اتَسعت دائرة الجدل في الآونة الأخيرة بخصوص الموروث الإسلامي خاصة مع ظهور تيار جديد يدعو إلى التخلي نهائيا عن النظرة التقليدية في قراءة النص الديني من قرآن وسنة نبوية وضرورة تحديث الخطاب الديني الذي ينتهجه شيوخ الدين والأئمة، لأن ما كان يسلكه هؤلاء هو مجرد طريق تجاوزه الزمن، هذه الاتجاه الفكري الذي يرفضه البعض ويؤكد على أن الإسلام هو دين شامل وأي محاولة لوضعه على طاولة النقد هي استهزاء به وتقليل من قيمته. انطلاقا من هذه المعطيات، وإيمانا منه بضرورة السعي نحو ترسيخ سبل الجدال الفكري الذي يبتعد عن أي منطق شوفيني، سيستضيف منتدى جريدة "الحوار" بمقرها بالجزائر العاصمة، الباحث المتخصص السعيد جاب الخير والدكتور لخضر رابحي في مناظرة عنوانها الأبرز "النص الديني بين التقليد والحداثة"، وهذا بحضور أكاديميين وباحثين في هذا المجال، هذا المبادرة التي صنعت ضجة واسعة مباشرة بعد الإعلان عنها أول أمس حيث نالت أكبر عدد من المشاركات على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي وعلق الكثيرون مرحبين بهذه المبادرة كونها تأتي في زمن تميز بالفكر المنغلق وعدم الانفتاح على الآخر وتقبل الاختلاف. وفي هذا الصدد، أكد الطرف الأول في هذه المناظرة السعيد جاب الخير في اتصال هاتفي مع "الحوار" أن المبادرة يجب تثمينها والسعي نحو خلق تجارب أخرى في هذا السياق، وهذا قصد تغيير الصورة النمطية التي يتميز بها التفكير المختلف، مضيفا بالقول إن جريدة "الحوار" لطالما عودت قراءها ومتابعيها على التميز في خلق أجواء فكرية تبتعد كل البعد عن منطق النظرة الأحادية للدين أو كل ما يتعلق به. جاب الخير الذي تميز في الآونة الأخيرة بتنظيمه لمتلقيات فكرية تحت مسمى "ملتقى الأنوار للفكر الحر" أكد أنه سيبذل قصار جهده من أجل أن تكون المناظرة القادمة عنوانا للحوار الحضاري من أجل الوصول إلى نتائج محددة والابتعاد نهائيا عن "حوار الطرشان" الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، مضيفا بالقول إن مناظرة كهذه يجب أن تبقى في سياق ديني بحت دون أمور أخرى قد تخرجها عن سياقها العام الذي نظمت لأجله. أما الدكتور لخضر رابحي، الذي تحمس كثيرا للفكرة فور عرضها عليه، فقد قال في حديثه ل"الحوار" إن هذه المبادرة جيدة على العموم، لأن المناظرات كانت تتم في زمن مضى فقط في بلاطوهات الحكم دون أماكن أخرى، ولأنها أصبحت وسيلة معرفية خاصة، وجب تعميمها على كافة الأوساط الفكرية، مضيفا بالقول إن لغة "الحوار" كانت سببا في أزمة التسعينات لذا يجب المضي قدما نحو ترسيخها ونشرها بين أوساط المجتمع الجزائري. بالمقابل اجتهد بعض الزملاء الإعلاميين والأكاديميين في تقديم نقد بناء فيما يخص المناظرة، حيث رأى أستاذ الفلسفة في جامعة قسنطينة إسماعيل مهنانة أن فكرة المناظرة حول الدين فكرة خاطئة وغوغائية، لأنها لا تتكئ على أية أرضية معرفية، ولا توضح طبيعة الأسئلة التي يتم التناقش فيها هل حول وجود الله من عدمه أم حول الفرق بين إله الأديان وإله الكون؟ وهل سيتناقش الطرفان حول الإيمان أم الدين وتشكله التاريخي؟.. ليتساءل مهنانة في الأخير هل نملك الأدوات المعرفية للفصل بين القرآن بما هو واقعة إيمانية والمصحف بما هو تشكل تاريخي؟ من جانبه، استحسن الكاتب الصحفي حسن زهار جميل فكرة إجراء مناظرات فكرية مع هذا الشخص أو ذاك، لفك الاشتباك الفكري أو الاختلاف في الرؤى، بشكل علني عبر مقارعة الحجة بالحجة، لكنه لم يخف أن المناظرة تمر مطبات كثيرة. مولود صياد