كورونا: "عدل" تمدد آجال دفع مستحقات الإيجار    الضباط السامون للحماية المدنية يقررون التبرع بشهر من رواتبهم    نفط: روسيا مستعدة لتخفيضات كبيرة    مجمع سونلغاز: تجنيد يومي لضمان التزويد بالكهرباء والغاز    التعبئة عن بعد لبطاقات الوقود    بلحيمر: مراجعة نظام الإعلام من خلال 10 ورشات بالشراكة والحوار    الرئيس تبون يحيّي طاقمي الطائرتين العسكريتين    رئيس الدولة السابق بن صالح يتبرع بشهر من راتبه    تأجيل محاكمة كريم طابو إلى 27 أفريل    الأزمة تلد الهمة    رغم كورونا اموال رونالدو ما تزال تتدفق    بشار: وضع حد لنشاط مروِّج للمؤثرات العقلية    المجلس الإسلامي الأعلى: إنشاء الهيئة الشرعية للإفتاء للصناعة المالية الإسلامية    أسرة البروفيسور الراحل سي أحمد مهدي توجه رسالة لرئيس لجمهورية وللجزائريين    الترخيص للخواص بإنجاز أسواق للجملة مستقبلا    وفاة والدة مدرب مانشستر سيتي بيب غوارديولا بفيروس كورونا    سبورتينغ ومرسيليا يدخلان السباق لضمه    دوما يطالب إدارة الشباب بالتعاقد مع 4 لاعبين في «الميركاتو»    هذه مواقيت العمل الجديدة بوكالات البنك الوطني الجزائري    تأخر تعيين مبعوث أممي للصحراء الغربية “يدفع بالأمور نحو المنزلق”    وزير الصحة: “فرض حجر صحي كلي وارد إذا تدهور الوضع”    إجراءات صارمة في دور العجزة والمسنين للوقاية من فيروس “كورونا”    إدارة المولودية تعدد استقدامات الموسم المقبل    بلحيمر: مهنيو الصحافة معنيون بالحجر الصحي ونتعامل بمرونة مع الحالات الإستثنائية    قافلة تضامنية من سطيف لسكان مدينة البليدة    أتليتيكو مدريد يجدد اهتمامه ب عيسى ماندي    زيمبابوي تُسابق الزمن لاستقبال الخضر على أراضيها    اكتشاف ورشتين سريتين لصناعة مواد التنظيف والتعقيم بباتنة وغليزان    الناقد المسرحي العراقي محمد حسين حبيب: “الرقمية مستثمرة من أجل تفعيل الدراما بصريا وسمعيا وليس العكس”    أبو الغيط يحذر من خطورة أوضاع الأسرى الفلسطينيين في ظل تفشي كورونا    سيكولوجية النزاعات الداخلية في المجتمعات العربية    الرئيس غالي يشيد بالعلاقات "الممتازة" بين جبهة البوليساريو وحزب العمال البريطاني    307 عملية تحسيسية و450 عملية تعقيم خلال 24 ساعة الأخيرة    إجراءات لحراسة وتغطية 57 مركز إيواء خاص بالحجر الصحي عبر 18 ولاية    ابن عين الحجل إلياس درفلو.. موهبة ترسم طريقا للإبداع والخيال    عرقاب يُنصف البليديين    الألغام المضادة للأفراد بسوق أهراس..آثار جسدية ونفسية جلية    سفارة إسبانيا تفتح مسابقة للجزائريين    منظمة المرأة العربية تطلق حملة اعلامية حول النساء و كورونا    الصين: إرتفاع عدد الإصابات الجديدة بكورونا من جديد    سلطة ضبط البريد والاتصالات الإلكترونية تعلق مؤقتا الالتزام بوقف تنشيط شرائح SIM / USIM    ترامب يعلن حالة الطوارئ في 50ولاية امريكية    الأمم المتحدة تسجل طفرة عالمية مروعة في تعنيف النساء بسبب الحجر المنزلي    «الجزائر ستتخلص من الوباء طال الزمن أو قصر»    الشّائعات وأثرها السَّيِّئ على المجتمع    من هدي سيّد ولد عدنان في شهر شعبان    حسب مرسوم تنفيذي جديد    أطلبوا العلم و لو عن بعد    «التزام الحجر الصحي واجب علينا جميعا»    مدينة الورود    أنت الأمل إلى الأطباء والممرضين وكلّ رجال المصالح الصحية    الوريدة    مذنب "أطلس" يقترب من الكرة الأرضية    ممرض بمؤسسة عقابية مهدد بالحبس لإخلاله بوظيفته    الأدب و الوباء في زمن الكورونا    «الكوليرا» للراحلة نازك الملائكة    وباء في مدينة الورود    تحويل صالون البيت إلى ورشة، وتحية للجمهور الوفيّ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ألبير كامو والجزائر•• حكم التاريخ

في مقدمة كتابها حول ألبير كامو، والصادر في الولايات المتحدة الأمريكية، تقول عائشة كاسول في جوهر حديثها: ''كان الرجل كبيرا وطلبناه بالقليل، اعتراف شرعي··· في هذا البلد الذي شهد مسقط رأسنا، كنا ننظر للرجل الذي كان يكبر بعيدا عنا، أن ينظر إلينا ويعترف بنا على أننا أمثاله''·
بداية لا بد من الاعتراف، ودون أي غموض، لم يكن ألبير كامو جزائريا، كما لم يبد الرغبة في أن يكون جزائريا· كانت ولادته في عائلة منحدرة من أصول إسبانية من ناحية والدته، ما جعله يصبح شديد التمسك بالاندماج وسط الجالية الفرنسية الأوربية، من خلال الجهود المبذولة في الدراسة في الوقت الذي كانت فيه أفراد الجالية الأوروبية واليهودية المولودين في الجزائر عازمون على المضي في حياتهم، إلى جانب السكان المحليين· كان يطمح كامو أن يتم قبوله من الجالية الفرنسية، غير أن النقلة النهائية نحو فرنسا كانت خلال الحرب العالمية الثانية· في هذه المرحلة فقط ولأول مرة بدأ شعوره العميق بالتعصب لصالح ثقافته الفرنسية وتمسكه بالهوية الفرنسية، والتي أكدتها فيما بعد في مقال صحفي في أكتوبر 1955 أسابيع فقط قبل عودته للجزائر لإطلاق دعوة لهدنة في حق المدنيين·
في المقال الصادر بجريدة ''ليكسبريس'' في 6 جانفي 1956 يتحدث ألبير كامو لأول مرة بصراحة، ودون غموض، عن اختياره لأن يكون فرنسيا: ''فرنسي المولد وبدءا من 1940 فرنسي عن قناعة واختيار إرادي· وسأظل فرنسيا مادام الألماني ألماني والروسي روسي، وعليه سأتحدث بما أنا عليه، فرنسي''· كرس ألبير كامو مجمل أعماله السردية والوصفية للجزائر، وذلك إلى غاية تاريخ توجهه لباريس، حيث سيعمل في مجال الصحافة من خلال تسيير مجلة ''كفاح'' ما بين 1942-.1946
فقد كانت الغالبية الكبرى من كتاباته مرتبطة بالجزائر خلال فترة إقامته بالعاصمة الجزائرية· كانت جزائر استعمارية بطبيعة الحال، إلا أن ثقل المشكلات كان جليا· لم يسع ألبير كامو لغض البصر عما كان يعانيه الجزائريون المحليون، على العكس من ذلك سعى للحديث عنها وكشفها بطريقته وبأسلوبه، شجاعة وأخلاق·
كانت الجزائر حاضرة في نصوص ألبير كامو بصفتها موضوعا حقيقيا وكذلك موضوعا مجازيا، عمل مرتبط بالحياة وبالذاكرة· الأكيد أن اهتماماته مركزية بالنسبة للجزائر، التي كانت حاضرة في جل قصصه القصيرة: الزفاف، الصيف، المنفى والمملكة· تماما كما كانت حاضرة في روايته: الغريب، الطاعون وكذك في المقالات الصحفية والروبورتاجات· لكن للأسف كانت الجزائر غائبة كموزع عن كتابات كامو الفلسفية والمسرحية·
بدت الطبيعة الجزائرية والديكورات الواردة في كتابات ألبير كامو منبعا للراحة والتأمل، مثلما هو الحال مع الريف، المدن، المقاهي، الآثار، الفنادق··· نادرا ما تكون هذه الأماكن الجزائرية باعث للحركة أو مكانا للنشاط· كان الفضاء الجزائري بالنسبة لألبير كامو فضاء للراحة، قلما تكون فضاء للمواجهة والنزاع· يعبر كامو في كتاباته عن اكتشاف جمالي، بلد ينظر له على أنه الأرض الموعودة· بالطبع في مثل هذه الأجواء يظل الجزائري العربي مبهم الملامح، لا يتكلم، لا يتفاعل ولا يعبر عن نفسه· بالكاد يمكن التعرف عليه من خلال الزي، في الغالب برنوس حين يكون في الريف وبالبدلة الزرقاء الصينية حين يكون في المدينة· الجزائر التي يصفها ألبير كامو إلى جانب كونها جميلة، فهي حقيقية، ليست مجرد ديكور خيالي خارج الوقت· هي جزائر الجمهورية المحتضرة، الثالثة والرابعة، والتي لم تنجح في بلوغ الديمقراطية وترقية
مستعمراتها· هي، إذن جمهورية الفرجة، التي تلجأ حكومتها العامة للتقاليد الفلكلورية لإحياء احتفالية مرور مائة سنة على احتلال الجزائر، من خلال استعراضات الغجر، قارئات الكف وغيرهم ممن التفوا حول الباشا غوات المتذللين والخاضعين للاستعمار·
كانت سلطات الاحتلال تبني البلد للمعمرين وتحاول صياغة التاريخ لإبعاد الأساطير التي كانت تملأ أذهان الناس· في تلك الأثناء كانت كتابات كامو تتجه نحو نوع آخر من الأساطير، وبالتحديد الإغريقية منها من خلال الكتابة حول سيسيف، أوديب، بروتي··· أكانت عقدة الذنب أم تأنيب الضمير الذي دفع بكامو للتغاضي عن الواقع وتفضيل الكتابة عن الأساطير· اختار ألبير كامو أن يسير في ركب مؤرخي الاستعمار على غرار جيزال وقرنيي، دون إبداء أي نوع من الانتقاد والعمل على بناء أسطورة جزئرية داعمة لأسطورة الاحتلال الجالب للحضارة· كان المعمرون يحلمون بخلق عالم جديد، على شاكلة ما تغنى به جاك كابو، الذي أورد سيرة المعمين الذين غزوا أراضي الهنود الحمر، في ما بات يعرف بغزو الغرب· على هذا المنوال كان المعمرون الفرنسيون يحلمون ببناء عالم جديد خاص بهم في الشمال الغربي من إفريقيا· كان هذا الحلم أشبه بحلم إيجاد الأتلنتيد، تلك القارة الأسطورية التي أوردها أفلاطون في كتاباته والتي أعاد فكرة البحث عنها الكاتب بيير بنوا· في ذات الوقت كانت بداية المقاومة من طرف أوائل الروائيين الجزائريين الفركوفونيين يضعون ملامح شخصيات تاريخية لمقاومة التزييف· ففي العام الذي كان فيه ألبير كامو يتحدث في روايته عن شخصيات أسطورية، رواية ''بروميتي'' عام ,1946 كان روائيون جزائريون يتطرقون لشخصيات تاريخية جزائرية مثلما فعل في ذات السنة جان موهوب عمرو الذي أعاد للواجهة شخصية يوغورطا، وهي نفس الشخصية التي تحدث بلسانها الروائي محمد شريف ساحلي· في حين أن كاتب ياسين يتحدث عن عبد القادر الصديق المنهزم أمام الامبراطورية· كانت الكتابات الاستعمارية تحاول تكريس فكرة الاحتلال الجالب للحضارة، والتي كانت تركز على كون إفريقيا السوداء المنطقة العربية منطقة للأسطورات بالدرجة الأولى، وهي الفكرة التي يستمر للأسف البعض إلى غاية اليوم يرددها دون إدراك خطورتها·
كانت كتابات ألبير كامو تندرج في إطار هذا التزييف التاريخي والممجد لدور الاحتلال الحضاري· كان واضحا أن كتاباته تسير في اتجاه كتابات لويس برتران وروبير روندو، بل أكثر من ذلك كانت لديه الرغبة في التفوق عليهم في رسم صورة لجزائر خيالية ''جزائر تحمل عبق نوستالجيا الأباء''، ولكن لما كان كامو يتيم الأب لم يكن يجرؤ على استذكار جزائر الأب· لم تكن صور تيبازة ولا جميلة قادرة على محو تلك الصورالتي كان يلتقطها كامو في مقاهي القصبة الموريسكية للجزائريين وكأنهم أسود استعصى ترويضها· لم يكن لإبن المعمر أن يجد مكانا له في تلك الأجواء، إذ لم يكن ينتمي لها· كانت الأحداث بعد ذلك كفيلة بأن تبرهن لألبير كامو أن الاحتلال لم يكن مهمة لجلب الحضارة وإنما مذبحة تاريخية لم تقتصر على اغتصاب بلد واحد بل قارة بأكملها، قارة أنجبت أسماء لامعة من أمثال باتريس لومومبا، سيكو توري، موديبو كايتا، نيلسن مانديلا، مصطفى بن بولعيد و كريم بلقاسم·
كامو يكتشف الحقيقة البشعة للتاريخ من خلال أسطورة الاستعمار الكئيبة
بين سنتي 1939 و1956 قام ألبير كامو بزيارتين لمدينة تيبازة، وقد سجل التغيير حتى المعالم التاريخية· كان كل ما تملكه الطبيعة من جمال وتناغم يؤكد على أن التاريخ في طريقه لانتهاج مسار آخر وأن الأدوار ستنعكس، تماما كما أن الاحتلال كان يحتضر· عام 1950 يقوم ألبير كامو بزيارة إلى موندوفيا لم يتسن له معرفة تفاصيلها، حيث كان شاهدا على التحولات التاريخية التي باتت تؤكد قروب نهاية الاستعمار، ذلك أنه مع مطلع الخمسينيات بدأ صوت سلاح يدوي، وصولا إلى عام 1954 تاريخ انطلاق ثورة التحرير· كان ألبير كامو يخشى أن يطاله حكم التاريخ من خلال مطالبته بالتعبير عن رأيه صراحة تجاه بشاعة الاحتلال· فقد سبق لكامو أن لمس وشهد بأم أعينه هذه البشاعة المرتكبة في حق الجزائريين في قلب العاصمة، في حي بلكور بالضبط، حيث كان يقطن في منزل جدته· كما شهد في تلك المنطقة خلال فترة العشرينيات والثلاثينيات صعود التيار الوطني الجزائري· وقد تأكد له هذا الصعود في جنازة الشاب أرزقي الناشط في نجم شمال إفريقيا، والذي سقط في سجن المحتل جراء التعذيب، فقد شهدت الجنازة حضور حشد ينبئ بالتفاف الشعب مع التيار الوطني· خلال أحداث الثامن ماي ,1945 وأمام بشاعة الوقائع يشعر كامو أنه أمام حتمية تاريخية تجبره على اتخاذ موقف محدد، بعدما أن قال التاريخ كلمته وأسقط القناع عن ممجدي الأساطير الاحتلالية· غير أنه بعد حصوله على جائزة نوبل كان قد قام باختياره في أن يظل وفيا لتلك الأساطير المزيفة والقائلة بأن الاحتلال كان جالبا للحضارة·


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.