بعدما كان عملهم في السابق يقتصر على تحضير و تسليم الوجبات لعمال المؤسسات يسعى محضرو الأطعمة الجاهزة اليوم إلى تلبية رغبات فئة جديدة من الزبائن التي تبنت المفهوم العصري للافراح العائلية "الجاهزة". تعد الوجبات المخصصة لحفلات الزفاف من كسكس و مشويات و اطباق تقليدية مثل الشربة و البوراك و المثوم و لحم الحلو التي يقترحها هؤلاء المختصون في الطبخ جد مطلوبة من طرف زبائن ما فتئت طلباتهم تتزايد. و تأسف مهدي محضر الأطعمة الجاهزة و صاحب مطعم بسيدي يحيا أحد أحياء العاصمة "لقد اضطررنا إلى تغيير قائمة الطعام لعشرات المرات بأمر من زبونة من ولاية البليدة كانت تريد حفل زفاف فاخر لإبنها". و أضاف مهدي الذي يقترح مطعمه جلسات تذوق لزبائنه و هي طريقة جد تجارية لإرضاء رغباتهم "ارضاء الزبون هو غايتنا". و نظرا لرواجهم الكبير عندما يتعلق الأمر بتنشيط الحفلات العائلية (زفاف و ختان و فوز دراسي) يكثر الطلب على من يطلق عليهم اسم "فناني" الطبخ قبل حلول فصل الصيف بكثير إلى درجة أن عددا كبيرا منهم يعجزون عن احترام كل التزاماتهم و تلبية كل الطلبيات ليجدوا أنفسهم مجبرين على عدم قبول طلبيات جديدة ابتداء من شهري أبريل و ماي. لقد لاحظنا في المطاعم التي زرناها تدافع الزبائن على الأماكن و ربما كانت أكثر الحالات "يأسا" هي حالة هذا الشاب الذي حاول دون جدوى تقديم طلبية حلويات بحجة قوية -لكن غير مقنعة- أن عدد ضيوفه لا يتجاوز عدد أصابع اليد و أن طلبيته ستكون دون شك الأسهل تحضيرا. كما حاول اثارة الأحاسيس قائلا "لقد وعدت ابنة أخي الحائزة على شهادة البكالوريا مؤخرا بأن هذه ستكون هديتي و أحرص على الوفاء بوعدي". عشرة محضري الطعام الجاهز بالجزائر العاصمة كان أول محضري الطعام الجاهز الذين استقروا بالجزائر أجانب و يتعلق الأمربشركة دولية كانت تمون قواعد الحياة التابعة للمؤسسات النفطية الأجنبية الناشطة في جنوب البلاد. و يعد أغلبية المهنيين الذين سجلوا حضورهم بعد ذلك في هذا المجال متقاعدين من هذه الشركة و كان أول من فتح هذا النوع من المحلات بالعاصمة مواطن تونسي كانت قائمة أطعمته الغذائية تتضمن أكثر من 200 وصفة طعام مبتكرة و هو لا يزال يكسح هذا المجال. و منذ سنة 2003 استثمر على الأقل حوالي عشرون متعاملا هذا المجال "تحضير الطعام الجاهز" في العاصمة بينما يمكن توزيع نفس العدد بين ولايات البليدة و بومرداس هذا فضلا عن أولائك الناشطين في كبريات المدن الجزائرية الأخرى. هناك من المهنيين من دخل المهنة عن حب و هناك من اقتحمها بمحض الصدفة. و في هذا الشأن أكد مهدي حامل لشهادة دكتوراه في المناجم منحدر من عائلة كبيرة من التجار من منطقة القبائل أنه اختار هذا النشاط بعدما اجري "دراسة للسوق" لمدة طويلة. و أوضح التاجر الشاب الذي قام بأول تموين له سنة 2006 لفائدة مؤسسة عمومية مما سمح له بالتعريف بنفسه لدى العديد من المؤسسات في الجزائر العاصمة في هذا الصدد:" "لم تكن لدي خبرة مسبقة في هذا المجال و لهذا أمضيت سنة كاملة في تعلم مبادئ المهنة بدعم من فريق من المحترفين الذين تلقوا تكوينا متخصصا في هذا الفرع". أما كريستوف محضر للطعام الجاهز و هو فرنسي متخصص في منتوجات البحر كان يسير شركة مختصة في المنتوجات الصيدية في بلده فاعترف أنه قرر الدخول في شراكة مع جزائريين اثنين لفتح محل لتحضير الطعام الجاهز و أطباق السمك لأن الأعمال في الضفة الأخرى للمتوسط لم تكن على ما يرام. أما أقدم المهنيين الذي يمارس نشاطه في الجزائر فهو تونسي رفع التحدي منذ 15 سنة خلت في "استقطاب زبائن يجهلون كل شيء عن مهنة تحضير الأطباق الجاهزة ". و قد بدأ هذا المهني الحامل لشهادة في فن الطبخ من مدرسة مشهورة بباريس بمساعدة زوجته الجزائرية نشاطه في محل صغير لبيع السندويش بأعالي العاصمة. و بفضل نوعية أطباقه و طريقة تقديمها ذاع صيته تدريجيا في وسط الجمهور الواسع على حد تعبير إحدى الموظفات التي كانت تعمل عنده و التي أصبحت اليوم مسيرة لمحل لبيع الحلويات. مخاطر و عراقيل و على غرار المهن الأخرى فإن مهنة تحضير الطعام الجاهز لا تخلو من المخاطر و العراقيل. فهناك ندرة بعض المواد الأولية و صعوبة نقل المنتوجات القابلة للتلف و الأسعار التي يعتبرها بعض الزبائن مرتفعة جدا و كذا خطر التسسم. و نظرا لصعوبة التزود بالمواد على مستوى السوق المحلية فإن بعض المحلات المتخصصة تلجأ إلى استيراد كميات صغيرة من المكونات التي يحتاجونها لتحضير الوصفات. و يتعلق الأمر أساسا بمنتوجات على غرار سمك السلمون و الكفيار و جبن الروكفور و بعض التوابل التي تجلب من الخارج لتبرير ارتفاع أسعار المنتوجات الجاهزة. و أكد مهدي أن "هذه المواد و إن تستورد بطريقة غير تقليدية فإنه يتم توضيبها بشكل جيد لنقلها في ظروف جيدة" مضيفا أن كل مساس بصحة زبائنه هو مساس قبل كل شي بسمعته الخاصة. و تعد نظافة المكان و الأطباق تحديا أخرا. و في هذا الشأن قال كريستوف: "يجب توخي الحذر فيما يخص الصيانة و نظافة المنتوجات الغذائية السهلة التلف" مؤكدا في هذا الشأن أن "منظفتين تعملان بمحله بشكل دائم". و يعد نجاح الوصفة تحديا أخرا يجب رفعه. و أكد كريستوف في هذا سياق :"ان عدم احترام المقادير المحددة قد يضيع جهد يوم بكامله" مشيرا إلى انه عاني الكثير قبل أن يجد فريقا جيدا من الطباخين. و يبدو أن الظرف الإقتصادي و الإجتماعي يخدم فرع تحضير الطعام الجاهز الذي يشهد ازدهارا في الجزائر. فالعديد من المحلات تفتح أبوابها كل شهر بحيث تعرف من خلال الإشهارات الملصقة على شاحنات التسليم التي تجوب العاصمة من رغاية إلى زرالدة. و سواء كانت مجرد ظاهرة ظرفية أو تقليد جديد ما فتئ يترسخ في المجتمع الجزائري فإن تحضير الطعام الجاهز نشاط لا يزال يستقطب المزيد من الزبائن و إن كلف ذلك غاليا.