أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} (البقرة:187). - الخامسة: قوله سبحانه: {فتاب عليكم} يحتمل معنيين: أحدهما: قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم. والآخر: التخفيف عنهم بالرخصة و الإباحة؛ كقوله تعالى: {علم أن لن تحصوه فتاب عليكم} (المزمل:20)، يعني: خفف عنكم. وكذلك قوله عز وجل: {وعفا عنكم} يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله) رواه الدار قطني، يعني: تسهيله وتوسعته. - السادسة: قوله سبحانه: {فالآن باشروهن} كناية عن الجماع، أي: قد أحل لكم ما حرم عليكم. وسمي الوقاع مباشرة؛ لتلاصق البشرتين فيه. وصيغة (الأمر) هنا للإباحة. قال ابن العربي: "وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه، لا جوع قيس؛ لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال: فالآن كلوا؛ ابتدأ به؛ لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله". - السابعة: قوله سبحانه: {وابتغوا ما كتب الله لكم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: وابتغوا الولد؛ يدل عليه أنه عقيب قوله: {فالآن باشروهن}. وروي عنه أيضاً قوله: ما كتب الله لنا هو القرآن. قال الزجاج: أي: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، وأمرتم به. وقال قتادة: اطلبوا الرخصة والتوسعة. قال ابن عطية: "وهو قول حسن". - الثامنة: روى الشيخان عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: لما نزلت: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}، عَمَدتُ إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فقال: (إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار). وروى الشيخان أيضاً عن سهل بن سعد، قال: نزلت {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} ولم ينزل {من الفجر} وكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما؛ فأنزل الله بعد {من الفجر}، فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار. وروى البخاري عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله! ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: (إنك لعريض القفا} إن أبصرت الخيطين، ثم قال: (لا، بل هو سواد الليل، وبياض النهار). وسمي (الفجر) خيطاً؛ لأن ما يبدو من البياض يُرَى ممتداً كالخيط. و(الخيط) في كلامهم عبارة عن اللون. و{الفجر} مصدر فَجَرْتُ الماء أفجره فجراً: إذا جرى وانبعث، وأصله الشق؛ فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: فجراً؛ لانبعاث ضوئه، وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر، تسمية العرب الخيط الأبيض. - التاسعة: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا بد من تبيت نية الصيام قبل طلوع الفجر، واستدلوا لذلك بما رواه الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له).