يُعد "السل" من الأمراض المعدية التي لاتزال تطرح تحديا صحيا في العديد من دول العالم رغم التقدم الطبي؛ إذ يرتبط انتشاره بعدة عوامل اجتماعية، وصحية وثقافية. ويصيب هذا المرض الجهاز التنفسي بشكل أساسي. وينتقل عبر الهواء؛ ما يتطلب معه الوعي الجماعي، وتكثيف الجهود المستمرة للوقاية منه. وتبذل في الجزائر الدولة جهودا معتبرة من خلال برامج التلقيح، والعلاج المجاني، غير أن الوقاية تبقى الركيزة الأساسية للحد من انتشاره، خاصة لدى الاطفال؛ لأن هذه الفئة تُعد الأكثر هشاشة، وتحتاج الى متابعة دقيقة منذ الأيام الأولى لولادتها. وفي اليوم العالمي لمكافحة السل المصادف ل 24 مارس من كل سنة، يبرز موضوع التلقيح كأحد أهم الوسائل الوقائية، خصوصا لقاح "بي سي جي" الذي يُعطى للأطفال في سن مبكرة. وهنا يُطرح تساؤل مهم حول مدى التزام الأمهات بالرزنامة الوطنية للتلقيح، إذ إن هذا الالتزام لا يحمي الطفل فقط، بل يساهم في حماية المجتمع ككل. وفي هذا السياق تلعب القابلات دورا محوريا داخل المؤسسات الصحية، حيث لا يقتصر دورهن على متابعة الحمل والولادة فقط، بل يمتد الى توعية الأمهات بأهمية التلقيح، وضرورة احترام مواعيده، هذا ما أكدته طبيبة الأطفال آمال محجوب، التي أوضحت أن القابلة غالبا ما تكون أول مصدر ثقة للمرأة؛ ما يجعلها قادرة على نقل المعلومات الصحية بطريقة مبسطة، ومقنعة، وهو ما يستدعي تعزيز دورها أكثر من خلال التكوين المستمر،ودعمها بوسائل توعوية فعالة لنشر الثقافة الصحية داخل المجتمع، ووسط الأمهات. وأضافت الطبيبة أن القابلة تملك فرصة يومية للاحتكاك المباشر بالأمهات، سواء في فترة الحمل أو بعد الولادة، ما يسمح لها باكتشاف أي تردد أو تخوف مبكر، والتعامل معه بالحوار والتفسير. وهذا الدور الوقائي مهم جدا؛ لأنه يساهم في بناء وعي صحي دائم لدى الأسرة وليس فقط في لحظة التلقيح. كما إن تعزيز حضور القابلات في الأحياء والمناطق الريفية يمكن أن يقلص الفجوة في الوصول الى المعلومة الصحية، خاصة لدى الفئات التي لا تستفيد بشكل كاف من الحملات الإعلامية. كما أكدت المختصة أن نسبة كبيرة من الأمهات في الجزائر، مازالت تلتزم بالتلقيح، لكن هناك، في المقابل، فئة مترددة لأسباب مختلفة، من بينها الخوف من الأعراض الجانبية، أو التأثر بالمعلومات الخاطئة المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى نقص الوعي بأهمية بعض اللقاحات. كما إن بعض الأمهات قد يؤجلن مواعيد التلقيح بسبب ظروف يومية، أو اعتقاد خاطئ بأن الأمر غير مستعجل، مشيرة الى أن هذا التردد قد يعرّض الأطفال لخطر الإصابة بأمراض يمكن الوقاية منها بسهولة. وشددت على أن التلقيح آمن، وفعال، وأن الأعراض الجانبية غالبا ما تكون بسيطة، ومؤقتة. وتضيف الطبيبة أن من بين الأسباب الأخرى التي تؤثر على الالتزام، غياب المعلومة الدقيقة، أو سوء الفهم، حيث تعتقد بعض الأمهات أن تلقّي جرعات قليلة كاف، أو أنهن لا يدركن أهمية احترام التوقيت المحدد لكل لقاح، وهذا ما قد يقلل من فعالية الحماية. كما أشارت الى أن الحوار المباشر مع المهنيين في الصحة، يبقى أفضل وسيلة لتصحيح هذه الأفكار. وأضافت آمال محجوب أن الحل لا يكمن فقط في توفير اللقاح، بل في تكثيف التوعية الميدانية، خاصة من طرف القابلات والأطباء، مع ضرورة التواصل المباشر مع الأمهات، وشرح فوائد التلقيح بطريقة واضحة، وخاصة بسيطة؛ لنشرها بين عامة الناس من مختلف المستويات العلمية. كما دعت الى إشراك وسائل الإعلام والمدارس في نشر الوعي الصحي، لأن الوقاية مسؤولية جماعية، وكلما زاد الوعي قلَّت نسبة التردد، وارتفعت نسبة الحماية داخل المجتمع. الجدير بالذكر أن مرض السل تظهر أعراضه غالبا في شكل سعال مستمر لأكثر من أسبوعين، مع تعب عام، وفقدان في الوزن، وتعرق ليلي، وارتفاع خفيف في درجة الحرارة، وقد يرافقه خروج دم مع البلغم في بعض الحالات. أما الوقاية فتتمثل، أساسا، في التلقيح المبكر بلقاح "بي سي جي"، مع تهوية الأماكن المغلقة، وتجنب الاحتكاك الطويل بالمصابين غير المعالَجين، الى جانب الحرص على تقوية المناعة من خلال تغذية صحية، ونمط حياة متوازن.