المنتخبون السابقون للأفلان كفاءات تخدم التنمية وتدعم صفوف الجبهة الوطنية    الجزائر تدعوإلى منظمة قارية مدروسة ومطورة من طرف الأفارقة ومن أجلهم    حجز أزيد من 104 ألف وحدة من الألعاب النارية بعدة ولايات    الوضعية المالية للبنوك قوية والنظام البنكي للبلاد يشهد فائضا    جميع الطائرات تخضع للمراقبة وفق معايير الأمن الدولية    بن سلمان وراء مقتل خاشقجي    سقوط قتيلة وعشرات المصابين في تظاهرات لحركة السترات الصفراء بفرنسا    العميد يفشل في الفوز على الموب    محاربة ظاهرة العنف مسؤولية كل الفاعلين في القطاع    تأمين المواطنين في مناطق الخطر وتقليص الأضرار في الممتلكات أكبر التحديات    حوادث المرور: وفاة 19 شخصا وإصابة 31 آخرين خلال48 ساعة الأخيرة    البليدة: توقيف سائق دراجة نارية بحوزته 01 كلغ من المخدرات    مشاريع سكنية في الأفق وعمليات تنموية هامة لفائدة السكان المدية    الجزائر عازمة على المحافظة وتثمين ثروتها الغابية    انطلاق الاحتفال بالمولد النبوي في مستغانم    تتويج يوسف بعلوج وكنزة مباركي بجائزة الهيئة العربية للمسرح بالشارقة    أنطينيو.. ثاني مواطن كوبي يشهر إسلامه بالبيض    جثمان محمد شراق يوارى الثرى بمقبرة الدار البيضاء بالعاصمة    الرئيس غالي يجري لقاءات و محادثات مع زعماء أفارقة بأديس أبابا    "كان 2018" سيدات: انهزام المنتخب الجزائري أمام غانا    الرابطة الأولى (لقاء مؤجل): جمعية عين مليلة تفوز أمام اتحاد بلعباس    حجز أكثر من قنطارين من اللحوم الفاسدة بمعسكر    برشلونة يكشف تفاصيل إصابة راكيتيتش    بالفيديو.. “كلود لوروا” يستفز بلماضي والخضر بطريقته الخاصة !!    السفير لؤي: لولا ماحدث في الجزائر سنة 1988 لما كان لنا وجود    مجلس الأعيان سترأسه شخصية مقترحة من الولاة    رفع الإنتاج من100 ألف طن حاليا إلى 200 ألف طن في المدى القصير        هكذا يستعد الجزائريون للاحتفال بالمولد النبوي    معرض “أوتو واست 2018” للسيارات في وهران من 9 إلى 15 ديسمبر    الزماقرة يمكنهم الاستفادة من التقاعد بالجزائر    الجوع يتحول وحش قاتل في اليمن    لماذا بكى رسول الله حتى ابتلت الأرض؟!    هكذا عاش الرسول    أبناء وبنات النبي صلى الله عليه وسلم    بركاني: رافضو التلقيح مجرمون    استمرار تساقط الأمطار الرعدية على هذه الولايات    الشيخ شمس الدين “يجوز لك تزكي على خوك إذا كان محتاج”    المخابرات الأمريكية تضع بن سلمان في ورطة    *تحسن متواصل* في التكفل بمرضى السكري    المديرية العامة للأمن الوطني تنفي خبر وفاة الشرطي المصاب بملعب 5 جويلية    تدفق الانترنت الثابت ينتقل إلى 2 ميغا مع تخفيض في التسعيرة    رفع قيمة التحويلات الاجتماعية لا علاقة له بالرئاسيات    بوتفليقة يجدد دعم الجزائر الكامل للقضية الفلسطينية    بوشارب: كلمة الفصل في قانون المالية 2019 كانت للأغلبية    المركب الأولمبي‮ ‬الجديد بوهران    تحديد مقاييس الإنجاز قريبا‮ ...‬زعلان‮: ‬    تسليم جائزة "المنارة الشعرية في وصف جامع الجزائر" يوم 16 ديسمبر    بالأمل و العمل    فرصة لإبراز مواهب الشباب في *الجرافيتي* و*صلام* و*الراب*    تجديد الثقة في بن دعماش للمرة الثالثة    35 ألف *حراق* جزائري في القارة العجوز    الوفاة الغامضة لمحمد بودربالة غيرت من تعامل مدريد مع * الحراقة *    الأطباء يدعون إلى احترام رزنامة التلقيحات السنوية للأطفال    تكتّم على البوحمرون بمستشفى *شي غيفارا *بمستغانم    نجاح التجارب الأولى لمشروعي التربية والصحة الالكترونية    ملتقى دولي حول"وسائل الإعلام وقضايا الساعة"    مشروع علمي طموح لرصد المخطوط الجزائري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الشاعرة الجزائرية زبيدة بشير.. هل عاش بورقيبة في زمنها ام عاشت هي في زمنه ؟
نشر في الحوار يوم 02 - 12 - 2009

عرفتها كما كثيرون في غفلة منها .. ذات بلد ..ذات زمن .. كان صوتها الجزائري يملأ أرجاء الاذاعة التونسية ويملا منازلنا التي لم يكن فيها وقتها أكثر من راديو صندوقي الشكل .. له عينان كبيرتان ..وجبهة عريضة يطل من أسفلها ثقبان مشتعلان بالأخضر والأحمر .. ضوء صوتها كان يخترق خشب الراديو ويتسرب إلى قلوبنا رطبا نديا كخيط ياسمين ..تمر السنون وتتعاقب الحقب وزبيدة بشير الشاعرة والاعلامية المخضرمة التي تحيا الان على رصيد حبها لله وللانسان وللخير والجمال لازالت على عهدها مع الكلمة المضيئة ..
مع المفردة الأصدق والمعنى الصافي .. هي من دربت القصيدة على أن تكون حياة ..وعلمتها كيف تصنع الفرحة وتطرز الوجود بكلمات شغوفة بنصرة الحب وإنتاج الجمال .. زبيدة بشير لم يغلبها العمر ولم يثنها الزمن عن التمسك براية الجمال ومعاني المحبة السامية .. لعلها لا تعلم أن غيابها عن الساحة الثقافية حضور متألق يضيء صفحات من ذاكرة ثقافية تاريخية..ذاكرة أجيال في الجزائر وفي تونس مفعمة بتلك العطاءات الإعلامية المشعة والإبداعات الشعرية التي أثرت بها المشهد الثقافي والعربي في فترة الخمسينيات والستينيات .. وأن صمتها كلام تنتعش له أرواح طالما عشقتها في قصائد باثخة القيمة جماليا ونضاليا وإنسانيا .. تغيرت الدنيا وتبدل الزمن .. والإلهام لازال متقدا .. والقصيدة لازالت على وفائها وصدقها مع زبيدة بشير .. وحدها الأسئلة زادت ووحده الشغف تكاثف فعرف كيف يجعل للحياة صياغة أخرى ويضفي عليها معنى آخر .. معنى يبحث عن طريق الوجود .. ويتساءل عن سر السماء .. هي الآن منجذبة إلى جماليات المطلق .. مأخوذة بحقيقة الحقيقة .. منخرطة في أشواق ومشاعر مفعمة برؤى بهيجة تعتمل في الوجدان فإذا هي إشراقة ربانية تترنم بعشق السماء.. الشاعرة الجزائرية زبيدة بشير المقيمة حاليا تونس الشقيقة، لمعت في الساحة الأدبية ودخلت عالم الكبار، وقدمها شعرها منذ عقود.. رغم البيئة المغلقة التي نشأت فيها، وكانت تنشر شعرها باسم مستعار هو ''لمياء'' وذلك لتخفي وجهها وراءه خشية نقمة والدها الذي كان لا يشجعها على السير في هذا الطريق، ولكنها بفضل مثابرتها وصمودها تغلبت على كل العواصف وشقت طريقها فشاركت في المسابقات ونالت الجوائز، وكتب عنها النقاد، واستضافتها عواصم عديدة، والتقت بالدكتورة عائشة بنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمان)، وأطلقت عليها''شاعرة العواطف المكلومة'' وكما التقت بالشاعر أحمد رامي الذي قدمها إلى الأوساط الأدبية في مصر، وكذلك يوسف السباعي وعبد الرحمان الشرقاوي ونزار القباني وغيرهم. وسن مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة (الكريديف) الموجود في تونس، جائزة تسمى باسمها، تمنح جائزة زبيدة بشير سنويا في عيد المرأة (08 مارس) لأحسن انتاج نسائي أو علمي.. تكريما للشاعرة التي كانت أول امرأة تصدر ديوان شعر في تونس سنة 1968 م تحت عنوان: حنين. وترجمت أعمالها بالروسية في انطولوجيا شعراء شمال افريقيا والعالم العربي ومحور هذه الترجمات 48 شاعرا من سبع بلدان وهي كما يلي: الجزائر، مصر، ليبيا، موريتانيا، المغرب، السودان وتونس. واستهلت الانطولوجيا بنشيد الثورة الجزائرية ''قسما'' لمؤلفه مفدي زكرياء أكبر الشعراء سنا. من الجزائر: مفدي زكرياء، محمد ديب، البشير الحاج علي، مالك حداد، كاتب ياسين، أبو القاسم سعد الله، محمد الأخضر السائحي، آسيا جبار، رشيد بوجدرة، حمري بحري، أحمد حدمي، ازراج عمر ومحمد الزتيلي. من تونس: محمد العروسي المطوي، الميداني بن صالح، مصطفى الفارسي، نور الدين صمود، وجعفر ماجد ويوسف رزوقة والمرأة الوحيدة زبيدة بشير.
قال عنها الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة أثناء استقبالها منوها بموهبتها ونبوغها: عندما يذكرالتاريخ هل يقول زبيدة عاشت في زمن بورقيبة أم بورقيبة عاش في زمن زبيدة؟ لاتنسي أن سيف الدولة عرفه الناس من خلال المتنبي وليس العكس!!
وشحت من طرف الرئيس زين العابدين بن علي بوسام الجمهورية.
منذ صغري كنت أسمع عنها عندما كنا في تونس نقطن بحي الجبل الأحمر، وكان والدي: نوار بلقاسم رحمه الله، الذي كان يعمل خضارا في سوق ''لافيات'' المشهور والقريب من الإذاعة التونسية، يذكرني بها عندما يسمعها في الإذاعة تنشط، ويقول لي إنها شاعرة جزائرية موهوبة ونابغة ومثقفة تملك كنزا من المعلومات الثمينة.. تعشق الأبجدية، حطمت الصخر للوصول إلى هذه المكانة مفندة عدة اتهامات ومنها الغرور الذي لا تعرفه ولا تؤمن به وليس له مكان في عالمها.. فهي ترفض هذا الادعاء بقولها: ليس لدي غرور ولكنه احترام الذات والاعتزاز بالكرامة.
ما خانني التعبير حيث أردته
فالحرف مملكتي وتاج فضائلي
إن كان لا يرجى لمثلي نائل
فالمجد عندي لا يقاس بنائل
طوبى لمن جعل السلام شريعة
يسمو بها عن كل نيل زائل
الضمير المطمئن خير وسادة للراحة.
جمعتني الصدفة بالشاعر عمر البرناوي قبل رحيله إلى جوار ربه، في الندوة الفكرية محمد العيد آل خليفة في طبعتها السابعة التي جرت بكوينين، وكنا نتجاذب أطراف الحديث، وإذا به يسألني عن ما سمعه عني حول مشروع كتاب أتحدث فيه عن المرأة السوفية وعلاقتها بالعادات والتقاليد تحت عنوان: جدتي.. في دائرة الفلكلور، وكانت من بين النساء اللاتي سألني عنها هي الشاعرة السوفية زبيدة بشير المقيمة في تونس، رائدة الكتابة النسائية في الشعر التونسي، وصاحبة ديوان ''آلاء'' 2002م، فعلمته بأنني ذكرتها من ضمن الأوائل في الإعلام والتنشيط الإذاعي والشعر الفصيح..
فالمرحوم عمر البرناوي يعتبرها من الشاعرات الجزائريات المحترمات اللائي أبدعن وقلن الشعر خارج الجزائر بروح سمحة وعواطف مكلومة.. فأوص بها خيرا وقال: ارحموا من يحن حنينا كبيرا إلى وطنه ويتعذب بصمت، فهي تقول عن نفسها: لا أحلم بيوتوبيا أو المدينة الفاضلة ولكن بانتصار كل ما هو طيب وجميل في الحياة فمن عمق الظلام ينبجس النور ومن الانكساد يولد الانتصار ومن الفحم يستخرج الألماس.
ستشرق الشمس مهما اشتدت الظلم
وجرحنا في رحاب الأمن يلتئم
فننشر النور في ذات كوكبنا
كأننا من ظلام الأمس ننتقم
ولدت زبيدة بشير في 08 فيفري 1938 م، بمدينة ساقية سيدي يوسف المناضلة، ونشأت في عائلة ''قمارية'' محترمة ومحافظة ومتواضعة تسمى ب ''أل السي'' (وأصبحت الآن تلحيق)، ويشهد لها الجميع بالورع والثقافة والإنشاد الديني، وتحفيظ القرآن الكريم للناشئة.. والارتباط بالزاوية التجانية. إن صعوبة المعيشة في سوف هي التي أجبرت والد الشاعرة للهجرة إلى تونس والتنقل في عدة مناطق فيها حتى استقر في العاصمة في سكن بحي سيدي عبد السلام العتيق.
لم تتلق تعليمها مدرسيا، بل انطلقت من الكتاب وحفظت القرآن الكريم، وثقفت نفسها في البيت تثقيفا ذاتيا، معتمدة على أمهات الكتب الأدبية والدواوين الشعرية والقواميس اللغوية على رأسها لسان العرب لابن منظور.. وتعلمت قواعد اللغة وتفتقت موهبتها الشعرية وحفظت الكثير من عيون الشعر القديم، وهذا ما ساعدها على تنمية التخيل والإدراك والتفهم.. وتلقت التوجيهات الشعرية من الأب الروحي لها، الشاعر مصطفى خريف، الناصح الأمين، والموجه البارع، والحارس الوفي، الذي حماها من الطابور الخامس (أعداء نجاح الشاعرة الذين استكثروا عليها أن تكون مبدعة من النوع الراقي والعالي، وصاحبة مكانة في الذاكرة العربية).
عملت مذيعة، ومنتجة، ومنشطة إذاعية منذ عام 1958 حتى ,1984 ثم تفرغت لأعمالها الأدبية.. ظهرت بدايتها الشعرية عام 1956 م بعد أن انتقلت مع أسرتها إلى العاصمة.
فازت بالجائزة الأولى من إذاعة باريس العربية ,1956 والجائزة الأولى من إذاعة تونس 1956م، شاعرة استثنائية بكل المقاييس، شاعرة عصامية تحدت الأمية، تنم قصائدها عن رفاهة حس ورقة شعور وشاعرية فياضة ونبوغ متفرد..
زبيدة بشير، أكدت شاعريتها منذ بدايتها، وهي تتحدى كل القيود، وتحطم كل السدود والعراقيل التي فرضها عليها مجتمها الضيق، واستطاعت أن تفتك حريتها بجدارة واقتدار وهي في عنفوان شبابها. إنها مثال حي المرأة العصامية التي استطاعت أن تثبت وجودها وتنحت بأظافرها وكل حواسها شخصيتها كماتريد هي.. لا كما يريد الآخرون..
فهي إنسانة ومبدعة، جمعت في تمازج عجيب بين القوة والضعف.. سيطرة العقل وطغيان المشاعر.. رفاهة الحس وجبروت الجلد.. مجموعة متناقضات متباينة ومع ذلك استطاعت أن تحقق المعادلة الصعبة لتعايش متلائم مع النفس ومع الآخرين، أما المبدعة فهي راهبة الشعر وقديسته.. في محرابه تتطهر الروح وتسمو النفس فينطلق الوجدان في ملكوت نوراني لا يخضع للمقاييس البشرية. يطلقون عليها اسم الشاعرة الغائبة الحاضرة لكن رغم غيابها فهي تكتب.. للصمت رسالة لا يفهمها الكثيرون. ترفض الإجابة عن عديد الأسئلة الخاصة كالحب في حياتها والعراقيل التي اعترضتها ومعاناتها وعلاقاتها بالإعلام وحياتها الشخصية ورأيها في شاعرات اليوم وغيرها.
وهذه بعض الأبيات كتبتها وعمرها 13 سنة من ديوان ''حنين''.
عيروني نكرات الجهل والحمق بحزني وشجوني
فاتركوني لا أنا منكم.. ولا فيكم خليق بحنيني
لي ديني غير أديان الورى في ثورتي أو في سكوني
دينكم حقد وبغض.. وأنا الإخلاص ديني
* * *
في بلادي كم يشقى الأديب الحر من البلاد
واعتقادي أن شعبي ألف التصفيق لا فهم المبادي
لن أنادي بالذي يعلمه حقا ضميري وفؤادي
ولنعش يا شعب موصوما بذل واضطهاد
تقول عن الشعر: الشعر ليس سلعة استهلاكية تنتجها المصانع والمعامل وتتطور بالتقنيات الحديثة فنستغني عن القديم بالجديد، الشعر لغة الروح ولسان الوجدان وخفق القلب ونبض الحياة مهما طال الزمن وتغيرت الظروف فحين نقرأ هذا البيت البليغ للمتنبي الذي كتب قبل ألف عام:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
أو هذه اللوحة التي جمعت بين جمال الصورة وبلاغة التعبير:
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المبتسم
هذا الشعر لم يقله أحد من شعراء ''الحداثة'' والتجديد، بل شاعر أسود موغل في القديم عاش في الجاهلية هو عنترة بن شداد.. من من الرجال لا يتمنى أن يناجي حبيبته بهذه الرقة والنعومة والسلاسة والأدب الرفيع؟ ستظل باقة الزهور أغلى بكثير من الرغيف على تباين الحاجة لكليهما. فالشعر هو (الرئة الثالثة) التي أتنفس بها كلما هزني شيء سلبا أو إيجابا وملاذي في حالات الخوف والأمن والغضب والرضا.. ومهما طال الزمن وانتشرت ثقافة الصورة تظل للشعر مكانته المتميزة ووقعه الجميل. تقارن بين زبيدة بشير المذيعة وزبيدة بشير الشاعرة فتقول: أحببت العمل الإذاعي وأديته بشغف وحماس ولما واجهتني ضغوط أحسست أنها ستؤثر على حبي له وربما على حسن أدائي الذي تعوده المستمعون فضلت الانسحاب.. عندها استأثرت الشاعرة بالمذيعة وحققت لي أو حققت لها أمنية طالما هفوت إليها وهي التفرغ للأدب وهذا حقق لي مزيدا من النجاح والتألق فرب ضارة نافعة:
إن اليمامة حين رف جناحها
لم تبق عن قمم الجبال بمعزل
بل زانها التحليق وهي جريحة
لينالها فخر الريادة بي، ولي
زبيدة بشير تقول عن نفسها:
''أنا طائر الفينيق الذي كلما احترق تجدد''.
''طائر الفينيق'' عنوان قصيدة للشاعرة وديوانها الثالث ولمن لا يعلم الفينيق هو: تقول الأسطورة أنه طائر نوراني عاش في الجنة وأراد أن يعرف الأرض فلما رأى ما فيها من أهوال صرخ صرخة قوية من الألم والغضب فاحترق. ولكن من رماده خرجت بيضة انبعث الطائر منها أقوى وأجمل.. ولطبيعته النورانية ظل هكذا كلما احترق انبعث حيا. وقد شبهت نفسي به.
ترفض تقسيم الأدب إلى أدب نسائي وأدب رجالي فتقول: الإحساس الإنساني والمواهب الخلاقة لا تختلف بين الرجل والمرأة. فالإنسان هو الإنسان، وليس له طقوس على الإطلاق فالقصيدة تملكني ولا أملكها.. أنا لا أكتب عندما أريد ولكن أكتب عندما يسيطر علي هاجس الكتابة، تنبجس القصيدة من داخلي متكاملة بموضوعها وبحرها وقافيتها بل وبعدد أبياتها مع بعض التعديلات الطفيفة عند مراجعتها..
على ضريح الحب:
الأمر أمرك إن رأيت سعادتي
والرأي رأيك إن رضيت شقائي
أهواك دوما في السعادة والشقا
لكن حبي لن يدل إبائي
قسما بحبك مارضيت بذلة
لي في التكتم لذة الإفشاء
إنلي لقيت من التعاسة في الهوى
ما لو تزايد لاستحال عزائي
لكن.. صدمت بأن حبك زائف
لا يستحق عواطفي ووفائي
فاترك هواك لكل بائعة هوى
أنا لا أبيع عواطفي وحيائي
- النبراس: تتضمن قصيدة النبراس الانتصار على الألم والتفوق على الأحزان. ''فالضربة التي لا تقتلك تقويك'' فعند الشاعرة الألم ليس مذموما دائما ولا مكروها أبدا، فقد يكون خيرا للإنسان أن يتألم.. وأن الشاعر الذي ما عرف الألم ولا ذاق المر ولا تجرع الغصص، تبقى قصائده ركاما من رخيص الحديث، وكتلا من زبد القول، لأن قصائده خرجت من لسانه ولم تخرج من وجدانه، وتلفظ بها فمه ولم يعشها قلبه وجوانحه.
وهذه بعض الأبيات:
أمسكت بالجمر في كفي فما احترقت
وإن بدت في عيون الناس تحترق
لأن عنصرنا في البدء متحد
فالنار بالنور تزكو حين ينبثق
يا لاحتراق الأماني في براعمها
يغتالها الصمت.. لانور ولا عبق
هل ضاع منا أوان كان يجمعنا
على التصافي.. به نبقى ونفترق؟
أصابنا الجدب حتى في مشاعرنا
كأننا في مسار التيه نستبق
طبع الكريم إذا ما الدهر ضرسه
يبقى كريما.. وإن ضاقت به الطرق
مناقب الناس ما تخفى ضمائرهم
وليس ما يدعيه العاجز النزق
فللمقادير شان ليس ندركه
وللمحاذير باب ليس ينغلق
في سنة 1968 م دعيت الشاعرة من طرف بلدية ساقية سيدي يوسف للمشاركة في إحياء ذكرى الساقية الجريحة (08 فيفري 1958) من غريب الصدف أن 08 فيفري هو تاريخ ميلادها - في الطريق إليها انتابتها مشاعر متباينة مزيج من الفرح والحزن.. اللهفة والخوف.. اللهفة إليها.. والخوف عليها فقد بلغها أن الساقية التي تعرفها وقضت فيها طفولتها أصبحت ركاما.. وبنيت قريبا منها ''ساقية'' أخرى.. ورغم معرفتها المسبقة بذلك صدمت بشدة وشعرت بالغربة والضياع.. بحثت عن قبر أختها بين الركام (قد يكون هو وقد لا يكون) وأمامه انهمرت باكية بحرقة ولوعة عليهما معا.. أختها والساقية، في الليل رغم المأدبة الفاخرة التي أعدت لها لم تذق شيئا وبقيت واجمة رغم محاولة الجميع التخفيف عنها، وعندما انفردت بنفسها انهمر الحزن شعرا.. قصيدة طويلة نشرت بمجلة ''الفكر'' بتاريخ 08 - 03 - 1968 منها هذه الأبيات:
أحقا أذل شموخك عات
وفي حق صفوك قد أذنبا؟!
وأزعج فيك هدوء الصباح
فلم تقبل الشمس أن تغربا
بحقك.. هل عاش فيك الطغاة
أساقية اليوسف المجتبى!
وأطفالنا الغر أضحوا يتامى
ووجه الزمان غدا مرعبا!
إذاك لأن الجزائر منك
تلاقي الحمى الأمن الطيبا؟
ولم تجرؤ على العودة إليها مرة أخرى..
وخلاصة القول فشاعرتنا المحترمة والرقيقة، قيدومة الشعر التونسي، التي ساهمت في تعبيد الطريق أمام المرأة التونسية والمغاربية في مجال الإبداع، اختارت بمحض إرادتها الابتعاد عن عالم الأضواء، والمظاهر الاستهلاكية الفارغة التي شملت كل شيء، وأصبحت تسيطر على تصرفات الناس وسلوكهم، مما أدى إلى ظهور نمط الذات المعتمدة أو الموجهة بالآخرين، ولا تعتمد في تقدير نفسها على محددات داخلية بقدر ما تعتمد على أحكام الآخرين وقبولهم لها. وهكذا تحولت إلى ذات خاضعة لا تملك من أمر نفسها شيئا.. وكذلك الارتماء في أحضان العبادة والتصوف والتأمل في هذه الحياة الفانية التي لم تكتمل لأي إنسان.
لكل شيء نهاية، فالدمعة نهايتها بسمة والبسمة نهايتها دمعة، فالحياة بسمة ودمعة انتظرهما في صفحات القدر.
الكاتب: نوار محمد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.