يبدو خلال هذه الأيام الأولى من شهر رمضان أن مدينة قسنطينة تجد صعوبة كبيرة في الاستيقاظ مثلما تدل عليه تلك السيولة المرورية التي يظل يحلم بها سائقو المركبات طوال أيام السنة. و يبدو أن عديد القسنطينيين الذين شوهدوا صباح اليوم السبت (اليوم الثاني من عطلة نهاية الأسبوع) بفعل تغير بعض العادات تزامنا و الشهر الفضيل لا زالوا يبحثون عن معالمهم، حيث يمتزج الصمت مع خطوات بعض المارة الذين تمت مصادفتهم حوالي الساعة العاشرة صباحا بشارعي عبان رمضان و عواطي مصطفى اللذين يعدان من الشوارع الرئيسية المعروفة بكونها "القلب النابض" لسيرتا العتيقة. و لعل ما زاد من ثقل الأجواء هو إنزال الستائر الحديدية لواجهات معظم المحلات التجارية ليس بهذين الشارعين فحسب و لكن أيضا بالقرب من ساحة "لابريش" و سيدي مبروك و كذا الخروب و علي منجلي. هل حقا أصاب الركود مدينة قسنطينة؟ ليس بالتأكيد فبشارع محمد بلوزداد (سان جان سابقا) بوسط المدينة يتغير الديكور كليا و يعطي الانطباع بأن كامل المدينة تواعدت للقاء بالمحلات التجارية لهذا الشارع الرئيسي و بسوق الإخوة بطو الذي تم تجديده مؤخرا بعد أن شب به في وقت سابق حريق أتلفه جزئيا. سوق بطو و المحلات التجارية المجاورة: نشاط دون توقف تشير عقارب الساعة إلى العاشرة صباحا، حيث لا تزال درجة الحرارة رحيمة في نهاية شهر يونيو حيث لا تخلو مطحنة القهوة القريبة من سوق بطو أبدا من الزبائن، حيث تدغدغ الرائحة التي لا تقاوم للقهوة التي تم طحنها للتو مناخير الزبائن الذين يتزاحمون لتقديم طلباتهم الخاصة بالقهوة. و تعترف حورية و هي سيدة التقت بها وأج عند مخرج هذا المحل التجاري الذي تنبعث منه روائح زكية، "بالرغم من كوني أقطن بحي السيلوك إلا أنني أفضل القيام بشراء مقتنياتي من هذا السوق و من المحلات التجارية لشارع بلوزداد، فبداية كل المحلات مغلقة في هذه الساعة بالقرب من الحي الذين أقطنه كمال تبدو هنا الخضر و الفواكه أفضل، حيث الطاولات مزينة بشكل أفضل و لا يمكنني المرور من هنا دون اقتناء القهوة التي يتم طحنها على الفور". و بعد أن أكدت بأن الأمر يتعلق بعادة "رمضانية" يعود تاريخها ل"عدة عقود" تجر سيدة البيت هذه عربة مقتنياتها الممتلئة و تتجه نحو محطة الترامواي للالتحاق بمنزلها و كلها نشاط و فرح بعد أن تمكنت من إنهاء جولتها في السوق بنجاح. و عند مدخل شارع بطو تنبئ تلك "الضوضاء" بالنشاط و الحركية السائدين بالمكان حيث أن السوق مضاء بشكل كاف و نظيف نسبيا و يتزاحم فيه المواطنون إذ تقترح عليهم خضر و فواكه و لحوم حمراء و بيضاء معروضة بطريقة فاتحة للشهي تسيل لعاب عديد الصائمين الذين يتجولون أمام الطاولات المزينة. و هنا يبدو أن الأسعار لا تعد سوى مجرد "أمر شكلي" في عملية الاستهلاك حيث يقول في هذا الشأن محمد و هو رجل متقاعد الذي يؤكد بأن الصيام لا يؤثر بأي حال من الأحوال على حالته المزاجية "حتى و إن قمت بأهم مقتنياتي الخاصة بشهر رمضان إلا أن هناك دوما بعض الأمور التي تنقص و التي يتعين الذهاب إلى السوق لجلبها". و أمام محل صغير يبيع أهم مكونات طبق الطاجين لحلو الذي يرافق شهر رمضان بقسنطينة مثل البرقوق و المشمش و العنب الجاف و اللوز يجد خالد و هو شاب في الثلاثين من عمره نفسه "مجبرا" على الاقتناء. و يقول هذا الشاب المدخن ليفسر سبب الإنهاك الظاهر عليه "أصعب شيء بالنسبة لي هو أول أيام الصيام بسبب آلام الرأس و لكن بعد ذلك ترجع كل الأمور إلى نصابها". رحبة الصوف و سوق العصر التنشيط الرمضاني الآخر فبرحبة الصوف و سوق العصر بقلب المدينة العتيقة بقسنطينة يقوم عديد القسنطينين بزيارة هذه الزوايا التي تعد معالم بسيرتا العتيقة. و هنا وسط الروائح التي لا تتوقف عن الانبعاث و قد وصلت عقارب الساعة إلى الحادية عشر صباحا تقترح عديد المحلات التجارية و الطاولات لحوم الأبقار و الأغنام و الخضر و الفواكه و البرقوق و الكسرة المصنوعة بالمنزل "المطلوع". و يعلق محمد و هو رب أسرة يبلغ من العمر أربعين عاما "أنا أقوم بالتسوق بسوق العصر حيث الأسعار جد معقولة و مثيرة للاهتمام" مضيفا بأن جولة صغيرة في زوايا المدينة العتيقة لاسيما في بداية شهر رمضان تهدئ أعصابه و تساعده على التخفيف من الضعف البدني الذي يفرضه عليه الصيام. و في خضم حركات الذهاب و المجيء لتجار سوق العصر و هم يصرخون بأعلى صوتهم لجلب الزبائن و إقناعهم بأن سلعته هي الأفضل يقول الطيب و هو متقاعد آخر "حتى و إن لم يكن لدي ما أقتنيه فإنني أختلق الأعذار من أجل التوجه إلى سوق العصر فهذي طريقتي الخاصة" -حسب ما يقول- لتمضية الساعات الطويلة للصيام. "فبالسوق و المسجد الذي أقضي به أيضا بكل متعة تتجدد يوميا وقتا طويلا في قراءة آيات قرآنية" حسب ما يضيفه هذا الرجل صاحب 65 عاما مذكرا بأن رمضان "لا يتعين أن يكون شهر للأكل فقط و إنما أيضا شهرا للتقوى و التقرب من الله". و من جهة أخرى تؤكد مليكة و هي ربة أسرة التقت بها وأج برحبة الصوف و هي تحاول جاهدة حمل أكياس مقتنياتها بأن مزاجها لا يتغير سواء خلال الأيام العادية أو أيام الصيام و بأن الصيام و التسوق و طقوس الطهي "ليسوا سوى أمورا روتينية" تقوم بها بشكل آلي. فخلال هذه الأيام الأولى من الشهر الفضيل تسعد قسنطينة أيضا بالاستيقاظ وسط روائح ملذات المائدة و عند منتصف النهار عبر أحياء المدينة كما بوسطها تبدأ رائحة شربة الفريك (المعروفة بمدينة الصخر العتيق بالجاري) بالانبعاث من المنازل مدغدغة أنوف بعض الصائمين و مهدئة لأعصاب آخرين و ذلك في انتظار حلول وقت الإفطار.