قسم بن ساعد مجموعته الصادرة عن دار الكلمة إلى جزئين في الجزء الأول تسع قصص قصيرة وفي الجزء الثاني واحد وعشرون قصة قصيرة جدا. ويجدد الكاتب علاقته بالسرد رغم الاشتغال الدائم بالنقد والنقد الثقافي والمشاركة في متابعة ومراجعة الأعمال الأدبية بالمقالات، حيث يبدو في مجموعته هذه بعيدا عن لغة النقد ومخلصا للغته السردية المبنية على جمل طويلة وكثير من الوصف والتصوير.في قصة "وقائع منسية من سيرة الكولونيل باباي" يستعيد الكاتب تاريخ مدينة "زنينة" منذ الثورة الى غاية التغيرات التي أصابتها وأتت على معالمها، ويطوف مقاهيها وشوارعها ويعرف بأعلامها ورموزها لتصبح القصة أقرب إلى بورتريه لوجه مدينة متحولة. وعلى لسان البطل في قصة "طيف قابيل" يقدم قلولي ورطة السجين الذي يتهم بجريمة قتل بعد أن عثر عليه في مسرح لجريمة أمام جثة القتيلة، ولا يركز على الجريمة أو الورطة بل ما بينهما من حكايات رمزية عن العلاقات والصراعات التي تجسدها حتى بعض الحيوانات. يتسلل بن ساعد من خال "نمرة في مهب العاصفة" لأعماق المجتمع عندما يقدم لنا أستاذة الموسيقى التي تواجه مجموعة من المتزمتين فتضطر للانسحاب بعد تلفيق فضيحة لها، ومن الموسيقى إلى الانحراف لتجد في عالم الانحراف أنيسا قادرا على إعادتها إلى المدرسة مجددا في مفارقة يعج بها المجتمع. ويلجأ القاص إلى القصص القصيرة جدا للمرة الأولى في إصداراته حيث يكثف السرد واللغة على عكس نصوصه القصصية المعتادة والتي تخضع لنفس سردي مراقب يتماشى وضرورة القصة القصيرة. ورغم أن القصص القصيرة واختياراتها كانت رمزية وقريبة من الهوس المعرفي للكاتب إلا أنّها لا تخلو من وقائع المجتمع وحالات الأدب والكتابة. يؤثث بن ساعد مجموعته بأدوات وشخوص من التراث النايلي على غرار الخيمة وأجزائها وبأبيات من الشعر الشعبي وفضاءات محلية على غرار "زنينة" و«الشارف" و«الجلفة" و«عين الرومية"، لتصبح مجموعته واقعية ومحلية، ولكنها أصيلة على طريقته في فهم القصة في أعماله السابقة. ورفع الكاتب مجموعته إلى روح الشاعر والجامعي الراحل حميد ناصر خوجة وقد كان مرافقا له في الكثير من الفعاليات الثقافية كما عملا معا على إصدار أعداد من المجلة الأدبية الثقافية "مسارات".سبق لقلولي أن قدّم الكثير من الإصدارات بالإضافة إلى مساهمته الفارقة في المشهد الأدبي عبر وقوفه على تنظيم ملتقيات ولقاءات أدبية كثيرة وقد أصدر في القصة "سلطانة والعاصفة" ثم "صدر الحكاية" كما صدر له في النقد "استراتيجيات القراءة" و«مقالات في حداثة النص الجزائري".من أجواء المجموعة القصصية ««ياحسراه على زنينة عادت وين، ومن البكرة غيمها يصبح طايح"، ردد النعمي البيت الذي كان قد سمعة منذ أن كان طفلا عندما لفحت وجهه الأسمر نسمة ريح حانية وهو يطل على مسقط رأسه قادما إليها من الجزائر العاصمة التي كان قد غادرها مرغما سنة 1957 وبالضبط في شهر مارس هاربا من رد فعل العدو، قبلها بأيام كان قد أشرف على عمل فدائي نجى منه بأعجوبة فأسفر على قتل عدد معتبر من جنود الجيش الفرنسي، هرب إلى حيث لا يعلم أحد، هرب ولم يمهله الظرف الذي آل إليه أو ساقه إليه القدر أن يشم أريج النعناع أو يرى خضرة الربيع والنوار الذي يملأ كل سنة تلك المساحات الواسعة سعة الكون أرض أجداده التي نشأ فيها ولم يتزحزح عنها قيد أنملة إلا عندما أدى ما عليه من واجب.. لم يمت لكن الآخرون من أترابه وأفراد أسرته ظنوا في البداية أنه قد مات أو سجن أو أعدم.. كان هناك في مكان آخر يواصل دك حصون العدو فقد إنفتحت له شهية الإنتقام من الذين عاثوا في أرض أجداده فسادا وأقسم أن لا يتوقف أو يهدأ إلا عندما يرى راية بلاده ترفرف فوق المباني والديار والثكنات المحتلة.. وهناك أيضا تدرج في المراتب فكان ينتقل من رتبة إلى أخرى قاطعا الفيافي والجبال والحصون المنيعة لا شيء في ذهنه سوى أن يساهم في تحرير هذه الأرض والأراضي الأخرى العزيزة عليه مثل عزة نفسه أو أكثر».