لا أريد أي منصب سياسي في المستقبل في العاصمة وأشهد الرأي العام الوطني على ذلك لو كنت من هواة المناصب لما استقلت سنة 2002 من منصب وزير الصحة في هذا الحوار الشيق والمثير الذي خص به البروفيسور والوزير السابق للتعليم العالي والصحة في حكومتي قاصدي مرباح وعلي بن فليس، الكثير من الأمور التي تخص حزب جبهة التحرير الوطني والعمل السياسي والحزبي الحالي بالجزائر. كما يتطرق إلى قطاع الصحة وأسباب التدهور التي يعرفها. ويتحدث أبركان عن أسباب قبوله دعوة الأفافاس للترشح في صفوف الحزب والدوافع التي جعلته يختار تصدر قائمة بلدية الخروببقسنطينة وأمور أخرى تحدث عنها البروفيسور أبركان لأول مرة في حوار شامل ومثير ل”البلاد”. السيد أبركان، الوزير السابق والمناضل بحزب جبهة التحرير الوطني، ترشح مع الأفافاس وعلى رأس قائمة بلدية الخروببقسنطينة، هل تستطيع أن تشرح لنا أسباب هذا القرار الذي اتخذته؟ الإخوة من حزب جبهة القوى الاشتراكية عرضوا عليا مشكورين الترشح على قائمة الحزب فقبلت بالفكرة، لكنني أكدت لهم رغبتي في خوض هذه التجربة على مستوى بلدية الخروب وهو بمثابة تحدي وطموح شخصي، لأنني أؤمن بالتسيير المحلي ولدي الكثير من المشاريع التي أتمنى أن أجسدها خدمة للمواطن على مستوى بلدية الخروب والتي هي الآن أكبر من مدينة قسنطينة نفسها، والخروب بمثابة رهان شخصي حتى أتمكن من تحقيق مالم أكمله سنة 97 وذلك بعدما عملت بالبلدية لمدة عامين ونصف ثم غادرت باتجاه الحكومة، والخلاصة أنني أرى أنني قادر على نفع بلدي وبالتحديد ولايتي وبلديتي، والتي كما قلت لكم ربما هي الآن من أكبر البلديات على المستوى الوطني، بالنظر لامتلاكها ثلاث مدن جديدة. إذن عودة إلى الساحة السياسية من بوابة الأفافاس بعدما لم تتمكن من ذلك عن طريق الأفلان؟ أؤكد للجميع وأمام الرأي العام الوطني أنني لا أريد أن أتقلد أي منصب سياسي في المستقبل على مستوى العاصمة، مهما كان هذا المنصب، لأنني أريد أن أحقق تحديا ذاتيا وهو تحقيق وثبة نوعية لم تتحقق من قبل في أي بلدية على المستوى الوطني، هذا هو طموحي، ولا أريد ولن أقبل أي منصب سياسي آخر بالعاصمة، فلو كنت من هواة المناصب لما استقلت من منصبي بوزارة الصحة سنة 2002. كما أتمنى أن يجرب كل الوزراء التسيير المحلي حتى يتمكنوا من الاطلاع على المشاكل اليومية والحقيقية التي يتخبط فيها المواطنون. كما يتعلمون التسيير الاحترافي بأصوله، خاصة وأنه أصبح يفتقده الكثير من المشرفين على تسيير الشأن العام بالبلاد. صراحة، هل تعتقد أن نهاية المشوار السياسي للبروفيسور والوزير أبركان كان نتيجة مساندتك آنذاك لعلي بن فليس، ألم تندم على هذه المساندة؟ أنا شخص لدي مبادئ تربيت عليها، والدنيا خيارات ومواقف، وأريد أن أوضح أمرا مهما وهو أن بوتفليقة لم ينتقم ممن وقفوا مع بن فليس، والدليل على ذلك أنهم الآن في الصفوف الأولى للحزب، ولو أردت مواصلة عملي السياسي أو ربما حتى الوزاري لفعلت، إلا أنه كما قلت لكم أنا شخص لدي مبادئ وأحترم نفسي، وأحترم أيضا خياراتي، لذلك فضلت المغادرة من الباب الواسع، غير أنني أريد أن أقول أمر مهم أو تستطيع القول خلاصة وصلت إليها من خلال تجربتي المتواضعة سواء في العمل السياسي أو الإداري بالجزائر. ماهي هذه الخلاصة؟ نحن في الجزائر لا نعرف كيف تستفيد من الطاقات البشرية التي نحوز عليها، بمعنى أدق الإطارات والنخبة التي بإمكانها أن تقود البلاد إلى التطور والرقي وتحقيق المنجزات الحقيقية التي تفتقر إليها البلاد، والدليل على ذلك أنه منذ مغادرة وزارة الصحة سنة 2002 لم يطلب مني أي مسؤول في الجزائر ولو استشارة تخص مثلا قطاع الصحة المنكوب، والذي يعيش حالة مزرية أو أي قطاع آخر أستطيع أن أفيد به الجزائر، وقد أقص عليك حادثة طريفة تعطيك نظرة ليس فقط عن تفكير القائمين على الأمر، بل حتى على الفرد الجزائري عموما عندما يمسك بزمام الأمور وتجاهله للطاقات البشرية. تفضل.. سنة 90 كنت مترشحا مع حزب جبهة التحرير الوطني على رأس بلدية الخروب وعندها فاز حزب الفيس المنحل بالانتخابات، قمت بتحية الفائزين وقدمت لهم تهانينا الخالصة بالفوز، ثم عرضت عليهم مساعدة في الكثير من القطاعات على مستوى البلدية، خاصة وأنني تقلدت قبل هذا العديد من المناصب السامية، أهمها أنني كنت عميدا لجامعتي عنابةوقسنطينة، ثم سنة 88 تقلدت منصب وزير التعليم العالي في حكومة المرحوم قاصدي مرباح، لذلك عندما عرضت عليهم خدماتي كنت أرى أن ذلك يدخل في إطار منحهم تجارب تفيدهم في تسيير أمور المواطنين، ذلك أنني لم أكن أحتاج منصب ولا مال كوني، كنت كما قلت لكم، وزيرا سابقا غير أنهم قالوا لي سوف ندعوك لذلك، إلا أنهم لم يفعلوا بل تجاهلوني تماما لذا أقول إن العمل السياسي والحزبي أصبح متعفنا بل قذرا. لذلك ربما لم نسمع باسمك ضمن أي حركة من الحركات التي كانت ضد الأمين العام الحالي عبد العزيز بلخادم سواء التقويمية التي يقودها عبادة أو التصحيحية التي يتزعمها بوجمعة هيشور.. السياسة بهذا المفهوم طلقتها بالثلاث وما أصبح يسمى بالحركات التصحيحية أو التقويمية تحولت إلى سرطان ينخر جسد الأحزاب السياسية لذا لن أنضم إلى مثل هذه الحركات التي تشوه العمل السياسي وقبلت دعوة الافافاس بهدف تنموي وليس سياسي والأفافاس مشكور. ألست خائفا من التزوير الذي أصبح هاجس الكثير من المترشحين في غير حزبي السلطة؟ ظاهرة التزوير ليست غريبة عنا وسبق أن كنت ضحية تزوير فاضح سنة 1997، غير أنه بفضل الله ووقوف أهل الخروب وكذا تدخل الرئيس اليمين زروال آنذاك شخصيا ذكره الله بخير استرجعنا حقنا الضائع، بعد المهزلة التي وقعت. لذلك أقول يجب على الإدارة أن لا تسمح بوقوع تزوير في هذه المحليات، لأن ذلك من شأنه أن يلطخ العملية الديمقراطية بالجزائر ويعود بنا خطوات إلى الوراء. نفهم من كلامك أن الرئيس السابق زروال هو من تدخل حتى عاد لكم الفوز المحقق على مستوى بلدية الخروب رغم أن الرئيس زروال معروف عنه أنه من مؤيدي الأرندي آنذاك؟ لا شك في هذا وأؤكد لكم أن الرئيس اليمين زروال هو الذي تدخل من أجل إعادة النتيجة الأصلية سنة 97 وذلك بعدما تعرضنا للظلم وتعسف حقيقي، حيث بلغنا أننا فائزين ثم جاءت النتائج لتشير أننا منهزمين.. (ويرفق كلامه بابتسامة عريضة). كيف يرى البروفيسور والوزير السابق أبركان العمل السياسي والحزبي الآن بالجزائر؟ عن أي عمل سياسي أو حزبي نستطيع الحديث، ما أصبح موجودا الآن هو سوق يباع فيه كل شيء وأصبحت كل الأمور تقريبا مباحة بما في ذلك الرشوة والمال وهذه ظاهرة دخيلة علينا، وعلى الشرفاء جميعا التصدي لها، وبيع القوائم أصبح مباحا ومن يشتري القائمة يتصدرها حتى ولو كان شخصا غريبا عن الحزب أو السياسة. ما هي رؤية البروفيسور أبركان لقطاع الصحة؟ السلطة السياسية في الكثير من الأمور لا تكون مسؤولة، بل المسؤول هو من يمسك بزمام تسيير هذا القطاع أو حتى غيره من القطاعات، فمثلا دولة كوبا تعتبر من أكبر البلدان ديكتاتورية، حسب الكثيرين وتخضع لسياسة الفرد، إلا أنها في ميدان الصحة استطاعت أن تتغلب على الولاياتالمتحدةالأمريكية.. ببساطة يجب على الفرد المسؤول عن أي قطاع أو جهاز أو مؤسسة أو ولاية إلى غير ذلك أن يتحرك ويبادر ويجب وضع سياسة تسيير تخضع للاحترافية، وتبنى على مسؤولية الفرد وعدم التملص والتهرب من المسؤولية ومحاسبته فيما بعد، وذلك بالتخلص من مركزية القرار، وهذا هو الإشكال الحقيقي الذي يعاني منه قطاع الصحة وأنا أتحدث لكم من خلال تجربتي على رأس القطاع، حيث وبعدما قدمت للحكومة برنامج يخص ضرورة إصلاح المستشفيات والتخلص من مركزية القرار، تحولت فيما بعد تسمية الوزارة من وزارة الصحة والسكان إلى وزارة الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات، فهنا لب الموضوع وهنا الكارثة، فما يجري اليوم في القطاع راجع إلى كون كل شخص يتهرب من مسؤوليته، كون القرار مركزي. وأعطيك مثال بسيط كان أحد المستشفيات يقوم عندما كنت وزيرا بمابين 5 إلى 6 عمليات في اليوم، والآن أصبحت تجري مابين 2 إلى 3 عمليات في الأسبوع، زيادة على هذا حدثني أحد الأصدقاء أن اللقاح الخاص بالتهاب الكبد غير متوفر في المستشفيات والمراكز الطبية. علما أن عدم تلقيح الطفل يؤدي بعد حوالي عشرين سنة إلى الإصابة بالسرطان.. عندما كنت وزير للصحة أعددت برنامجا واضحا يحتوي على العديد من المشاريع التي كانت ستحقق وثبة نوعية في قطاع الصحة وتجنبنا ما هو حاصل الآن بالقطاع، غير أنني تفاجأت بتوقف كل هذه المشاريع التي برمجتها في القطاع دفعة واحدة وكأن في الأمر شيء ما. وماذا عن الأمراض المزمنة وما تعلق بزرع الأعضاء والتي تكاد تندثر في الجزائر مقارنة بدول عربية أخرى؟ يجب أن تعلموا أولا أن الجزائر كانت السباقة في عمليات زرع الأعضاء البشرية. أما اليوم فنحن نكاد نكون في الصف الأخير في هذا الميدان بعدما كنا نحتل مراتب لا بأس بها، فزرع الكلى مثلا قمنا بأول عملية زرع سنة 1987 بقسنطينة. أما الآن فمثلا دول مثل الأردن والسعودية تقوم ب1000 عملية في اليوم تخص مختلف عمليات زرع الأعضاء البشرية، سواء الكلى أو الكبد أو العينيين أو القلب، فلا خيار أمامنا سوى زرع ثقافة التصدق بالأعضاء البشرية بعد الموت كون أعضاء ميت واحد قد تحيي شخصين وتبعث فيهما الحياة، خاصة وأن مثل هذه العمليات جد مكلفة في الخارج، حيث تجرى ب1500 دولار تكلفة زرع عضو واحد. لذلك أتمنى من كل قلبي أن نأخذ ثقافة التبرع بالأعضاء البشرية للموتى. سمعنا أنك قمت بمبادرة خيرية تخص إنشاء بيت للسرطان على مستوى المدينةالجديدة على منجلي، فهل هذا صحيح؟ هذا صحيح وإن شاء الله سيكون جاهزا بعد عامين من الآن، وأتمنى من كل قلبي أن ينجح هذا البيت في التخفيف من المعاناة مع هذا المرض الخبيث. كما أريد التنويه بأمر مهم وهو أن السلطات وهذه حقيقة وليست مجاملة عندما ترى الشخص يعمل ويبادر تدعمه وهو ما كان بخصوص هذا المشروع من طرف والي قسنطينة الحالي الذي قدم لنا كل الدعم لإنجاح هذه المبادرة. لنعود قليلا إذا سمحت لي إلى الأمور السياسية، هل البروفيسور أبركان مع تعميم تدريس اللغة الأمازيغية عبر الوطن كما ينادي الأفافاس، أم أنك مع بقائها في منطقة القبائل فقط؟ أنا ضد كل ما هو جهوي لأنه من شأنه أن يثير النعرات والفتن بين أبناء الوطن الواحد، وحزب الأفافاس ليس حزبا جهويا كما يراه البعض. كما أنني مع تعليم الأمازيغية في كل أنحاء الوطن وتعليم الشاوية ولهجة بني مزاب والترقية إلخ.. أنا ضد تعليم لغة في جهة واحدة لأن هذا يضر الجزائر ولا يخدمها، خاصة في ظل الوضع الإقليمي والدولي والذي يعرف الكثير من المتغيرات بما في ذلك الأمور السلبية، وأرى أن الجزائر مستهدفة وهي من بين الأسباب التي جعلتني أيضا أشعر بالمسؤولية وضرورة دخولي هذه المحليات المرتقبة يوم 29 نوفمبر مع الأفافاس والذي أنا مقتنع أنه الحزب الوحيد والحقيقي في الجزائر الذي يرفع شعار الاشتراكية ويجتهد من أجل تطبيق ذلك على أرض الواقع. أخيرا ما هو برنامجك الانتخابي الذي سوف تخاطب به المواطنين على مستوى إحدى أكبر بلديات الوطن؟ سأغير منهج التسيير وسأطور المجالس الشعبية والقطيعة مع مناهج وطرق التسيير المحلي السابقة، وأريد أن أؤكد لكم أن هذه المجالس المحلية ستنتخب برلمان شعبي يجتمع كل ثلاثة أشهر وبالتالي المواطن سيكون له رأي في تسير البلدية وليس فقط المنتخبين، وهذا البرلمان الذي سينتخب من المواطنين وبالضبط من طرف المجالس الشعبية للبلدية، والتي ستكون بدورها من مختلف مواطني البلدية، أي من مختلف الأحياء. كما أن المجالس الشعبية التي تختار من طرف المواطنين بدورها ستنتخب فيما بينها مجالس مختلفة تخص مختلف القطاعات سواء التربية، الصحة، الرياضة.. الخ، وهو البرنامج الذي أرى بحول الله أنه سيحقق وثبة كبيرة للبلدية والولاية إن منحني مواطني بلدية الخروب ثقتهم في الاستحقاق المحلي المقرر يوم 29 من هذا الشهر.