تجري الانتخابات التشريعية المقبلة في الجزائر في ظل حزمة من الإصلاحات الجوهرية التي مست المنظومة القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية، في خطوة تهدف إلى تحسين مسار الانتخابات وتكريس الممارسة الديمقراطية. وتعكس هذه الإصلاحات، التي بادر بها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، إرادة سياسية قوية لإرساء قواعد قانونية وتنظيمية متينة، تقوم على الشفافية والنزاهة والحياد واحترام إرادة الناخبين، من خلال مراجعة عدة قوانين أساسية، أبرزها قانون الانتخابات، وقانون الأحزاب السياسية، والقانون المحدد للدوائر الانتخابية وعدد المقاعد البرلمانية. ويجسد هذا المسار الإصلاحي توجها متدرجا يوازن بين توسيع المشاركة السياسية وتعزيز آليات النزاهة، بما يساهم في تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة وترسيخ الممارسة الديمقراطية بمختلف أبعادها. وقد سبقت هذه التعديلات مشاورات واسعة ضمت مختلف الفاعلين، من أحزاب سياسية وهيئات مختصة وخبراء، ما أفضى إلى صياغة ترسانة قانونية توافقية تستجيب لمتطلبات المرحلة والتحولات التي تعرفها البلاد. وفي هذا الإطار، عرف قانون الانتخابات تعديلا شمل 85 مادة، مع استحداث 4 مواد جديدة وإلغاء 5 مواد، حيث تم تعزيز صلاحيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في تنظيم ومراقبة العملية الانتخابية، إلى جانب تكريس مبدأ حياد الإدارة التي يقتصر دورها على الدعم اللوجستي. كما تضمن القانون إجراءات جديدة لتسهيل الترشح، من بينها تخفيض عدد التوقيعات المطلوبة إلى 150 توقيعًا داخل الوطن و100 توقيع خارج الوطن لكل مقعد، مع منح الأحزاب والمترشحين الأحرار حرية ترتيب قوائمهم، وإعفاء الولايات المستحدثة من شرط جمع التوقيعات. وفي سياق عصرنة العملية الانتخابية، تم إدراج تدابير رقمية، على غرار رقمنة القوائم الانتخابية واعتماد الرقم التعريفي الوطني ضمن بطاقة الناخب، بما يعزز دقة البيانات وشفافية العملية الانتخابية. من جهته، جاء قانون الأحزاب السياسية بصيغة جديدة تعزز التعددية السياسية وتكرس مبادئ الشفافية والمحاسبة، مع تشديد الرقابة على مصادر التمويل وتوسيع دور الأحزاب في الحياة العامة. أما القانون المتعلق بالدوائر الانتخابية، فقد شكل لبنة أساسية في بناء نظام تمثيلي أكثر عدالة، من خلال مواءمة الخريطة الانتخابية مع التقسيم الإقليمي الجديد، حيث تم رفع عدد الدوائر الانتخابية من 58 إلى 69 دائرة، إلى جانب دائرة خاصة بالجالية الوطنية بالخارج. كما أعيد النظر في توزيع المقاعد البرلمانية وفق معيار سكاني أكثر دقة، بتخصيص مقعد واحد لكل 120 ألف نسمة، مع ضمان حد أدنى بمقعدين للولايات ذات الكثافة السكانية المنخفضة، ليصل العدد الإجمالي لمقاعد المجلس الشعبي الوطني إلى 407 مقاعد، منها 12 مقعدًا مخصصة للجالية بالخارج. وتؤسس هذه الإصلاحات لمرحلة جديدة في المسار الديمقراطي بالجزائر، من خلال تعزيز الشرعية التمثيلية وتحقيق توازن أفضل في تمثيل مختلف مناطق الوطن، بما يتماشى مع التحولات الديموغرافية والإدارية التي تشهدها البلاد.