يتميّز فنّ الطبخ الوهراني بتنوّع مكوّناته وثرائه بالتوابل وكنوز الأعشاب الطبيعية، ما يجعله فريدا ولافتا بتركيبته الغنية ورائحته الزكية ونكهاته ذات المذاق الاستثنائي، ولعلّ من أشهر أنواع الأطباق الرمضانية للإفطار، الحريرة وطاجين الحلو والزيتون والبوراك والمعقودة وغيرها كثير، دون أن ننسى الأكلات الشعبية التقليدية التي يتم إعدادها بمناسبة الاحتفال بليلة النصف وال 27 من الشهر الفضيل، أبرزها الكسكس والرقاق أو الترديد، ووصفات أخرى جديدة تضفي لمسة عصرية. من العادات المتعارف عليها، أنّ أغلبية العائلات الوهرانية، تفضّل التحضير لشهر الصيام، قبيل قدومه بحوالي أسبوع أو أكثر بشراء الأغذية وتحضيرها وحفظها، وفي مقدّمتها البهارات والتوابل، والتي تعدّ القاعدة الأساسية للمطبخ الوهراني؛ ولذلك تجد النسوة على مختلف مستوياتهنّ العلمية ومكانتهنّ الإجتماعية، تبحث وتتقصّى أفضل المحلات والأسواق، من حيث النوعية والثقة التجارية في ظلّ ما يشهده المجال من غشّ وتحايل. "نعم هي ريحة رمضان" الملاحظ في السنوات الأخيرة، بروز وانتشار المحلات الفاخرة والتي تتميّز بتصاميم ديكور داخلي وخارجي مميّز، بالإضافة إلى الالتزام بقواعد النظافة والحرص على توفير مختلف أنواع التوابل والبهارات والعسل والزيوت والأعشاب الطبية، بما فيها النادرة، وعرضها داخل أكياس صحية وعلب زجاجية معقّمة، تحمل تسمية كلّ واحد منها، لتسهيل المهمة على الزبون، مع توفير خدمة التوصيل المجاني إلى جميع الولايات. ويستعرض هذا المقال ثقافة البهارات والأعشاب العطرية التي قد تميز المدن الجزائرية بعضها عن بعض، فمثلاً الجهة الشرقية للوطن تقلّل من استعمالها وتفضّل النكهة المعتدلة، في حين تجد الجهة الغربية تُفضّل البهارات ذات الروائح القوية والحارة، ولذلك لا يكاد يخلو شارع أو حي بوهران من محلّ خاص ببيع التوابل والبهارات، ورائحتها تفوح في كلّ مكان، نعم إنّها "ريحة رمضان"، العبارة الأكثر تداولا بهذه المدينة العريقة، المتشبّعة بأصالة الماضي وعبق الحاضر. التوابل والأعشاب القاعدة الأساسية للمطبخ يرى بوراس عمر بن حمو، صاحب متجر "الزهراوي" للتوابل والأعشاب في وهران، أنّ "المطبخ الوهراني، واحد من أشهر وألذّ المطابخ في الجزائر وخارجها، بل هو جزء لا يتجزأ من الهوية الوهرانية، كونه يعكس ثراء وتنوّع التراث الثقافي بشقيه المادّي واللاّمادي، المستمد من الحضارات التي استوطنت أراضيها، مخلّفة مزيجا من المعتقدات، والمعارف، والسلوكيات، التي تعكس فخامة الأكلات التراثية القديمة المتجدّدة والأصيلة". وأبرز بوراس عمر في تصريح ل "الشعب" أنّ "القاعدة الأساسية للمطبخ الوهراني، هي التوابل والأعشاب، وأصناف البهارات المشكّلة التي تعطي مذاقا مميزا للطعام، منها الفلفل بأنواعه الأسود والأبيض والأحمر، والقصبر والزنجبيل والكروية والكركم والكمون والزعفران وجوزة الطيب والكبابة والهيل ونجمة الأرض والقرنفل والقرفة، والسماق المصنوع من التوت المجفّف، ولعلّ أكثرها شهرة، تابل "رأس الحانوت". وأفاد المتحدّث ذاته أنّه "سمي بهذا الاسم ذائع الصيت، وخاصة على مستوى المنطقة المغاربية بشمال إفريقيا، لأنّه يعتبر أهم بهار بالحانوت أيّ العطار أو العشاب، وذلك لكونه يشمل أشهر وأغلى وأفضل أنواع الأعشاب والبهارات التي تطحن معا للحصول على مسحوق، توضع منه مقادير معينة في الطعام، قبيل وبعد نضجه". "راس الحانوت" الأهم رغم البدائل الحديثة واعتبر أنّ "رأس الحانوت الوهرانيالجزائري، يكتسي أهمية خاصة، وإن اختلفت طريقة تحضيره من منطقة إلى أخرى، حيث يمكن تعديل المكوّنات، حسب الذوق الشخصي ونوعية الطعام.."، مبرزا أنّ "راس الحانوت الوهراني أنواع، ومن ضمنه العادي والخاص، كما يتوفر منه الحلو وكذا الحار، الذي يستعمل خاصة في وصفة "البركوكس"، التي يكثر استهلاكها في فصل الشتاء، لأنّها تعطي الجسم الحرارة والدفء". وأشار أنّ "بهارات النوعية العادية، تتكوّن من ستة مكوّنات، ويمكن أن تزيد، فيما تترواح بين 10 إلى 15 مكوّن على الأقلّ في التشكيلة الرمضانية الخاصة، يتصدّرها القصبر، الحرور، الكركم، سكنجبير، كروية، حبة حلاوة، زريعة البسباس، جوزة الطيب، نجمة، الهيل، الماسيا وبسيبيسة أو كروفات، وهي قشور الجوز..". وفي سؤال حول التوابل الجديدة التي اقتحمت المطبخ الجزائري عامة، على غرار مسحوق "الكاري" و«التندوري"، قال المصدر أنّ "أحد أساسيات المطبخ الآسيوي المعروف منذ القدم، وهو مصنوع من أجود أنواع الأعشاب والتوابل التي يتم مزجها للحصول على توازن مثالي بين النكهة والرائحة، بهدف إضفاء طعم مميز ولذيذ على الأطباق، وخاصة اللحوم والشاورما والنقانق والكفتة والأسماك والمعقودة والمقليات المختلفة وغيرها من الطواجن والأكلات المطهوة في الفرن". ارتفاع أسعار المستورد ودعوة إلى تشجيع المحلي أما بخصوص الأسعار، أوضح أنّها "تعرف ارتفاعا تراوح بين الطّفيف والمحسوس، منذ دخول شعر شعبان، وفي الدرجة الأولى "الكمون"، الذي تضاعف سعره 100 بالمائة، وحبة حلاوة بنسبة 50 بالمائة"، واستطرد قائلا: "إلا أنّ المستهلك يشتري كميات قليلة، لذلك لا يشعر بهذه الزيادة ولا تؤثر عليه". وفي سياق متصل، أفاد بوراس عمر أنّ "مجموعة التوابل والنباتات الطبية والعطرية وغيرها من المنتجات الطبيعية، المتوفرة بالسوق، معظمها تستورد من مصر وسوريا وإندونيسيا والصين والهند والمدن الآسيوية وغيرها"، إلا أنّه قال: "الجزائر تمتلك أحسنها في العالم، إن لم نقل الأجود، نظرا لتوافر المتطلّبات البيئية والمناخية، إضافة إلى ملاءمتها للخريطة الجينية للجزائريين، ناهيك عن طبيعتها البيولوجية الخالية من المواد الكيماوية، داعيا في هذا الشأن لتشجيع الإنتاج المحلي والاستثمار في هذا النوع من الزراعات، لتلبية الاحتياجات الوطنية." وأبرز أيضا أنّه "توارث المهنة وأصولها أبا عن جدّ، ولعلّ هذه الميزة هي التي جعلت علامة "الزهراوي"، عبر فروعها الثلاثة بالصديقية والقطب السكني الجديد ببلقايد، شرقي وهران، إضافة إلى فرع مستغانم، تكتسي مكانة خاصة من حيث الجودة والنوعية والسهر على الالتزام بمبادئ الصدق والأمانة والتنافس الإيجابي والنزاهة والشفافية في تعاملاتنا". وألحّ بوراس عمر بن حمو، على توجيه نصيحة إلى المستهلكين كافة، عند اقتناء هذه المواد، بضرورة التحقّق من تاريخ انتهاء الاستهلاك أو الاستعمال، مع وجوب الشراء من مصدر موثوق، باعتبارها من أكثر المنتجات قابلية للتلف والتسوّس مع التخزين الخاطئ، سواء كانت مواد نباتية عطرية كاملة أو مكسرة أو مطحونة. واسترسل بالقول إنّ "المرأة الوهرانية على دراية خاصة، وخبرة واسعة بهذا المجال الخصب، ولذلك فإنّ زبائننا من الجنسين يفضّلون شراء التوابل كاملة وغسلها وتجفيفها وطحنها في البيت أو بالمحلّ، المجهّز بآلات محترفة لطحن التوابل والبهارات، تحت طلبهم وأذواقهم، وبما يتناسب مع المنطقة، ونوع الأكل والصحة العامة للأسرة". زبدي: "اقتناء المنتوجات الموضبة أو شراؤها من أهل الثقة" من جهته، أوضح رئيس الجمعية الوطنية لحماية المستهلك وإرشاده، مصطفى زبدي في حديثه مع جريدة "الشعب" أنّ "أيّ مادة غذائية أو استهلاكية يكثر عليها الطلب، تكون محلّ غشّ وتدليس أو تحايل لأغراض شخصية ربحية على حساب المواطن البسيط. وأوضح السيد زبدي، أنّ "التوابل والبهارات، تأتي ضمن المنتجات التى تغشّ بنسبة كبيرة، من خلال إضافة مكوّنات غير غذائية، لزيادة الوزن، ولجني أرباح إضافية، ممّا قد يشكّل خطرا على صحة المواطنين". وقال إنّ "مثل هذه الممارسات المنافية للمبادئ الأخلاقية في الأعمال التجارية، تستفحل يوما بعد يوم، خاصة في الأسواق غير النظامية وغير المراقبة"، داعيا إلى اقتناء المنتوجات الموضبة من مصادر معروفة أو الاقتناء من طرف معني محترف وأهل ثقة، وفق تعبيره. وأوصى رئيس الجمعية الوطنية لحماية المستهلك وإرشاده، مصطفى زبدي، المواطنين بالتعاون التام مع الأجهزة الرقابية للإبلاغ عن أيّ منشأة تجارية أو محلّ تجاري أو مستودع يخالف القوانين، سيما تجارة المواد الغذائية التي تعتبر من القطاعات عالية الحساسية، نظرا لارتباطها المباشر بصحة المستهلك وسلامته.