يرسم شهر رمضان المبارك أسمى صور التضامن والتكافل الاجتماعي التي يجسدها أشخاص اختاروا أن يوجّهوا جهودهم لخدمة الصائمين؛ سعياً للتقرب إلى المولى عزّ وجل، وبحثاً عن الأجر، والمغفرة، والثواب. وفي الوقت الذي يكتفي البعض بالتصدق على الفقراء، يذهب آخرون إلى تجنيد أنفسهم داخل مطاعم الرحمة، والتفرغ لخدمة الصائمين. "المساء" كان لها لقاء مع أحد أقدم المتطوعين في مطاعم الرحمة بولاية البليدة، وهو المتطوع بلحاج بوعلام. وحول قصته مع العمل التضامني في مطاعم الرحمة، كانت لنا معه هذه الدردشة. بوعلام بالحاج ابن ولاية البليدة، متزوج وأب لثلاث بنات. تقني سامٍ في الصحة، وعلى مشارف التقاعد. آمن منذ سن مبكرة بالعمل التطوعي، الذي بدأه في سنوات الثمانينيات على مستوى مسجد بن جلول بقلب مدينة الورود. وهو المسجد الذي تعلم فيه أولى أحرف القرآن الكريم. قصته مع العمل التطوعي بدأت في سن 16، حيث كان يتطوع رفقة باقي رواد المسجد، لتنظيفه استعداداً لصلاة الجمعة. بعدها ارتقى العمل التطوعي ليشمل بعض الأعمال البسيطة خلال شهر رمضان، تمثلت في تقديم خدمات للمصلين الذين يختارون الإفطار في المساجد، من خلال توزيع التمر واللبن. وبعد أن ذاق حلاوة العمل التطوعي، تحوّل شيئاً فشيئاً إلى نمط حياة، فانخرط كمتطوع في المخيمات الصيفية الإسلامية الخاصة بتحفيظ القرآن الكريم، قبل أن يلتحق، لاحقاً، بالعمل الجمعوي في إطار قانوني منظم. ويقول المتطوع بوعلام إنّ لديه رصيداً في العمل التطوعي يزيد عن 40 سنة، بدأها من المسجد، ثم انتقل إلى التطوع الدوري والمستمر، مؤكداً أنه لا يشعر بالتعب أو الملل مطلقاً. ويضيف أن أحب الشهور إليه للتطوع الكامل هو شهر رمضان، حيث يتجند تماماً للعمل في مطاعم الرحمة بكل حماس وحيوية، ولا يشعر، مطلقا، بمرور الوقت. ويكشف أنه قبل زواجه كان يضطر لأخذ عطلة من العمل خلال شهر رمضان؛ حتى يتمكن من التفرغ كلياً لخدمة الصائمين في مطاعم الرحمة، بل إن الظروف كانت تحتّم عليهم أحياناً، المبيت في المطعم؛ ما كان يجعله لا يرى عائلته طوال الشهر الفضيل، مضيفاً: "كنت أفعل ذلك؛ لأنني أحب أن أسخّر نفسي للعمل التطوعي". ومن بين الصعوبات التي واجهها بالحاج بعد زواجه، صعوبة التوفيق بين العمل التطوعي والتزاماته العائلية، لكنه يؤكد أن زوجته اقتنعت سريعاً بقيمة العمل الذي يقدمه في سبيل الله، بل أصبحت تشاركه فيه، وتساعده، خاصة خلال شهر رمضان. وأكثر من ذلك، يضيف أن دعم زوجته وبناته اللواتي انخرطن بدورهن في العمل الخيري التضامني، زاده تمسّكاً بهذا الطريق. وعما إذا كان العمل التطوعي فطرياً أم مكتسباً، يرى بالحاج أن العمل الخيري توفيق من الله عز وجل؛ يقول: " إذا أحب الله عبداً مكّنه من فعل الخير ". ويضيف أنه اختار طريق الخير من خلال خدمة الفقراء والمحتاجين. ورغم أن هذا العمل لا يتقاضى عليه أجرا بل ينفق عليه أحياناً من ماله الخاص، إلا أنه يرى أثره في التوفيق الذي يلمسه في حياته العائلية، ونجاح أبنائه. ويختم المتطوع بالحاج حديثه بالتأكيد على أن العمل الخيري رغم ما يحمله من صعوبات، إلا أنه جعله يوقن بأن حب الخير لا حدود له، وأن من يعمل الخير يكسب محبة الناس، واحترامهم. كما يرى أن من يبدأ طريق الخير يجد التيسير من عند الله، مستشهداً بأنهم أحياناً يشرعون في فتح مطاعم رحمة دون أي إمكانيات، لكن سرعان ما تتدفق المساعدات من مختلف الجهات. ويضيف أنه خلال هذه السنة، ومن خلال مطعم الرحمة، تم في اليوم الأول فقط، تقديم أكثر من ألف وجبة للصائمين، معتبراً هذا العمل شرفاً كبيراً للمتطوعين، الذين يسعون من خلاله، لخدمة الصائمين؛ أملاً في نيل المغفرة والأجر العظيم في هذا الشهر الفضيل.