علي ذراع: من حق وسائل الإعلام كشف الأخطاء دون اتهامات    بن زيمة يفاجئ إشبيلية ويضع الريال في الصدارة    المجلس الشعبي الوطني يعقد جلسة الأربعاء القادم    لوكال يستقبل سفير روسيا    الجزائر ضيف شرف معرض «وورد فود موسكو 2019»    كشف مخبأين للأسلحة قرب الشريط الحدودي لأدرار وتمنراست    إيداع عون الشرطة الحبس المؤقت    اعتقالات واعتداءات على أصحاب السترات الصفراء في تولوز الفرنسية    الدرك الوطني بعنابة يضع حدا لنشاط حاملي الأسلحة البيضاء    القروي من سجنه متفائل بالفوز برئاسة تونس    تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في الانتهاكات بحق المحتجين    نيجيريا تشدد على حمل بطاقات الهوية في شمال شرق البلاد    وزير التعليم العالي : "الحكومة ستدرس كل انشغالات الأساتذة الجامعيين"    شبيبة الساورة ومولودية الجزائر لتحقيق نتيجة ايجابية في ذهاب الكأس العربية    ليفربول يواصل إنتصاراته ويفوز خارج ملعبه على تشيلسي    يوسف رقيقي ينهي المنافسة كأحسن درّاج في السّرعة النّهائية    رونالدو يكرّر رقما مميّزا    «أونساج» و«كناك» تندوف تشرعان في استقبال الطلبات    محاكمة توفيق، طرطاق، السعيد وحنون بالمحكمة العسكرية اليوم    تأجيل محاكمة كمال شيخي المدعو "البوشي" إلى 6 أكتوبر    انخراط فعاليات المجتمع المدني في الحملة    «كناس» باتنة تحسس الطلبة الجامعيين    عطال يلهب صراع الجهة اليسرى من هجوم الخضر    تعرض 121 شخصا لتسمم غذائي بوهران من بينهم 23 طفلا    المنتخب المحلي بوجه هزيل وباتيلي يسير لإقصاء ثان مرير    170منصب مالي جديد لقطاع الصحة بعين تموشنت    مصر.. التحقيق بقضايا فساد في مؤسسة رئاسة الجمهورية    تراجع فاتورة واردات الجزائر من الحبوب في 2019    تجديد العقود الغازية ذات المدى الطويل لسوناطراك قريبا    وزير المالية : “2020 لن تكون سنة شاقة على المواطنين”    3 أشهر أمام الجزائر للرد على الطلب الفرنسي بشراء أسهم “أناداركو” في بلادنا    عين تموشنت: إفشال مخطط للإبحار السري و توقيف 3 مرشحين للهجرة غير الشرعية    الحكومة عازمة على ترقية ولايات الجنوب والهضاب العليا لتقليص الهوة التنموية    "هذه العوامل ساهمت في خروج المصريين ضد السيسي"    26 مرشحا سحبوا إستمارات الترشح    بن ناصر يسبب المشاكل ل جيامباولو وزطشي يحل ب ميلانو    باتنة تحتضن ملتقى دولي لإبراز المخاطر المحيطة بالطفل في البيئة الرقمية    من بناء السلطة إلى بناء الدولة    إجراءات لتعميم تدريس «الأمازيغية» في الجامعات ومراكز التكوين المهني    رفع أجر الممارسين الطبيين الأخصائيين بولايات الجنوب إلى مرتين ونصف مقارنة بالشمال    أبواب مفتوحة على الضمان الاجتماعي لفائدة طلبة جامعة زيان عاشور بالجلفة    رجل يقتحم مسجدا بسيارته في فرنسا (فيديو)    المتعلقة بنظام تسيير الجودة، " كاكوبات" يتحصل على    بدوي: قررنا التخلي نهائيا عن التمويل غير التقليدي    مسرحية «حنين» تفتتح نشاط قاعة العروض الكبرى بقسنطينة    «الطَلْبَة» مهنة دون شرط السن    رؤوس "الأفلان" في الحبس، فهل تترجّل الجبهة نحو المتحف ؟    سنة حبسا لسمسار احتال على ضحيته وسلب أموالها ببئر الجير    12 شاعرا و 15 مطربا في الأغنية البدوية ضمن الطبعة السابعة    إطلاق مشروع القراءة التفاعلية في موسمه الجديد    الروايات الجزائرية هي الأقل تواجدا في عالم النت    الطبعة الأولى للأيام الوطنية لدمى العرائس    إطلاق مسابقة "iRead Awards" في دورته الجديدة    المخيال، يعبث بالمخلص    الشيخ السديس: "العناية بالكعبة وتعظيمها من تعظيم الشعائر الإسلامية المقدسة"    فضائل إخفاء الأعمال وبركاتها    فلنهتم بأنفسنا    ازومي نوساي وابربوش سكسوم نالعيذ امقران واحماد نربي فوساي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مهري باع سيارته وأجّر بيته واستدان من أصدقائه العرب لعلاج زوجته
رفاقه وأصدقاؤه يكشفون في تأبينية الشروق
نشر في الشروق اليومي يوم 03 - 02 - 2012

لبّى العشرات من الشخصيات الوطنية والتاريخية دعوة "الشروق" لتأبينية الزعيم الراحل، عبد الحميد مهري، وأصرّت على الحضور رغم الأمطار الغزيرة التي شهدها يوم أمس، وقدم رفاق الراحل وتلامذته، شهادات حية وجوانب خفية وغير مسبوقة من حياة الراحل، كشفت بحق عن طينة هذا الرجل الذي خسرته الجزائر، بينما كانت بأمس الحاجة له ولأمثاله.
وعلى مدار أزيد من ساعتين، عاش الحضور على وقع شهادات ووقائع عرضت إلى بعض مآثر الفقيد، وكان أكثرها تأثيرا، شهادة وزير التربية في حكومة مولود حمروش، علي بن محمد، الذي بكى وأبكى من كان حضرا بالقاعة، وهو يتحدث عن معاناة "أستاذ الأجيال" من أجل تمكين زوجته من العلاج خارج البلاد، وما لقيه من جفاء من قبل مسؤولين في "حزب صديق".
كان اسم الراحل مهري، كافيا ليجمع الشخصيات الوطنية، التي فرقتها السياسة وشتتتها المصالح، وحضر الجميع ليقولوا إن مهري ليس مجرد شخصية عادية أصبحت من الماضي بوفاتها، ولكنه هامة طويلة، وهرم شامخ من الأخلاق السامية والمبادئ الراسخة، كما أشار الوزير الأسبق محمد الشريف خروبي، إلى أن شخصية مهري ستبقى ماثلة على مدار الأجيال المقبلة، التي ستبقى تذكره بخير، كيف لا وهو الذي أفنى حياته في قطاع التربية الجريح.
دور "الحكيم" لم يتوقف عند حرصه على تنشئة الأجيال في وسط تربوي سليم، بعيدا عن سموم الطابور الخامس، وتحمّل من أجل ذلك ما يعتبره البعض انتقاصا من كرامته، بقبول منصب أستاذ مساعد، وهو الذي كان وزيرا قبل الاستقلال، بل تعداه إلى تلقين مناضلي حزب جبهة التحرير الوطني (عندما أصبح أمينا عاما في نهاية الثمانينيات)، مبادئ النضال النظيف والنزيه، حيث كان يصرف من ماله الخاص، ولم يكن يلجأ إلى خزينة الجبهة، حتى في مهماته الحزبية، كما جاء على لسان وزير الاتصال الأسبق، عبد الرشيد بوكرزازة.
مهري وبشهادة رفقائه وتلامذته، لم يكن فقط ذلك الرجل المتشبع بالأخلاق والمبادئ، بل كان أيضا رجلا مفكرا وحكيما، له قراءته الخاصة للأشياء.. فعندما طُلب منه تعريف الإعلام، لم يلجأ إلى قاموس المدارس الألمانية أو الإنجليزية أو الفرنسية، وإنما قدم تعريفه الخاص المنبثق من محيطه، قائلا: "الإعلام ظل السياسية.. ولا يستقيم الظل ما دام العود أعوج".
لقد عوقب مهري حتى آخر أيامه، من حكومة بلاده وهو أحد الرجال الذين صنعوا استقلال الجزائر، بسبب مواقفه السياسية، وحرم حتى من أبسط حقوقه، واضطر إلى الاستدانة من أصدقائه الجزائريين والعرب، ليعالج المرحومة زوجته، ومع ذلك لم تفت في عضده الظروف القاسية.. وتلك شيم العظماء.


الدكتور علي بن محمد بكى وأبكى:
مهري باع سيارته وأجّر بيته واستدان لعلاج زوجته
أضافت الملامح الحزينة لوزير التربية الأسبق الدكتور علي بن محمد، وهو يستذكر عديد المحطات التي جمعته برفيق دربه المناضل الراحل عبد الحميد مهري، حالة من التفاعل التي جعلت أغلب الحاضرين يذرفون الدموع على المشهد الذي رسمه الدكتور في حديثه عن المرحوم، خاصة عندما توقف في شريط حديثه عند محطة مرض حرم الرجل النزيه "سي عبد الحميد"، التي ختمها بتعليق ساخر "قرأنا في الصحافة الوطنية أن المستشفيات الفرنسية تطالب ب620 مليون دولار كديون لها لدى الخزينة العمومية الجزائرية، فتساءلت كيف لم تستفد حرم الهرم الشامخ عبد الحميد مهري من دولار واحد من هذا المبلغ الضخم؟".

الضمان الاجتماعي يعاقب مهري
وسرد القصة قائلا: "من أصعب الفترات التي عاشها فقيد الجزائر في حياته الطويلة المليئة بالنضال والتحدي، عندما حل بها مرض مفاجئ غريب استدعى تنقلها إلى فرنسا والمكوث هناك للعلاج، ونظرا لظروفه المادية المتواضعة وجد صعوبة كبيرة في التكفل بها جراء المصاريف الباهظة، مما اضطره إلى إعداد ملف طبي متكامل قدمه للمصالح المعنية قصد التكفل العمومي بها، غير أن مصالح الضمان الاجتماعي، لم تستجب للطلب ولم تول أهمية لشخص مهري، وأغلقت بفعل فاعل كل السبل أمامه، مما اضطره إلى بيع سيارته وتأجير بيته والاستدانة من مناضلين عرب، ورفض عرضا تقدمت به إحدى الدول العربية للتكفل بها تعففا".
وعاد بن محمد بذكرياته إلى سنة 1960عندما تعرف لأول مرة إلى الأستاذ عبد الحميد مهري، أيام جريدة "المجاهد" بالعربية، وذكر أنه ازداد تعلقا به عندما سافر إلى دمشق وسمع عن نبله وأخلاقه ومواقفه من الطلبة الجزائريين والسوريين هناك، وفي هذا الشأن ذكر أن إحدى حفيدات الأمير عبد القادر قالت له "إن الحديث عن الثورة الجزائرية في الأوساط السورية كان حديثا مبهما، لكن الأستاذ عبد الحميد مهري رحمه الله أوصل رسالتها إلى السوريين ووضح تفاصيلها لديها".
ومما ذكره وزير التربية الأسبق أنه في سنة 1970 حدث تغيير وزاري عين بموجبه عبد الكريم بن محمود وزيرا للتعليم الابتدائي والثانوي، وقد أحب أن يعين مهري كأمين عام لها، وعندما عرض الأمر على بومدين قال له "أعرف أن سي مهري له تحفظ على حركة 19 جوان، لكن أعرض عليه الأمر فإن وافق سنعينه فورا". وإيمانا من "الحكيم" بخطورة قطاع التربية وأهميته، وافق مهري على قبول المهمة وتصدى لمشاكل القطاع بنجاح.

"رفض استقالتنا حفاظا على مصلحة البلاد"
وفي محطة أخرى ذكر بن محمد "في آخر تغيير وزاري في أفريل 1977 مس وزارة التربية في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، تم تعيين الدكتور مصطفى الأشرف على رأسها، وكانت إطارات الوزارة بصدد التحضير للموسم الدراسي، لكنهم تفاجؤوا بمقالات نشرت تباعا في جريدة المجاهد اليومية تستهدفنا من دون أن تحرك السلطات ساكنا، ففهمنا أنها رائحة دسيسة مدبرة، مما اضطرنا كإطارات إلى تحرير رسالة موجهة لرئيس الجمهورية، تكفلت بتسليمها إلى أمين عام الرئاسة آنذاك عبد المجيد علاهم، لكن الأمر لم يتغير فيه شيء فقررنا الاستقالة الجماعية، لكن عندما عرضت الأمر على سي عبد الحميد وطلبت منه أن يستقيل معنا، قال: "لا يمكن أن نستقيل ونحن نحضر للموسم الدراسي المقبل، فقد يفسر ذلك على أنه نوع من المساومة، فتعلمنا منه أن مصلحة التلاميذ أولى من المناصب والضغوطات، فلم نستقل لكن بعد ذلك صدر مرسوم إنهاء مهامنا جميعا، وقد تم تحويلنا إلى مهام أخرى لم تكن سوى وهم".

محنة انقلاب 1996
وتوقف المتدخل عند محنة أخرى من المحن التي عاشها عبد الحميد مهري، وهو الانقلاب العلمي عليه في جبهة التحرير الوطني، في إشارة إلى ما عرف ب"المؤامرة العلمية" التي قادها مصطفى بودينة وعبد القادر حجار وعبد الرحمن بلعياط عام 1996 خلال المؤتمر السادس للحزب. يقول بن محمد: "لم يكن سهلا أبدا على سي عبد الحميد أن يهضم خروجه من الآفلان بتلك الطريقة، وبقي أمرها غصة في حلقه إلى آخر يوم في حياته، لكنه تعامل معها بحكمة كبيرة، ومما استذكره أنه في آخر جلسة للجنة المركزية وقبل أن يتخلى عن منصبه طلب محاسبته على مال الحزب الذي وجد أنه لم يُصرف منه فلسٌ واحد، وطوال فترته كان الحزب يعيش على الأرباح".

"شتان بين أفلان مهري وأفلان اليوم"
وقال الوزير إن سي عبد الحميد فهم الرسالة من القائمة الاسمية التي وقعت على العريضة، ومن الانتماءات والولاءات لمن وقفوا ضده في اللجنة المركزية، وأدرك أن الدولة كلها تقف من أجل رحيله فلبى الطلب بحكمة وتبصر وإدراك.
وهنا استدرك بن محمد ليقارن بين جبهة التحرير في عهد مهري، وجبهة التحرير الحالية، ليقول "شتان بين أفلان الأمس الذي كنا نقاتل من أجل تمرير كلمة واحدة، وأفلان اليوم الذي أصبح مجرد أداة لتمرير كل ما يراد تمريره من مشاريع وسياسات".
ومن خصال مهري ذكر بن محمد أن فقيد الجزائر كان صبورا على وقاحة وتطاول الكثير من المسؤولين أيام توليه منصب الأمين العام للآفلان، ليرتفع سقف الإهانات بعد مشاركته في عقد روما، لكن التاريخ أنصفه بعد ذلك، وأثبت صواب خياره وسلامة نهجه. واختتم ضيف "الشروق" مداخلته بقصيدة نونية جميلة رفعها إلى روحه ووضع فيها مشاعر محبه لهذا الرجل الذي لا يمكن أن ينتمي إلا لفصيلة الوطنيين الحكماء النزهاء.


وزير التربية السابق، محمد الشريف خروبي:
المتطاولون على مهري لم يزيدوه إلا صلابة
أكد وزير التربية الأسبق، محمد الشريف خروبي، أن الراحل عبد الحميد مهري رفض غداة الاستقلال عديد المناصب السامية التي عرضت عليه منها سفير ووزير، واختار العمل في قطاع التعليم إيمانا منه بثقل الرسالة الملقاة على عاتقه في تربية الأجيال، وذكر خروبي أن مهري قبِل حتى أن يكون أستاذا مساعدا بالتعاقد، ولم يأبه لثقله كوزير سابق في الحكومة المؤقتة.
واستغل محمد الشريف خروبي رفيق درب الراحل الأستاذ عبد الحميد مهري، في الندوة التأبينية التي نظمتها "الشروق" لهذا المناضل بقاعة المحاضرات للمركز الدولي للصحافة بالقبة، ليذكر بالخصال الحميدة للأستاذ عبد الحميد مهري، حيث قال: "من الصعوبة بمكان الحديث عن الراحل مهري كإنسان، فهو عبارة عن هرم لا تميز بين طفولته وشبابه وشيخوخته... فحياته كلها نضال منذ أربعينيات القرن الماضي، إلى الثورة التحريرية المجيدة قبل أن يكون وزيرا في الحكومة المؤقتة"، وأكد تواضع الرجل: "كان مهري يأتي إليك قبل أن تبادره أنت"، وتابع: "التواضع سمة من سمات العظماء العلماء".

من وزير إلى أستاذ مساعد في ثانوية
وقال محمد الشريف خروبي، إن أهم حدث في حياة عبد الحميد مهري - حسب رأيه - هو رفض سي عبد الحميد كما فضل تسميته، لعدة مناصب عليا عرضت عليه غداة الاستقلال، وفضل الالتحاق بقطاع التعليم، حيث اشتغل كأستاذ متعاقد بثانوية عمارة رشيد بالجزائر العاصمة، إلا أن إيمانه برسالته جعلته يتنازل عن إرثه النضالي، ولم يستغله في تسوية وضعيته، حيث انتظر كباقي الأساتذة المساعدين لترسيمه في المنصب قبل أن يتحول إلى بوزريعة، أين اشتغل مديرا لدار المعلمين ومفتشا للتعليم الابتدائي.
وسرد وزير التربية في أولى حكومات الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، حادثة تحمل أكثر من دلالة على تواضع الفقيد، وقال إن أحد المفتشين قال للأستاذ مهري في زيارة تفتيش وتقييم له كأستاذ بثانوية عمارة رشيد ببن عكنون، بعد ما أعجب بطريقة مهري في إلقاء الدرس: "انك تصلح كأستاذ وأنت مستعد للتعليم"، دون أن يعرف هذا المفتش انه يقف أمام هرم من أهرامات الجزائر الحديثة، وأمام وزير سابق في الحكومة المؤقتة.

الابتسامة جواب مهري على منتقديه
وواصل خروبي الحديث عن مسيرة الرجل، بعد عودته إلى تقلد المناصب السياسية، ليسجل في محطة موقفا مشرفا للأستاذ مهري، حيث كان بيت مهري السفير مفتوحا لجميع الجزائريين بباريس ومن خارجها، في وقت يقول خروبي أن بعض السفراء الجزائريين يتهربون من ملاقاة حتى وفود رسمية جزائرية، ناهيك عن الرعايا الجزائريين وأبناء الجالية.
وفي أعقاب الهجمات التي استهدفت حزب جبهة التحرير الوطني بعد أحداث أكتوبر 1988، عين مهري على رأس الأفلان، وواصلت تلك الهجمات لتطال سي عبد الحميد حتى داخل مؤسسات الحزب العتيد، قائلا أن رزانة القائد السياسي المحنك جعلته دائما منتصرا، حيث ذكر محمد الشريف خروبي "أن مناضلين في الجبهة يسبون مهري داخل اللجنة المركزية.. ويقولون له اسكت.. إلا انه كان لا يرد على ذلك إلا بابتسامة تدخل الشك في المنتقد.. وتمكن مهري في مدة ليست طويلة بلم شمل أبناء الأفلان وفتح الباب أمام الجميع".
وذكر خروبي "أن الأستاذ عبد الحميد مهري ذا اعتزازا بالرأي، إذا اقتنع بشيء يصعب عليك أن تقنعه بغير ذلك، إلا أن حكمته وصبره وعدم أنانيته تجعله يصغي إليك"، وأضاف "أن من صفات الفقيد أن لم ينتقد يوما أي رجل كرجل، وإنما ينتقد الأساليب، وكشف خروبي أنه لا يعرف أي أحد أغضب سي عبد الحميد، لأنه لا يتكلم وإنما يعطي فقط إشارات كحك جلد قدمه مثلا"..


القيادي بالولاية الرابعة التاريخية، لخضر بورقعة:
شخصية مهري حيرت المصريين
أثنى الرائد لخضر بورقعة في كلمة مقتضبة على مسيرة فقيد الجزائر، الأستاذ عبد الحميد مهري ومناقبه، واستشهد بورقعة بتقرير مسؤول المخابرات المصرية فتحي الديب الذي كلفه بإعداده الرئيس جمال عبد الناصر.
وجاء في تقرير ضابط المخابرات المصرية المكلف بالعلاقة مع الثورة الجزائرية، أن الرئيس جمال عبد الناصر أمره بإنجاز تقارير مفصلة حول قادة الثورة الجزائرية المشكلين لوفد الثورة في القاهرة، ولم يجد الديب من ملاحظات يدونها في التقرير الخاص بعبد الحميد مهري بسبب نظافة الرجل واستقامته وصفاء مسيرته.
وعرج الرائد بالولاية الرابعة التاريخية على انقلاب 19 جوان 1965، الذي أطاح من خلاله هواري بومدين بالرئيس الأسبق أحمد بن بلة، مسجلا الموقف المعارض لعبد الحميد مهري، متسلحا بقناعاته بفكرة "دعهم يحكموا ونجربهم" كما قال بورقعة .
وقدّر بورقعة أن الرجل أكبر من إقامة تنظيم لحظات تأبينية، داعيا إلى تنظيم أيام دراسية للإحاطة بمناقب ومواقف ومسيرة هذا الرمز الذي فقدته الجزائر وهي في أمس الحاجة إليه.


عبد الرزاق مقري، نائب رئيس "حمس"
مهري قال لنحناح: الدولة لن تستفيد شيئا بإضعافها للأحزاب
قال الدكتور عبد الرزاق مقري: "إن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله هو من عرفني على الأستاذ عبد الحميد مهري، وأذكر أننا في إحدى المرات عندما كنا شبابا في الثلاثينات، ذهبت إلى الشيخ نحناح أشكوه الأستاذ عبد الحميد مهري لأسباب نضالية فقال لنا: لا أسمح لكم بقول كلمة واحدة في حق سي عبد الحميد مهري، فهو أفضلكم جميعا.. وأتذكر أنه ذات مرة قال للشيخ محفوظ نحناح رحمه الله: الدولة لن تستفيد شيئا إذا سارت في طريق إضعاف الأحزاب وتدجين الساحة السياسية".
و أضاف: "عرفت الأستاذ مهري عن قرب في مؤسسة القدس الدولية، وقد كان منضبطا في مواعيده حتى أنه كان أول من يأتي للاجتماعات رغم سنه المتقدم، وكنا نستغل تلك الفرصة لنجلس إليه ونتعلم على يديه فنون السياسة والقيادة وكيف يكون رجال الدولة".
وأكد ذات المتدخل أن الشيخ عبد الرحمان شيبان رحمه الله كان لا يقر أمرا في مؤسسة القدس إلا إذا وافق عليه الفقيد، حيث كان يطلب رأيه ومشورته في كل مجلس، وكان يكن له احتراما كبيرا".


المجاهد صالح قوجيل
مهري الوحيد الذي فسر بيان أول نوفمبر تفسيرا صحيحا
يرى المجاهد صالح قوجيل أن عضو المجلس الوطني للثورة الجزائرية، عبد الحميد مهري، من الرجال القلائل الذين فسروا بيان أول نوفمبر تفسيرا صحيحا.
وقال قوجيل في مداخلته "مشوار 30 سنة قبل الثورة و50 سنة بعد الاستقلال، مملوء بالمحطات وفي كل محطة إلا ونجد سي عبد الحميد حاضرا"، وتابع: "مهري من القلائل الذي قرؤوا بيان أول نوفمبر قراءة سليمة وفسره تفسيرا صحيحا، باعتبار أن للبيان عدة قراءات إلا أن قراءة مهري هي الأصح"، موضحا أن عضو لجنة التنسيق والتنفيذ، عند تشكيل الحكومة المؤقتة الوحيد الذي عرف كيف يفرق بين الحكم والدولة، حيث أن الحكم بإمكانه التغيير ولكن الدولة باقية.
وأكد أنه عرف الفقيد معرفة شخصية سنة 1957، وأكد أن سي عبد الحميد مناضل صلب، ورجل دولة بارز، وسياسي محنك، صبور يتحمل الصعاب، وكانت نظرته للمستقبل أكثر مما هي عليه للحاضر، وهو ما جعله بحسب قوجيل منتصرا دائما.


محمد الصغير بلعلام
مؤسسة مولود قاسم حرمت من الاعتماد لأن رئيسها مهري
قال الأستاذ محمد الصغير بلعلام الذي ناضل إلى جانب الفقيد في مؤسسة مولود قاسم نايت بلقاسم، أن السبب الحقيقي لعدم منح الاعتماد للمؤسسة هو ترؤسها من قبل الأستاذ عبد الحميد مهري، معتبرا ذلك إجحافا كبيرا في حقه.
وأكد بلعلام أن "الراحل مهري لم يصطدم طيلة حياته مع أحد، بل كان دائما حكيما من طراز الكبار يعرف كيف يسير الأمور بعقلية الأب المثالي"، وضرب مثالا على ذلك بعلاقته مع الشيخ عبد الرحمن شيبان رحمه الله، حيث رغم اختلافه معه في بعض القضايا النضالية إلا أن الاثنين ظلا يحترم أحدهما الآخر إلى أبعد الحدود.
وأضاف بلعلام "حتى الأعداء لم يجدوا منفذا ينتقدون به مهري، وقد لمست حنكته وحكمته، إلى جانب نضالي معه في مؤسسة مولود قاسم، كما وقفت على حكمة ورزانة الرجل خلال سنوات السبعينات أثناء اجتماعات الأمناء العامين للوزارات، وكثيرا ما نقلت مواقفه المثيرة للإعجاب لمولود قاسم رحمه الله".
ومن جملة المواقف التي نقلها المتدخل كذلك أن مهري رحمه الله تمكن عندما كان ممثلا للآفلان في سوريا من جمع أكثر من مليون ليرة سورية أي ما يعادل 133000 دولار للثورة الجزائرية، وشهد على ذلك الشيخ البشير الإبراهيمي والعقيد أوعمران. وقال بلعلام مضيفا "مهري لا يمكن تسميته إلا بأرشيف الجزائر الذي رحل ولم نستفد منه إلا القليل".


الوزير الأسبق عبد الرشيد بوكرزازة
مهري رفض إحالة الأفلان على المتحف لأن رسالته لم تكتمل
عاد وزير الاتصال الأسبق عبد الرشيد بوكرزاة إلى بعض الذكريات التي رسخت في ذهنه والتي جمعته بالفقيد، ومما ذكر "عندما كنت وزيرا للاتصال كنت أبحث عن تعريف لمفهوم "الاتصال" ورغم قراءتي للكتب والدراسات لم أجد تعريفا دقيقا يشفي غليلي، وحدث أن جمعني موعد عشاء في فندق الجزائر مع سي عبد الحميد مهري والأديبة الكبيرة أحلام مستغانمي، فسألت الفقيد عن مفهومه للاتصال، فقال لي"الاتصال هو ظل السياسية" وعليك أن تكمل البقية فأكملت المثل الشهير "لا يستقيم الظل والعود أعوج"، فكانت هذه الإشارة منه نوع من الذكاء والحكمة والفطنة والدهاء السياسي الذي يميز أمثال الفقيد.
ومن المواقف التي ذكرها أيضا: "عندما كان أمينا عاما للجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني، حدث أن كنت في مكتبه وكان ينوي زيارة محافظة بإحدى الولايات، فنادى على بروتوكوله الخاص المدعو كمال ومنحه مبلغا من جيبه ليقتني له تذكرة سفر بالطائرة، وهذا درس في النضال الحزبي الغائب عن الكثير من المتحزبين من هذا الجيل".
وأضاف: "في أحد اللقاءات سئل: ألم يحن الوقت لإحالة الحزب العتيد على المتحف، فقال: حزب جبهة التحرير الوطني لا يمكن أن يحال على المتحف مادام لم ينفذ كل مبادئ بيان أول نوفمبر، ومن ضمنها تحقيق وحدة المغرب العربي".


الباحث محند أرزقي فراد:
سألت الحكومة عن اعتقال مهري في دبي بعد ما سكت نواب الأفلان
لخص الباحث محمد أرزقي فراد معرفته بالراحل عبد الحميد مهري بقوله "لقد كان الفقيد بحق أبا عطوفا ومربياً ومعلما ناصحا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان".
واستشهد فراد بحادثة وقعت له عندما كان طالبا بدار المعلمين ببوزريعة التي يشرف على إدارتها أنذاك الراحل عبد الحميد مهري، وقال فراد "كان عمري 15 سنة، وظروفي الاجتماعية قاهرة، لأنني ابن شهيد، وظروف هذه الفئة كانت صعبة أنذاك"، ما جعله يبحث عن منصب عمل يمكنه أن يعيل به نفسه وإكمال الدراسة، قبل أن تحدد الوجهة إلى دار المعلمين.
ويضيف ارزقي فراد انه في عام 68 اجتاز الامتحان الكتابي للالتحاق بدار المعلمين، ونجح فيه، ونظرا لظروفه المادية، لم يتمكن حتى من معرفة تاريخ إجراء الامتحان الشفوي، وهو القاطن بالقصبة إلا بعد عودة زملائه مساء يوم الامتحان الشفهي، فأسرع باكيا إلى بوزريعة، مستنجدا بالمدير "مهري" الذي رعى ظروفه الاجتماعية القاهرة وقرر أن يمتحنه شفهيا منفردا، وهو ما كان ونجح.
وأكد الباحث محمد أرزقي فراد أن عبد الحميد مهري مصلح من الطراز الأول، واعتبره من القلائل الذين أحسنوا التعامل مع القضية الأمازيغية، وقال "لو سمعنا لرأي عبد الحميد مهري لتفادينا الكثير المشاكل التي حلت بالبلاد"، وذلك لما تحمله قراءته من هدوء ورزانة، قبل أن يعرج الباحث على الانتقادات اللاذعة التي طالت عبد الحميد مهري عقب توقيعه رفقة حسين آيت أحمد على العقد الوطني في روما سنة 1995 "...ولكن التاريخ أنصف الرجل بعد ذلك والمصالحة الوطنية خير دليل على ذلك".
وأكد، أرزقي فراد، أن سبب التحاقه بمؤسسة مولود قاسم نايت بلقاسم الثقافية هو تولي عبد الحميد مهري رئاستها، في وقت رفض الالتحاق بها قبل ذلك.
وأكد البرلماني الأسبق، انه خلال العهدة البرلمانية 1997 - 2002 تقدم بسؤال شفوي شديد اللهجة لوزير الخارجية أنذلك، على خلفية عدم تحرك كل من نواب الأفلان والأرندي ومن ورائهم الحكومة، عقب حادثة توقيف الأستاذ عبد الحميد مهري، قبل أن يضيف أرزقي فراد أن مهري رجل له ثقافة الدولة رغم الطعنات والهزات التي تعرض لها، مستشهدا بقول الشاعر لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب، ولا ينال العلا من طبعه الغضب..


مختار مزراق رئيس ديوان الراحل في الأفلان
"مهري كنز يمثل الماضي بدروسه والحاضر بمعانيه والمستقبل بآماله"
قال مختار مزراق، رئيس ديوان الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني، عبد الحميد مهري طيلة 7 سنوات، أنه كان من الذين عارضوا سي عبد الحميد عند توليه منصب الأمانة العامة للحزب، ووصل به الأمر حد التطاول على شخصه، "لأنني عرفته من خلال ما صوروه لي".
وأضاف مزراق أن الكثير من المعطيات تغيرت بعد مباشرة عملي بالقرب منه، وقال في مداخلته في الندوة التأبينية إنه "لما تعرفت على مهري عن قرب تغير رأيي رأسا على عقب، واكتشفت أن الرجل كان كنزا يمثل الماضي بكل دروسه والحاضر بكل معانيه، والمستقبل بكل آماله".
وتابع: "كان ذا ذاكرة قوية وذكاء خارق، عرف كيف يوظف الماضي خدمة للمستقبل"، مشيرا إلى أن لديه الكثير مما يقوله عن الرجل وفضل إرجاءه إلى مناسبات قادمة.


جهيد يونسي، مرشح الرئاسيات السابق
نهج مهري سيكون نبراسا للأجيال المقبلة
دعا مرشح الرئاسيات السابق، جهيد يونسي، إلى إنشاء مؤسسة باسم الراحل عبد الحميد مهري، تعنى بالمسائل الثقافية والفكرية، وتمنح فيها جائزة دورية، تكون في مستوى الرجل وتضحياته ونضالاته.
وأعرب يونسي عن أمله في ألا يظلم أبناء الجزائر مستقبلا كما ظلم مهري، وتمنى أن يعي الجزائريون قدر هذا الرجل وألا يظلمونه مرة أخرى، مشيرا إلى أن أفكار ومبادئ ونضالات الراحل ستبقى النبراس الذي ينير درب الجزائريين والأجيال مستقبلا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.