يظل الشهيد العقيد لطفي، أحد أبرز قادة الثورة التحريرية الجزائرية، ممن جمعوا بين الحنكة العسكرية والرؤية الاستراتيجية لمستقبل البلاد، حيث قاد الولاية التاريخية الخامسة بين 1958 و1960، قبل أن يستشهد في معركة جبل بشار يوم 27 مارس 1960. ويؤكد مختصون في التاريخ أن العقيد لطفي، واسمه الحقيقي دغين بودغن بن علي، لم يكن مجرد قائد عسكري بارز، بل أحد مهندسي التخطيط الاستراتيجي لثورة ثورة أول نوفمبر 1954، حيث ساهم بفعالية في تنظيم العمل المسلح وتوسيع شبكات الفدائيين، خاصة في منطقة الغرب الجزائري. من الميدان إلى التفكير في بناء الدولة التحق الشهيد بصفوف جيش التحرير الوطني سنة 1955 وهو في سن الحادية والعشرين، ليتدرج سريعاً في المسؤوليات بفضل كفاءته التنظيمية، حيث أشرف على إنشاء خلايا نضالية سرية وساهم في تنظيم شبكات الفدائيين في وهران وضواحيها، قبل أن يتولى قيادة الولاية الخامسة كأصغر عقيد في صفوف الثورة. غير أن ما يميز مسيرة العقيد لطفي، هو جمعه بين العمل الميداني والتفكير في مستقبل الدولة الجزائرية المستقلة، إذ أنجز دراسة معمقة تجاوزت 100 صفحة، تناولت مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. رؤية اقتصادية سبقت زمانها وشملت هذه الدراسة قطاعات استراتيجية، منها الفلاحة وتقنيات السقي والموارد المائية، إضافة إلى الطاقة الكهرومائية والثروات المنجمية والبتروكيميائية، بما في ذلك الحديد والبترول والغاز. كما رسم من خلالها ملامح تنظيم الدولة الجزائرية، متطرقاً إلى مهام الحكومة والسياسة النقدية وقيمة الدينار، فضلاً عن توجهات السياسة الخارجية، مع التأكيد على أهمية اندماج الجزائر في المحيطين الإقليمي والدولي. وتبرز هذه الدراسة، بحسب المؤرخين، وعياً مبكراً بالإمكانات الاقتصادية الهائلة للجزائر، ورؤية استشرافية لتنمية شاملة تقوم على استغلال الموارد الوطنية. تجسيد الرؤية على أرض الواقع ومن اللافت أن عدداً من الأفكار التي طرحها الشهيد بدأت تتجسد فعلياً بعد الاستقلال، خاصة في مجال استغلال الثروات المنجمية، على غرار مشروع منجم غار جبيلات، الذي يعد من أكبر احتياطات الحديد في المنطقة. وقد تعزز هذا المشروع في السنوات الأخيرة بإنجاز بنى تحتية هامة، من بينها خط سكة حديدية يمتد على مسافة 950 كلم، في إطار البرامج الاقتصادية التي أطلقتها الدولة لتعزيز التنمية الوطنية. مسار نضالي حافل واستشهاد خالد شارك العقيد لطفي في عدة معارك نوعية بعد مؤتمر الصومام، حيث حمل اسم "سي إبراهيم"، وقاد عمليات عسكرية في الجنوب الغربي، محققاً نجاحات ميدانية مهمة. وفي سنة 1960، شارك في أشغال المجلس الوطني للثورة الجزائرية بطرابلس، مقدماً رؤيته حول مستقبل الجزائر، قبل أن يرتقي شهيداً رفقة عدد من رفاقه في معركة جبل بشار. وتحيي بشار اليوم الذكرى السادسة والستين لهذه المعركة، تخليداً لتضحيات هذا القائد الفذ، الذي جمع بين البندقية والفكرة، وترك إرثاً نضالياً وفكرياً لا يزال يلهم الأجيال في بناء الجزائر الحديثة.