الوساطة وحل النّزاعات استنادا إلى تجربتها، حيث دعمت مؤخرا وساطات قطر وعمان لتهدئة التوترات في الخليج، كما تسعى لدعم حلول سياسية في ليبيا واليمن، كما تتمسّك بتوحيد الصف العربي ودعم القضية الفلسطينية، مستندة إلى خبرتها التاريخية في الوساطات الدولية، في حين تؤكد استعدادها لدعم أي وساطة أممية عادلة تضمن حقّ تقرير مصير الشعب الصحراوي. وعليه يشكّل الاستقرار الاقليمي من أهم الركائز الاستراتيجية التي تعمل الجزائر على ترسيخها، حيث اتضح ذلك جليا خلال عهدتها المتميّزة في مجلس الأمن كعضو غير دائم، من خلال صب جهودها من أجل إعلاء صوت القضايا العربية، والعمل على توحيد الصف العربي في التعاطي مع القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالاعتماد على مقاربة تنسيقية دقيقة مع البعثات العربية في نيويورك، لضمان صوت عربي موحد وقوي، والسعي لتمكين الجامعة العربية من دورها في حل الأزمات وتوحيد الصفوف. ومثلما تندّد في كل مرة بالاعتداءات التي تمسّ الدول في العالم، فإن الجزائر تعتبر أن أي اعتداء على دولة عربية يعنيها مباشرة، مثلما سبق وأن عبّر عن ذلك رئيس الجمهورية، خلال لقائه الإعلامي الدوري مع ممثلي الصحافة الوطنية، عندما قال إن أمن دول عربية كالمملكة العربية السعودية ومصر والكويت وعمان من أمن الجزائر. فانطلاقا من حرصها على تأطير العمل العربي المشترك، فإن الجزائر تدعم تفعيل بنود الدفاع العربي المشترك رغم عدم دخوله حيّز التنفيذ ولو لمرة واحدة، في الوقت الذي لعبت فيه دورا كبيرا في إدراج ملف مكافحة الإرهاب والتطرّف ضمن جدول أعمال مجلس وزراء الإعلام العرب ومجالس الدفاع عام 1994.غير أن الدفاع العربي المشترك مثلما يشير إليه التاريخ السياسي والعسكري للمنطقة العربية، ظل مجرد حبر على ورق رغم تعرّض بلدان عربية لاعتداءات اسرائيلية وأجنبية على غرار حرب الستة أيام عام 1967، التدخل العسكري في ليبيا، الكويت، العراق، سوريا، لبنان، اليمن وقطر في شهر سبتمبر من العام الماضي، حيث لم يحصل أبدا أن تم تنفيذ المعاهدة رغم أنها تتضمن بندا يلزم جميع الدول العربية على صد الاعتداء على أي دولة عربية بالوسائل العسكرية والاقتصادية.