يشهد العصر الحالي، تراجعا واضحا في الاهتمام بالخط والكتابة، حتى أصبح من المألوف أن نرى كثيرا من الشباب يكتبون بخط رديء، لا يكاد يقرأ أحيانا، لكن يبدو أن هذا التراجع لم يأت صدفة، بل ارتبط بانشغال الناس بالتقنيات الحديثة، واعتمادهم شبه الكامل على الكتابة عبر الهواتف والحواسيب، مما جعل القلم والورقة بعيدين عن الممارسة اليومية، وفاقدين لدورهما الذي كان أساسيا في تكوين شخصية المتعلم قديما، والذي كان يولي أهمية وأولوية كبيرة للكتابة قبل كل شيء، باعتبار تعلم الحروف وحسن كتابتها، أو بالأحرى رسمها، أساس أي تعليم مهما كانت الحضارة. كان الاهتمام بالخط في الماضي، جزء أصيل من التربية والتعليم، فالطفل يتعلم الإمساك بالقلم قبل أن يحفظ الدروس، ويتدرب على رسم الحرف قبل أن يتقن قراءته، وكان الخط الجميل علامة على حسن التربية، ودليل على عناية المعلم بطلابه، واهتمام الطالب بتعلمه، حتى أن بعض الأسر كانت تفخر بخط أبنائها كما تفخر بذكائهم وثقافتهم، وقد كان المعلم يحرص أشد الحرص على تصويب يد التلميذ، وتعليمه الانسياب الصحيح للحروف، والتدرب المتواصل على تحسين الكتابة، لأنها كانت من أهم مفاتيح العلم، وكانت رداءة الخط غالبا ما تعكس فوضى الفرد، وعدم اهتمامه بدراسته، كان غالبا التلميذ غير المتفوق، هو الطفل الذي خطه غير مفهوم. ومع تغير العادات وظهور وسائل الاتصال السريعة، تراجع هذا الاهتمام إلى حد، أصبح فيه جمال الخط مهارة نادرة، وأضحت الكتابة اليدوية عمل ثانوي لدى كثير من الناس. حول هذا الموضوع، تحدث الأستاذ بهيج صخري، أستاذ لغة عربية متقاعد ل"المساء"، قائلا: "للأسف، لم تعد الكتابة اليدوية اليوم، تحتل المكانة التي عرفتها عبر قرون طويلة، وقبل سنوات قليلة مضت، فقد تراجع الاهتمام بها إلى درجة أصبح الخط السيء، السمة الغالبة على كثير من شباب هذا العصر"، مؤكدا أنه اليوم، "عند النظر إلى دفاتر الطلبة وكراريسهم في المدارس من مختلف المستويات، أو نطلب من شاب في الجامعة كتابة فقرة قصيرة، أو حتى أحيانا، موظفين في إدارات عند كتابة مراسلة رسمية، نجد الحروف متداخلة، والكلمات بلا جمال ولا شكل، وكأن اليد فقدت قدرتها على الرسم قبل الكتابة، ومنها ما هو غير مفهوم بتاتا، حتى أن بعض الاختبارات الرسمية تجتاز بتلك الخربشات"، على حد تعبيره. وأضاف صخري، أن هذا التراجع ليس مجرد تغير في العادات، بل تحول ثقافي عميق، ارتبط بتغير نظرة المجتمع إلى الكتابة ودورها، إذ لم يعد يولى الاهتمام والعناية الخاصة بالخط والكتابة، وكأنه أصبح أمرا ثانويا، والنظر إلى هذا المشكل يبدو سطحيا وتافها، لكنه في حقيقة الأمر، هو فقدان جزء من الثقافة والعلم والاهتمام بالفن والجمال. وشدد المتحدث، على أن الخط في الماضي، كان جزءا لا يتجزأ من شخصية الإنسان، وعلامة على حسن تربيته واهتمامه بالتعلم، فالطفل كان يدرب على ضبط الحروف، قبل أن يدفع إلى حفظ النص، والدليل على ذلك، ما نراه في الدفاتر القديمة لنا ولأوليائنا، الذين كانوا يتقنون الكتابة، والتي كانت أضعف الإيمان مفهومة وواضحة وسلسة لا خربشة فيها، وأضاف أن المعلم كان يقيّم تفوق التلميذ أيضا بخطه، وكان التلميذ الذي خطه جميل يشجَّع، ومن لديه خط سيء يتم حثه على تحسينه، وكان الأولياء يساعدون على ذلك، وبرزت بعد سنوات، الكثير من الكتب الخارجية، التي تهتم بهذا الموضوع، موجهة لأصغر التلاميذ سنا. وأكد الأستاذ، أن دليل اهتمام أهل العلم بالكتابة، جعلها أحد الفنون، خصوصا الخط العربي الذي له عدة أنواع، كالخط الكوفي، الهندسي، الديواني، الفارسي، المصحفي، وغيرها من الخطوط التي تختلف باختلاف القواعد والجمال والانحناءات، التي تعد فنونا وعلما، وإتقانها دليل على النظام الداخلي للعقل والتفكير، واحتراما للعلم والمعرفة. ولم يتوقف الأمر عند تراجع مستوى الخط، يقول صخري، بل شمل نظرة الناس إلى الكتابة نفسها، فقديما كان الشخص يحرص على اختيار دفاتره بعناية، ويعتني بتجليد كتبه، ويجد لذة، خاصة في فتح صفحة جديدة يكتب عليها أفكاره، لكن اليوم حتى هذه السلوكيات الصغيرة اختفت، وأصبح الورق ثانويا، لا يستخدم إلا عند الضرورة، مقابل هيمنة مطلقة للشاشات التي تزداد بريقا وتقل معها قيمة الحرف، بسبب الهواتف الذكية واللوحات الرقمية، والتوجه نحو التواصل، من خلال منصات اجتماعية رقمية. ومما زاد هذا المشهد وضوحا، يشدد أستاذ العربية، أن كثير من المدارس لم تعد تولي لحصص الخط أهمية كما كانت تمنحه في السابق، وأصبح الهدف هو إنجاز المنهاج فقط، وبذلك تراجع التركيز على الجوانب الجمالية للحرف، وتُركت الكتابة للموهبة الفردية أو الرغبة الفردية للتلميذ في تعلمها. تراجع استعمال أقلام الحبر من أبرز العلامات الدالة على هذا التحول، يقول الأستاذ، تراجع استعمال أقلام الحبر التي كانت قديما، رمزا للعلم والرقي، فقد كان امتلاك قلم حبر جميل له قيمة، حتى وأنه كان يقدم كهدية للمتعلم أو للمعلم أو للمتفوق في شهادة دراسية، لما يمثله من تقدير للكتابة واحترام لأصحاب المعرفة، فكانت هذه الأقلام تصنع بعناية، وتمنح الحروف خطا رفيعا وأنيقا، يجعل الكتابة أشبه بلوحة فنية، ويشعر صاحبها بلذة خاصة، حين يطلق الحبر على الورق، وكانت الكتابة بها غير سهلة، لكن ما إن تعلم الفرد الكتابة بها، سرعان ما يزداد خطه جمالا وتميزا، أما اليوم، فقد تراجع دور هذه الأقلام أمام موجة الأدوات السريعة الرخيصة، وأمام الكتابة الإلكترونية التي أبعدت الناس عن الحبر، وعن الرائحة القديمة للورق، وفق الأستاذ.