قدم الكاتب رفيق موهوب، أول أمس، بمركز الفنون في قصر رياس البحر، روايته "اللوكو" التي تستعرض جوانب من حياة الداي علي خوجة، هذه الشخصية التي تركت أثرا في تاريخ الجزائر، بمواقفها وإنجازاتها وأسس الحكم الجديدة، الذي اعتمدته، زيادة على تسليط الضوء على تلك الحقبة التاريخية الحساسة، التي شهدت تكالب ومخططات للنيل من إيالة الجزائر المحروسة. أكد المحاضر أن الداي علي خوجة أو "اللوكو"، وهو لقب أطلقه بعض القناصل الأوروبيين عليه، ويعني المجنون بالإسبانية، لجرأة مواقفه وقوته وبطشه وتحكمه في زمام الحكم، وصد المؤامرات الداخلية والخارجية عن الجزائر، ومما يذكر عنه، أنه كان يسير في موكب حراسة مهيب، يضم 200 رجل، وأنه نقل كنز الجزائر من القصبة السفلى إلى العليا على 400 بغل. وجد خوجة في مطلع القرن التاسع عشر، الجزائر إيالة قد بدأت تلفظ أنفاسها، جراء التكالب الأوروبي الذي بلغ ذروته، وأخذ أمر إخضاعها بمحمل الجد، ما فتح باب التحالفات ضدها، عكس ما عهدته من حروب منفردة، كانت تمارس فيها الإيالة حيلة الصداقة مع أغلبهم، لتتفرغ لعدوها، وتنطلي الحيلة عليهم جميعهم، فما إن تتفرغ لعدو وتقضي عليه، إلا وتنتقل لصديق أوهمته بالصداقة، فقط لاتقاء شره وإلزامه بمعاهدته وتقييده لثنيه عن التحالف مع غيره، إلا أن هذه الاستراتيجية لم توفق في آخر أيامها، خاصة في ظل ضعف السلطة الروحية بإسطنبول، واعتلاء كرسي الإيالة من طرف دايات، كان همهم الوحيد جمع الثروات وخدمة مصلحتهم الشخصية قبل العامة. تحمل الرواية، رغم واقعيتها التاريخية، بعضا من الدهشة وتفصل في حياة هذا الحاكم الغامض والمؤثر، فلقد كان موسوعي الثقافة، ومحنكا في السياسة والدبلوماسية، مسافرا عبر الإمبراطوريات، من أنقرة إلى مصر، حيث التقى بمحمد علي باشا، كما برع كلاعب في شؤون الحكم، ليصل إلى تولي أكبر منصب في البلاد، بعد عبوره متاهة من الدسائس والمؤامرات. أزاح الداي خوجة الأتراك عن مواقع السلطة، ليتولى الجزائريون أيضا تسيير شؤون البلاد، بعد أن أعاد هيكلة الحكم، وأسس أول نظام مالي حقيقي، وازدهرت التجارة في عهده كما لم تزدهر من قبل، وواجه الفساد الأخلاقي. كما ترصد الرواية يوميات الجزائريين في ميناء القصبة، وتعرض الحروب التي اجتاحت البلاد، منها القصف الإنجليزي للمحروسة، التي استطاعت في ظرف سنة واحدة، أن تقف من جديد بفضل أهلها وصمودهم الشرس. قال المحاضر، إنه اعتمد التاريخ كمادة أولية خام لروايته، أي أنه اقتبس من وقائع حقيقية، لكنه حملها بعضا من خياله وإبداعاته، وفي سياق حديثه، أكد ل"المساء"، أنه أحيانا يتخيل حوار وسجالات خوجة مع وزرائه، وأحيانا بعضها تحمل إسقاطات على راهن اليوم. كما أشار الكاتب الذي درس تخصص التاريخ، إلى أنه معتمد على المدرسة التاريخية الجزائرية، أي تثمين الإيجابي ونقد السلبي، كما هو في التاريخ، خاصة منه الحقبة العثمانية في الجزائر، عكس المدرسة الكولونيالية الفرنسية، التي هي دوما ضد هذا التاريخ والتواجد العثماني بالجزائر، مضيفا "من المؤسف القول، إن الفترة العثمانية مظلومة عندنا، خاصة عند جيل الشباب"، ليؤكد أن من ضمن مصادره التاريخية، كان كتاب "المرآة" لحمدان خوجة، الذي وصف الجزائر خلال هذه الفترة العثمانية، وخلال الدخول الفرنسي المحتل والفرق بينهما. قال المتحدث ل«المساء"، إن الحقبة العثمانية عندنا مغيبة ومظلومة، بفعل سطوة المدرسة الفرنسية الكولونيالية، وبالتالي كان من الواجب تقديم أطروحة أخرى، انطلاقا من المدرسة الجزائرية التاريخية التي بها، يتم إبراز الهوية الجزائرية بكل مكوناتها، ما يعتبرها أمانة تاريخية، وأن السكوت على الإيديولوجيات المخونة للفترة العثمانية، حسبه، خيانة، لأنها مرتبطة في مكنونها بالدولة الجزائرية، التي كانت قائمة قبل 1830.