قسنطينة: تنصيب رئيس أمن الولاية الجديد    اعتداءات على الأطباء.. والعدالة ترفع سيف الحجاج    هكذا سيكون استئناف الدراسة في الجامعات    الرئيس تبون يتلقى مزيدا من رسائل التهنئة بمناسبة عيدي الاستقلال والشباب    الرقابة القضائية لمدير عام ميناء سكيكدة وثلاثة مدرين تنفيذيين    وزير الطاقة يشارك غدا في اشغال الاجتماع ال 20 للجنة المراقبة الوزارية المشتركة للأوبك    رقم أعمال بقيمة 5ر24 مليار دينار في 2019    سحب معاشات المتقاعدين حسب نسب مئوية    شرطة إقليم كتالونيا توقف جزائريّين    90 مليار سنتيم ديون الأندية المحترفة    نحو توقيف المنافسة.. إلغاء السقوط والبطولة ب20 فريقاً    "فراغ إداري" في مولودية وهران والوزاني يناشد السلطات    حياتو أوقفني عاماً بسبب الأهلي المصري    سعيدة: ضرورة استغلال المياه المعالجة في سقي الأشجار المثمرة    سكيكدة: 33 شخصا يتقدمهم الرئيس المدير العام للمؤسسة المينائية تحت الرقابة القضائية    اجتماع لبحث سبل مرافقة الفنانين في ظل الحجر الصحي    ترحيل 13 عائلة من معلم مسجد الباشا بوهران    توزيع اصابات كورونا عبر ولايات الوطن    البنك الأوروبي لإعادة الإعمار يوافق على انضمام الجزائر    الجزائر تجدد التزامها بالتعاون مع مختلف الشركاء للتحكم في تدفق المهاجرين غير الشرعيين    دعوات إلى الحكومات والشركات المتعددة الجنسيات لوقف أنشطتها الاقتصادية الأراضي الصحراوية المحتلة        خنشلة: سيول الأمطار تغمر عشرات المساكن وتخلّف خسائر مادية ببلدية طامزة    توسعة خط ميترو ساحة الشهداء- باب الوادي: انطلاق الأشغال في الثلاثي الأخير من السنة الجارية    نظام رقمي جديد لمتابعة عمليات تحويل وتخزين الحبوب    حركة جزئية في سلك الجمارك    رئيس نقابة الأطباء العامين: "الوضع الصحي في الجزائر مقلق"    عبد الرحمان بن بوزيد: تعليمة للتكفل بحالات كوفيد-19 عند الاطفال على مستوى الهياكل والمؤسسات الصحية    لوحة تذكارية تكريما لروح المجاهد والفنان محمد الباجي    بلقاسم مزروع ل"الحوار " : هكذا سنوفر كبش العيد في عز كورونا    بسبب الظروف الجوية: الإمارات ترجئ إطلاق مسبار "الأمل" إلى المريخ        سُنَّة التكبير في الأيام العشر    سورة العصر.. فضائل وبركات    آيات بلاغية في القرآن    المسارعة في الخيرات    ماذا يحدث في تونس؟    الاتحادية الجزائرية للسباحة: "الشراكة مع نادي نيس ستفتح الأبواب للسباحين الجزائريين لتطوير مستواهم"    إحياء اليوم الوطني للطفل الجزائري تحت شعار "الطفولة مهد المسؤولية"    إدارة برينتفورد تشرع في البحث عن بديل ل "بن رحمة"    الجيش يوقف ستة تجار مخدرات ويحجز 31 ألف قرص مهلوس    وفاة الأمين العام لولاية غليزان متأثرا بإصابته بفيروس كورونا    فلسطين: قوات إسرائيلية تغلق محيط جبل الفرديس شرق بيت لحم    مصر تطلب رسميا استضافة مباريات رابطة أبطال افريقيا    20 مليار دولار لإنعاش الاقتصاد الوطني بعد جائحة كورونا    مدير مستشفى البويرة يلقي بنفسه من نافذة مكتبه بالطابق الأول    السعودية تمنع صلاة عيد الأضحى في الأماكن المكشوفة    وزير السياحة: الدولة لن تتخلى عن أصحاب الفنادق والوكالات السياحية    جراد يؤكد على دعم الدولة الكامل للمستثمرين في الصناعات التحويلية    هزة أرضية قوتها 3.2 درجة بولاية مستغانم    وفاة مؤسس "سكايب" بمرض غامض    العثور على جثة الممثلة نايا ريفيرا.. و"الأسنان" تحسم الهوية    إلزام عودة التدريبات الجماعية شهر أوت    « محمد خدة» حفزني لتقديم بصمتي الفنية عالمية    مكتبة سيدي الشحمي تستفيد من 475 كتاب جديد    أكتب من منطلق الإنسانية والتنوّع    شاهد على همجية المستعمر    حكاية عشق مع المسرح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هل للإبداع سنّ رشد ؟؟
الكتّاب والأدباء الشباب في الجزائر
نشر في الفجر يوم 19 - 06 - 2011

تحتضن الجزائر، في الفترة الممتدة بين 21 إلى 29 جوان الجاري، فعاليات "مهرجان الدولي الثقافي للأدب وكتاب الشباب"، في دورته الرابعة، والذي سيعرف مشاركة عديد الأسماء الأدبية الشابة خاصة تلك القادمة من مختلف ربوع الوطن
وللحديث عن هذه الفئة من المبدعين، نفتح العدد الجديد من "الملحق الثقافي" حول موضوع أدب الشباب، ومشهد الكتابة الجديدة، المنجز، الطموح، والآفاق..هاته الأصوات التي يمكن الرهان عليها، باختصار فتحنا لهم الأفق فكانت آراء بعضهم كمبدعين ومتأملين للمشهد..
بعيدا عن طواحين الهواء
ليس التعبيرُ الزمني إلا مدخلاً محدود الصلاحية إنما المقصودُ هنا تجاوزُ الكلاسيكية بالتجريب المؤسَّس على اختلاف موضوعات الكتابة وتقنيات ممارسة هذا الفعل الإبداعي ممن صادفَ أن كانوا شبابا في عصرٍ شاخت فيه الآلهة وشابت خصلاتُ رُوادها المحتملين في جنةٍ أدبية لم تكن أبدا اسمها الجزائر.
ولأننا نعيشُ زمناً متكسرَ المرايا على كلِّ مبدع أن يحافظ على سلامة وجهه من شرخٍ قد يشوه ملامحه تحت مسميات كثيرة، كان للصدمةِ الأولى في مشهدٍ ثقافي متصدع أن تجدَ نفسكَ كاتباً، شاعراً، قاصاً، روائياً أو مسرحياً تكتب وتؤلف وتبدع وتنال إعجاب الأصدقاء وحلقة المهمَّشين الضيقة حولك، الواسعة في جغرافية الكتابة.
وبعيداً عن الأسماء المُكرَّسة هناك دائماً أسماءٌ جميلة تضيعُ في الزحام..
الأمل رغم الشقاء الذي لم يعد في خطر موجود، لأنَّ نصوصا بذاتها خرجت للنور والعتمة والشمس والمطر والنقد والتنكيل والاستهزاء وأشياء أخرى لم تمنع تلك النصوص وأصحابها من رسمِ أخاديد جديدة في سماءِ الكتابة وفتحِ جسورٍ نحو التراب والأصل والإنسان. كتابةُ التشرد والفوضى والجنون والعدم والتمرد والمغامرة والجرأة.. كتابةٌ تؤمن بالقطيعة كفعلِ استنشاق هواءٍ مغاير لا تلوِّثهُ أيادٍ أرادت أن تتجاوز نصوصها إلى فعل التبني بالاسم والمكان وتاريخ الميلاد الإبداعي.
وإن كان مصطلح الكتابة الجديدة فضفاضاً جداً، أقولُ كشاعرٍ ينتمي إلى حساسية مختلفة، بعيداً عن عقلية التجميع والجمع والجموع.. أن الطريقَ ليسَ سهلاً أبداً والمآزق كثيرة والتحديات أكبر في ظلِّ موتٍ تراكمَ فوق جثثِ سنين الموت ومحاولات إنعاشٍ لا تستند إلى إستراتيجية واعية لاحتضان المبدع الشاب، بل محاولات فاشلة وارتجالية وإقصاء ضمني إن لم يكن علنياً وفق مقاييس لا أفهم شخصياً فيها ولا يهمني أن أضعها نصب عيني لأصارعها كطواحين لا أملك حيالها لا سيفاً ولا رفيقاً ولا حصاناً عجوزاً أو حبيبةً وهمية.
ويبقى الرهانُ على دور نشرٍ مستقلة يمكنُها أن تصنع الفارق.
كتابة الراهن تمتلكُ سماتها من ثنائية الأنا والعالم واختلاف الرؤية وتجدّدها وفق إسقاطات واقعية جارحة صادمة لا بانغلاق عاطفي رومانسي على الذّات كما كان سائداً من قبل، إنما بأدوات كتابة ولغةٍ حيةٍ جديدة قد لا نجدها سوى عند الشباب الذين لا يصلحُ التعميم معهم لأنَّهم حقاً متميزون.
رصدها: حياة سرتاح/ أحمد عبد الكريم
أدب الشباب..
على صفيح التحوُّل، الوعي والتجريب..
بين إرث السابقين وقيمته، ومنتَج اللاحقين وثورته في الكتابة الأدبية، وعلى صفيح إشكالية / مشكل المجايلة الغامض / اللافت والعويص، تندرج كتابات الشباب القادم بأدوات مغايرة وبمنظومة فكرية غير ثابتة على متكإ متطرف إلى توجه إبداعي / فني واحد. إن أدب الشباب في الجزائر صار منفتحا على أكثر من وجهة فنية، ومستلهما لتجارب متعددة الرؤى الفكرية، إذْ لم يعد ذا تبعية لجهة معينة، مثلما كانت تسيطر عليه المركزية المشرقية لعقود طويلة، حيث كان أدبنا الجزائري صورة طبق الإبداع المشرقي بحكم ظروف تاريخية معروفة. ولم تعد كتابات الآخر معيارا لتقييم منتجنا الأدبي كما كان من قبل، حيث كتابات الشباب في السنوات الأخيرة صار لها طابعها وميزاتها ومقولاتها التي تتناسب مع رؤاها وفلسفتها الخاصة. إن الأديب الشاب في الجزائر صار له تصور مغاير للأجناس الأدبية، وله تعامل فردي واع مع واقعه، وتماهٍ ذاتي مع مخياله المتنقل بما حوّره وامتصّه واستلهمه من تجارب الأجيال السابقة، لذلك برزت في الساحة أسماء راقية النص، عميقة الطرح واعية التجريب .. ورهان هذه الأسماء على قول ذاتها بخصوصياتها الفنية / الجمالية هو رهان ناجح بامتياز..
علاوة كوسة / روائي
حالة الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية.. مين نجيب قرّاء؟
باعتقادي أن عبارة "أدب الشباب" ليست سوى عبارة ارتجالية، تحمل حكم قيمة، وتصنيفا مبينا على منطق ذاتي. الأدب يظلّ أدبا ولا يرتبط بالسنّ، لا بالزمان ولا بالمكان. إيزابيل ايبرهاردت مثلا رحلت في سن السابعة والعشرين وتركت وراءها أدبا متنوعا. وآرتير ريمبو توفي في سن السابعة والثلاثين وخلّف إرثا شعريا إنسانيا. أما كاتب ياسين فقد أصدر "نجمة" وهو ما يزال في السادسة والعشرين. إذا نظرنا إلى العبارة نفسها من منطلق أنها تحمل إشارة تصنيفية (وفقط) لأدب جيل حديث العمر، فمن الممكن استبدالها بعبارة "الأدب الجديد". "الحياة الأدبية ليس لها عمر" بحسب تعبير إسماعيل كاداري. يمكن أن نسميه أيضا أدب جيل الاختلاف في جزائر تعرف راهنا مضطربا أين يبقى الأدب وحده خارج الاهتمامات اليومية للفرد العادي. يعتقد لويس آراغون أن "الأدب يمثّل واجهة البلد". ولكن، بين الأدب ككتابة والأدب كفضاء مشترك نتحاور ونتعايش فيه فرق شاسع. الجيل الجديد من الكتّاب الجزائريين يعيش في الظلّ. يقرأ لنفسه ويشعر بغربة في بلده. فالمناهج المدرسية المسؤولة عن تأسيس الوعي الفردي غارقة في تمجيد أدب القرون السالفة والسلطات الرسمية المالكة لسلطة المال والكلام تعيد سنويا اجترار المدائح نفسها لأدباء نسوا أنهم كانوا يكتبون يوما ما. صرنا قليلا ما نلتفت لأسماء جزائرية جديدة وجادة لاقت الترحيب والانتشار في الخارج، وغابت لسبب أو لآخر عن الداخل. أسماء مثل سليم باشي، صاحب "صمت محمد" (2008)، مصطفى بن فضيل، صاحب "أركيولوجيا الفوضى (العاشقة)(2007)، عدلان مدي، مؤلف "صلاة الموريسكي"(2008)، فايزة ڤين، كمال داود، سميرة نڤروش، المهدي أشرشور، وغيرهم. هي أسماء شابة في العمر، تؤثث مشهدا أدبيا جزائريا مختلفا. ولكن، بسبب تعسفية الواقع الثقافي الذي نعيش فيه والذي تحكمه آلة العلاقات العامة بدل عقلانية المقاييس النقدية صرنا قليلا ما نمنح هذه الأسماء الحق في الكلام، الحق في الاختلاف. والحق في دحض وتوكيد فرضيات السائد. لما يقول لوران بارت: "الأدب لن يمنحنا مقدرة على المشي، ولكنه يسمح لنا بالتنفس". نفهم أن الأدب مكابدة شخصية. دراما متعددة الأوجه لا يريد منها الكاتب، خصوصا الشاب، الذي ينطلق حديثا في مسيرة التجريب، سوى الحق في التعبير عن الذات. الحق في المطالبة برفع سقف الحريات.
"أدب الشباب": مطلب الحداثة ورهان الأدبية
"أدبُ الشباب" جملة بما تحمله من تصنيف خاضع للسنِّ البيولوجيّ لا إلى منحى إبداعي مخصوص، تستدعي الحديثَ عنها، عن الواقفين على رقعتها الجغرافية - وأنا من الشعراء الشباب - بطرح مساءلاتٍ بعضها نسقيٌّ يتصل بالأدب بشكل عام، والآخر سياقي تاريخاني يتصل بمسار إبداعيٍّ أدبيٍّ جزائري وبمراحل واضحة في طريقه.
وأبدأ من السياق، من خارج النص، أيْ من مدى وعي جيل الشباب بالتحوُّلاتِ المهمة التي مرَّ بها أدبُنا المعاصر، ورسمتْ ملامحَها اجتهاداتُ أجيالٍ من الكتَّاب الجزائريين السابقين في مختلف أجناس الكتابة، وعلى شتى خلفياتها الفنية والفكرية والإيديولوجية.
وهذا الوعيُ يفتقرُ إليه عديد من الكتّاب الذين نلتقيهم ونتفاعل معهم في ملتقيات كثيرة، وإذْ ألحُّ على لزومية المعرفة بمسار الأدب الجزائريِّ بشكل خاص، وغيره من الآداب العربية والعالمية طبعا، لأني أعتقد أنَّ من تلك المعرفة يتشكَّلُ الوعيُ بخصوصيات هذا النص الذي باستطاعته - على رغم انتمائه إلى ذاكرة شعرية أو سردية أو أدبية معينة - أنْ يحوز على ملامح واضحة تنحو به صوبَ جزائريته ضمنَ دائرة عربية اللغة والتراث والهوية. وحتى في اللغات الأخرى التي بها يكتبُ بعضنا.
أما على مستوى النسق، وأقصد المتنَ الأدبي، فإني أرى نصوصا وأعمالا أدبية تستحقُّ القراءة والمتابعة النقدية، المتابعة التي تكادُ تكونُ غائبة أو هي كذلك، وهي أعمالٌ ونصوص تنبع من موهبة حقيقية، ومن وعيٍ إبداعي وولعٍ بالتجريبِ بحثا عن المعنى المختلف، وعن الفرادة والتميُّز. كما أرى، للأسفِ، كمًّا هائلا من الكتاباتِ التي تفتقرُ إلى الرؤيا، العمق، الجمالية، لكنها تتوَّج بوابلٍ من المجاملاتِ الفارغة، وهي تُنِمُّ عن قلة ثقافة أصحابها، وعدمِ وعيِ بعضهم حتى بالحدودِ الفاصلة بين الأجناسِ الأدبية وبخصِّيصاتِ كلِّ جنس وفنياته. على رغم أنَّ الوعيَ بأسئلةِ الكتابة وبمفهوماتها الجوهرية أهمُّ من الكتابة ذاتها، لأنه بقدر ثقافة الكاتب ووعيه تتحدَّد نوعية المنتوج الأدبي وقيمته الإبداعية.
ولعلَّ في غيابِ النقدِ الحقيقي فسحة لتواصل ظهورِ بعض الكتاباتِ التي لا تملكُ من الأدب إلا كلمة: شعر أو رواية أو قصة أو مسرح...التي توضع على غلاف المطبوع - بلا خجل - فينضاف إلى تاريخ الرداءة والادعاءاتِ التي لم تصنع حتى نصف مبدع.
أودُّ أنْ أختمَ كلامي هنا - كما ابتدأتُ -بمساءلاتٍ أراها مهمَّة: هل باستطاعة الكتَّاب الشباب أنْ يُحدثوا المفارقةَ ويُنتجوا أدبا يبقى؟ وهل باستطاعتنا أنْ نستثمرَ خصوصيات جزائريتنا كما فعلَ كثير من الكتاب العرب والغربيين بهوياتهم؟ وإلى متى نظلُّ - لى عكس كثير من الدول - نفتقرُ إلى المجلاتِ الأدبية التي يجدُ فيها الكاتبُ الشابُّ فرصة للنشر والتفاعلِ مع غيره من الكتابِ السابقين له؟ وكيف باستطاعتنا أنْ نردم الفجوة الحاصلة بين حضور النص وغيابِ المتابعة النقدية، بين ميلاد أعمالٍ أدبية وغربة الكاتبِ في هذا الزمن الأغبرِ الذي ضعفتْ فيه المقروئية وغاب منه القارئُ الحقيقيُّ؟
أختم بهذه التساؤلاتِ إذن، وبسعادتي بالأقلام الجديدة التي نقرأ لبعضها، فنشعر أنَّ أدبنا الجزائري لا يزال بخير، على رغم الرداءة التي تجتاحُ الجهاتِ، وتجهشُ بنصوص هزيلة أو سطحية أو كأنها الاثنين معا.
محمد الأمين سعيدي/شاعر
أدب الشباب والبحث عن الممكنات المفقودة
يتحدّد مصطلح أدب الشباب ضمن إطار مرجعي يفتقد الوضوح، إذ يتم التساؤل حول هوّيته: هل القصد ما تكتبه فئة الشباب؟ أو ما يتم كتابته حول هذه الفئة؟أم يحتمل المصطلح الأمرين معا؟.فإذا نظرنا إلى المفهوم الأول على اعتباره الأقرب في توضيح المصطلح وجدناه ملتبسا بفعل سياقات سوسيوثقافية أسهمت في ترويج خطاباته، فالحراك الثقافي الذي عرفه العالم مع الرقمنة الحديثة أتاح للأسماء الشبابية الظهور والتموضع في إطار من التمركز، حيث تم التغلب على طابع التهميش والاحتكار الذي وُسمت به كتابات كبار الأدباء، لينتقل الاهتمام إلى الأسماء التي أعادت تشكيل الخطاب الأدبي ورسم حدوده بوعي مغاير، يروم طرح الإشكالات الاجتماعية والسياسية والثقافية بطريقة مغايرة، إنها نوع من الكتابة تحتفي بالعوالم المهمّشة بالعرضي والزائل ...تهرب من سلطة المعايير وتشكّل منطقها بشكل مضاد لسلطة الرقيب مهما كان نوعه....وتعتمد هذه الكتابة التشتّت في معظم الأحيان والخرق واللغة الأقرب إلى الحلم، تتحدّى المعيارية الثابتة وكل القيميات المتوارثة والهويّات القاتلة على حد تعبير أمين معلوف...
يمكن القول أن الأدباء الشباب استطاعوا خلق عالم مواز لعالم الأدب المركزي، مع فتح مجالات النشر عبر شبكة الأنترنت وظهور المنتديات والمواقع المتخصصة التي أسهمت بشكل كبير في القضاء على صفة التهميش التي وسمت بها هذه المنجزات فترة طويلة. فالنشر بعد أن كان طابعه احتكاريا بسبب الشروط المفروضة والتي تثقل كاهل المبدع عادة وتصعب من فرصة انتشاره، بل تحبط إمكاناته في معظم الأحيان، أصبح الآن مع المتاحات الجديدة أكثر تحررا وهذا ساعد على عملية الانتشار وحتى المتابعة والنقد الرقمي، فالنص بمجرد أن يكتب يصل إلى أكبر عدد من المتلقين في ثوان معدودة، ثم يجد قارئه وناقده في الوقت ذاته، أي تصحب العمل الأدبي قراءة في حيثياته وتحليلا من قبل متخصّصين في الكتابة والنقد، ومن هنا ينزل النصان: الإبداع والنقد في لحظة زمنية واحدة، وإن كان النقد غالبا ما يتسمُّ بالانطباعية والإيجاز.
في الأخير يمكن القول أن منافسة النشر الرقمي للنشر الورقي حرر الأخير نوعا ما من صفة التزمت والتحيز، فنحن نلحظ في الفترة الأخيرة اهتماما أكبر بما ينتجه الشباب وتخفيفا من وطأة الشروط. ونحن نأمل خلق وعي إبداعي يتجه نحو تفعيل الحراك الثقافي بصفة أكثر من قبل.
هاشمي غزلان
أدب الشباب عالم يضجُّ بالحياة..
مصطلح "أدب الشّباب"في بعض معانيه وأبعاده، هو أدب مقرون بالشّباب، ذلك أن الشّاب هو مُنتجه، فإذا انطلقنا من فرضية أنّ الشّباب هو فترة: النّضج، الجُنون، البناء والإبداع، نتساءل عندئذ : هل الأدب الذي يكتبه الشّباب يعكس بالضّرورة كل هذا وذاك؟
أقف تحديدا عند المشهد الأدبي الجزائري الشُّبّاني محاولة قراءة أبرز ملامحه ومحاولتي هذه تعكس وجْهي الحقيقة بين ضغط وشدّ، بين مدّ وجزر، بين تقعّر وتحدّب مع عدم إغفال ما يتأرجح بينهما، فإذا اعتبرنا أنّ الإبداع نهرٌ صاف رقراق، فنجد على ضفّته الأولى أوجّ وأرقى تجلّياته، كما نجد في الأخرى أهزل صوره وعطائه، لنجد صورا أدبيّة تترنّح بين الضّفّتين لتبرز مرّة في الأولى وأخرى في الثّانية.
أستفيض فأضيف أنّ هناك نماذج أدبيّة مُتميّزة تعكس ألق الكلمة، كما نجد نماذج أُخرى تُحشر في لائحة الأعمال الأدبيّة حشرا، ويُفرض أصحابها ضمن قائمة مُبدعي الجزائر فرضا، وبينهما نماذج تُترجم التّخبّط الذي يعانيه الغريق المتشبّث بقشّة.
هذه الأوجه الثّلاث تُفرز لنا عديد الإشكاليات وتتولّد عنها عدّة تساؤلات: فهل فقدنا حقيقة سوقنا الأدبيّ (عٌكاظ)؟ وهل أضعنا غربالنا النّقديّ فصرنا إلى زمن لا بوْن بين الجيّد والرّديء فيه؟ وهل عجزت نظريّة المتلقّي فاستقال بطلها بعد أن قتلت المؤلّف؟ وهل صارت مطابعنا دون رقيب وبصائر؟ وهل تنكّرت سُلطتنا الرّابعة لمبادئها و غاياتها؟
كلّ هذه الأطروحات تُفضي لنا - من وجهة نظري كشابّة - إلى حقيقة واحدة مفادها أنّ أدب الشّباب هو حقل ثريٌّ لا محالة وحافل بالأعمال التي تحتاج إلى متابعة نقديّة وقراءة تقعيديّة راشدة، وكم هي في حاجة إلى مشرح النّقّاد من رعيلنا الأوّل عساهم يُنيرون لها الدّرب، ويأخذون بنتاج الشّباب فيعطون المسمّيات أسماءها، فأدب الشّباب عالم يضجّ بالحياة المتشبّعة بآيات الإبداع، ولا ننكر بذلك حضورهم بل إضافتهم للصّورة الأدبيّة الجزائريّة. ويبقى الأديب الشّاب في محاولة دائمة للخروج من الهامش محاولا التّموقع رافعا راية التّحدّي لتحديد الهويّة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.