يبدو لي، من واقع جل التعليقات التي قرأتها حول مقالي عن أدولف هتلر، أن كثيرين يشاركونني الاهتمام بالماضي، ربما لأنه يسلك الأضواء على الحاضر، ومن هنا تأتي هذه السطور. فالأحداث تتوالى، وتتابع المواقف بشكل يماثل قطرات الماء المتساقطة، وفي لحظة معينة يفيض الماء ليثير الانتباه إلى وقائع لم يتوقف الإنسان عند حدوثها، فتراكمت عبر الزمن إلى أن سقطت القطرة الأخيرة. وقد تابعت منذ صدر شبابي مسيرة جامعة الدول العربية، وكنت ممن يرون، بسذاجة تضحكني اليوم، أنه لم يكن في الإمكان أبدع مما كان، إلى أن سقطت تلك القطرة اللعينة. حدث ذلك في العام الماضي في مصر، عندما تجمعت قوى ما يسمى بالدولة العميقة لتهدم رئاسة الدكتور محمد مرسي، وهي القوى التي ضمت كل المستفيدين من نظام الرئيس حسني مبارك، رجال أعمال وسياسيين وصحفيين وبلطجية، ممن أحنو رأسهم أمام عاصفة يناير 2011، لإعطاء الفرصة للقيادات العسكرية التي تكونت تحت راية كامب دافيد للتخلص من مبارك وأحلامه في التوريث، وتحافظ في الوقت نفسه على النظام، بكل مقوماته، وهذا كله أمر يهم الشعب المصري بالدرجة الأولى. لكن الأخبار تناقلت أن الأمين العام للجامعة العربية، التي تمثل 22 عضوا، استقبل وفدا من حركة شبابية كان معروفا أنها ليست ذاتية التحرك، بل كانت ممولة من عناصر كان تعد للثورة المضادة، ولم يكن هناك ما يبرر الاستقبال أو يُفسّره إلا أن الجامعة نفسها ليست ذاتية الحركة. ويقع في يدي الجزء الأول من كتاب خماسي يحمل عنوان "مذكرات رحلة حياتي"، للإمام الشيخ محمد حسين أبي سردانة، فأسترجع معه بعض تاريخ الجامعة العربية، لأكتشف أنه لم يكن فيه ما يمكن أن نعتز به أمام أي مؤسسة إقليمية عرفها العالم. والشيخ محمد أبو سردانة من قرية الفالوجة الشهيرة في فلسطين، تخرج من كلية الشريعة في مصر وتخصص في القضاء الشرعي، ووصل إلى مرتبة قاضي القضاة في السلطة الوطنية الفلسطينية في عهد الشهيد ياسر عرفات، لكن هذا القاضي الشرعي، الذي احتفل في فبراير الماضي بعيد ميلاده التسعين، لا يكل ولا يمل، فهو يسجل في كتابه أحداثا بالغة الأهمية، عاشها أو شارك في صناعتها، خصوصا خلال المرحلة بالغة الخطورة التي أعقبت قرار تقسيم فلسطين، الذي أصدرته منظمة الأممالمتحدة في نوفمبر 1947. وأعتقد أن هذا الكتاب هو من أخطر الكتب التي وقعت في يدي خلال الفترة الماضية، لأنه يشكل مرجعا موثقا لأحداث تآكلت معلوماتها مع مرور الأيام وتعاقب الأحداث، في حين يجب أن تشكل مرجعية دائمة ومستمرة لكل عربي يؤمن بحق أمته في الحياة، وهو بالتالي كتاب يجب أن يكون في كل مكتبة شخصية أو بلدية أو جامعية أو حكومية، لأنه، وخصوصا الجزء الأول، سجل تاريخي موثق لمرحلة من أهم المراحل التي عرفها الوطن العربي. وكان أول ما لفت نظري في الكتاب، "بطاقة ملصقة" خلف صفحته الأولى، لم أر لها مثيلا في مئات الكتب التي اقتنيتها عبر عشرات السنين، كتب عليها وتحت جملة، الناشر، دار الفاروق للنشر والتوزيع: الآراء والمعلومات الواردة في هذا الكتاب لا تعبر بالضرورة عن رأي الجهة الناشرة. ولم تكن هناك أي إشارة لبلد الناشر أو موقع نشاطه. ويبدأ المؤلف كتابه باستعراض حياته في الأيام الأولى التي بدأ فيها دراسته بالقاهرة، ويسجل الدعم الذي لقيه من صهره الشيخ الهلالي عميمور، الذي كان يومها واحدا من علماء الأزهر، حيث عرفه ببعض طلاب العلم من الجزائريين والمغاربة، وطاف به على حلقات العلم ليشرح له كيفية التلقي والاستماع والنقاش ودرجات الحلقات العلمية من حيث مستواها وأنواع موادها، ثم رتب له مقابلة مع أبناء بلده في الأزهر، ومن توجيهاته أخذ فكرة أولية عما يجب أن يبدأ به من عمل يتعلق بالانتساب والسكن والتكيف مع الجو البيئة الجديدين (ص 29) ويعود الشيخ محمد في بداية استعراضه لمسيرة حياته، وهنا تكمن أهمية الكتاب، إلى الوضعية التي كانت تعيشها فلسطين في الأربعينيات، والتي كانت من نتائج إجهاض ثورة الثلاثينيات، فرغم وجود سلطة الانتداب البريطاني التي تتمثل أساسا في أكثر من تسعين ألفا من رجال الجيش والأمن البريطانية كانت تدعم تجمعات الآلاف من عصابات شتيرن والهاغاناه الإسرائيلية، كانت الثورة الفلسطينية بجميع فصائلها، وعلى رأسها أكبرها القائد فوزي القاوقجي، تسيطر ليلا على معظم التراب الفلسطيني. لكن بريطانيا، كما يقول الإمام، اتصلت بأعوانها العرب في المنطقة طالبة منهم التوسط لدى الثورة الفلسطينية، لتتمكن الإمبراطورية العجوز من التفرغ لأخطار حرب مرتقبة مع ألمانيا. وبدل أن يقبض هؤلاء الزعماء ثمن توسلهم وضغطهم (ص75) ولو بوعد إنغليزي مكتوب يضمن استقلال فلسطين، قاموا بذلك تطوعا لوجه »الشيطان«، بدون نظر للمستقبل واحتمالاته، وبدون الاتعاظ بغدر الإنغليز وتنكرهم لما فعله العرب لهم في الحرب العالمية الأولى، حيث كان نصر الحلفاء فيها على جماجم ودماء العرب. وكانت نتيجة الضغوط العربية انسحاب القاوقجي ورجاله من أرض فلسطين، وإخماد ثورة المجاهدين هناك، وتوسع الوجود الصهيوني في حماية الانتداب البريطاني. ويستعرض الشيخ أبو سردانة حياته في بلاده عقب تخرجه من كلية الشريعة، ولكن استعراضه ذلك يسير جنبا إلى جنب مع تسجيل الأحداث الوطنية، حيث يتناول الكفاح الذي قام به الشعب الفلسطيني بعد نوفمبر 1947، ويسجل استشهاد القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني في معركة القسطل صباح 8 أبريل 1948، وينشر صورة لرسالة بخط يد الحسيني وبتوقيعه، بعث بها قبل استشهاده إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية (عبد الرحمن باشا عزام آنذاك) جاء فيها حرفيا: إني أحملكم المسؤولية بعد أن تركتم جنودي في أوج انتصاراتهم بدون عون أو سلاح. ويتناول الشيخ الجليل الكفاح الهائل الذي خاضه متطوعو الإخوان المسلمين (ولعل هذا هو سر تهرب الناشر من مسؤولية ما جاء في الكتاب) ويبرز واحدا من أهم أسباب النكسة الفلسطينية، حيث يقول أن القيادة العليا للجيوش العربية، المكلفة من قبل الجامعة العربية، أصدرت أمرا بإنهاء مهمة قوات المتطوعين من الإخوان وجيش الإنقاذ الفلسطيني ووحدات المقاتلين التابعين للهيئة العربية العليا وكتائب الجهاد وغيرها، بحجة توحيد قيادة الجيوش العربية النظامية التي ستدخل فلسطين في أول دقيقة من الساحة الواحدة صباح يوم 15 مايو 1948، بعد أن سلمت بريطانيا كل معسكراتها ومعداتها للعصابات الصهيونية. ويتأكد أن القائد الفعلي للجيوش العربية كان الجنرال جون غلوب، الذي كان، ومعاونوه من الضباط البريطانيين، يخططون لهزيمة الجيوش العربية، وسيتضح ذلك أكثر فأكثر عندما لم يسمح للجيش الأردني بتطهير القدس الغربية من الصهاينة، وقد كان قادرا على ذلك لو سمحت به القيادة البريطانية (ص96) ويواصل الإمام أبو سردانة استعراض أحداث تلك الفترة، فيقول أنه وفي الأسبوع الأخير من مايو 1948، ونتيجة لتفوق القوات العربية في جبهات الشمال والقدس والجنوب، حيث قاتلت القوات المصرية والأردنية مع قوات المجاهدين الفلسطينيين بقيادة مجاهد سوداني من علماء الأزهر بكل بسالة، تم تحريك مجلس الأمن الدولي، الذي طلب وقف إطلاق النار بين الطرفين خلال 24 ساعة، وقبلت الجامعة العربية ذلك بتأثير الملك عبد الله، الذي كان مطمئنا إلى وعود الحليفة بريطانيا، وربما بتأثير الجنرال غلوب، الذي أصدر أمر لتوقف كل القوات العربية ومنعها من التقدم ولو إنشا واحدا (ص 102) وأخذ هذا الأمر شرعيته السياسية من قرار اللجنة السياسية للجامعة العربية في 1 يونيو بوقف إطلاق النار لمدة أربعة أسابيع، وتزامن ذلك مع جلاء آخر جندي بريطاني عن طريق ميناء حيفا، بعد تسليم كل المرافق الحيوية لليهود. واستغلت العصابات الصهيونية فترة الهدنة في تقوية صفوفها واستيراد الأسلحة والمعدات عن طريق الموانئ التي تسيطر عليها. ويعرف شهر يوليو انسحاب القوات الأردنية من اللد والرملة بأمر من غلوب باشا، وبدون حاجة ماسة لذلك، وتعرف نهايته موقفا أثبت، كما يقول الكاتب، غباء السياسة العربية (أو خنوعها وتواطأها) فقد اقترح المندوب الروسي في مجلس الأمن إحالة القضية الفلسطينية إلى محكمة العدل الدولية، ولكن هذه الفرصة ضاعت من السياسة العربية لم تبن جسورا مع موسكو، خوفا من »بعبع« الشيوعية، فلم يحقق الاقتراح الإجماع المطلوب. ويتوقف المؤلف طويلا عند الأعمال البطولية التي قامت بها مجموعة من رجال الجيش المصري، كانت حصلت على عطلة "بدون مرتب" من القوات المسلحة للالتحاق بقوات المجاهدين، الذين قيل أنه كان من بينهم جزائريون وليبيون ومغاربة، وهي قوات غير رسمية كبدت العدو الإسرائيلي خسائر هائلة، ورفعت العلم العربي على عدة مناطق استرجعت من اليهود. وكانت قوات المصريين المجاهدة بقيادة العقيد أحمد عبد العزيز، الذي كان صورة رائعة للمقاتل المصري، مؤكدا أن خير أجناد الأرض يكونون كذلك إذا كانت القيادة كذلك. كان أحمد عبد العزيز واحدا من تلاميذ عزيز المصري باشا، وأصبح مصدر تهديد رهيب للعصابات الإسرائيلية، وهكذا اتخذ قرار لتصفيته جسديا، وهو ما تم فعلا برصاص من حارس موقع مصري، كان قد حُذر من احتمال اقتحام العدوّ لموقعه، وأُمِر بإطلاق النار بدون أي إنذار على أي سيارة تقترب من الموقع، وفي الوقت نفسه تلقى أحمد عبد العزيز أمرا من القيادة العليا للجيوش العربية بالتوجه إلى غزة للتشاور، على أن يسافر بسيارته عبر طريق محدد يمر بالموقع المصري المذكور، وهو ما يشير بوضوح إلى الجهة التي كلفت بتنفيذ الاغتيال الجبان. ويواصل الشيخ محمد أبو سردانه استعراضه، وأطلب مهلة لاستكمال القراءة في سفر لم يتناول، حتى الآن، مكرمة واحدة يمكن أن »تتهم« بها جامعة الدول العربية.