تتغيّر وتيرة الحياة داخل البيوت الجزائرية مع حلول شهر رمضان الفضيل، وتصبح المرأة محور كل التحضيرات اليومية والتفاصيل، بحيث تقع على عاتقها العديد من المسؤوليات المتعلقة في المطبخ وترتيب المنزل وكذا استقبال الضيوف، مرورا بالعناية بالأطفال والأسرة، علاوة على التزاماتها المهنية، فبعد أن تنهي ساعات عملها بجد وكد، هناك من النّساء من تدخل السوق لاقتناء متطلبات المطبخ لذلك اليوم الرمضاني لإرضاء ذوق الأبناء و"وحم الأزواج" الذي يصنع فارقا هاما على خلاف أيام السنة، إذ يصبح الرجل أكثر تطلبا بفعل الاشتهاء، لتجد المرأة نفسها في سباق مع الزمن يطبعه التعب ورغبة في اغتنام الأيام المباركة لقراءة القرآن والتعبّد. منذ الساعات الأولى للصباح، تنصرف العاملات لممارسة مهامهنّ على أكمل وجه، وهنّ يحملنّ تفاصيل طريقة تحضير في وجبة الإفطار، إذ غالبا ما يتم التخطيط المسبق للأطباق وكذا اقتناء المستلزمات من الأسواق، تقول إسمهان 40 سنة: "أسابق الزمن بعد خروجي من العمل، إذ أجد نفسي وجها لوجه مع زحمة المواصلات، فالكل يريد العودة إلى المنزل أو يقتني احتياجاته مما يشكّل ضغطا في الأماكن ينعكس على النّفوس، وفور وصولي أؤدي الصلاة ثم أدخل المطبخ مباشرة لتحضير الشوربة التي تعد أساسية جدا ويفضّل أهلي تناول الطازج منها، أي أن يكون قد مر على تحضيرها 48 ساعة مما يجعلها من الأطباق متكررة التحضير، علاوة على إعداد مختلف الأطباق التقليدية المحبوبة والمطلوبة كلحم الحلو الشطيطحة بمختلف أنواعها، إلى جانب صينية (الغرتان) بمختف أنواعها لاسيما وأن أبنائي يحبون الأجبان بأنواعها المختلفة، فأبقى هناك حتى أكمل كل التحضيرات وأحضّر الطاولة قبل الإفطار بعشر دقائق، بعدها ارتاح قليلا ثم أقوم للصلاة وقرأة ما تيسر من القرآن الكريم، ثم أحضر صينية الشاي أو القهوة وأفضّل النّوم قبل الساعة 11 ليلا لأنه يستوجب عليّ القيام باكرا". الوقوف لساعات طويلة في المطبخ لتحضير أطباق تقليدية تشتهر بها الموائد الجزائرية في رمضان، هو سمة نشاط المرأة، إذ تحرص على تحضيرها مثل الشوربة والبوراك والسلطات والحلويات كلها تضفي طابعا خاصا على الشهر الكريم، إلا أنها قد تتحول أحيانا إلى عبء جسدي ونفسي على المرأة تقول سميرة 54 سنة: "أحرص يوميا على إعداد الأطباق التي يحبّها أبنائي منها التقليدية وأخرى عصرية، أحدهم يطلب يوميا البطاطا المقلية والبوراك... أحيانا أقف في المطبخ أكثر من خمس ساعات لأجد قدماي قد تورمتا مع أذان المغرب، لكنني أكرر يوميا دخولي وأطبخ لعائلتي بكل حب". أكدت الكثيرات ممن تحدثت إليهنّ "المساء" من عاملات وأمهات مرضعات وحوامل أنهنّ يجدن في التعب والجهد سعادة وحلاوة، لأنهنّ يدركن جيّدا أجر إطعام الصائمين، علاوة على المزايا والثمار التي تقطفنها من هذا التعب حيث تتحول لحظات الإفطار الجماعي في البيوت إلى مصدر سعادة حقيقية، تعوض ساعات الوقوف الطويلة في المطبخ لتحضير ما لذّ وطاب، في حين تعمل أخريات على إسعاد أشخاص خارج البيت من خلال المساهمة في مطاعم وموائد الرحمة دون شكوى ولا ملل تقول الشاف رقية: "الوقوف في المطبخ لإسعاد أهل البيت أو دخول مطبخ مطاعم الرحمة كلها خير، لأن ذلك التعب فيه أجر عظيم، فعلاوة على أجر الصيام هناك أجر إفطار الصائمين لهذا أجد حلاوة في تقديم الخدمة". تحقيق التوازن بين العبادة والسعادة تسعى الكثير من السيّدات لتحقيق التوازن بين العمل خارج البيت، ودخول المطبخ وجني الحسنات التي يتنافس عليها الجميع في هذا الشهر الفضيل، إذ تحرص المرأة على عيش روحانية الشهر، فالأيام معدودة والحسنات غير محدودة ويا باغي الخير أقبل... وهو ما يجعل الكثيرات يعتمدن برنامجا لتحقيق المعادلة عبادة وسعادة، تقول وفاء 47 سنة أم لأربع أبناء: "أيام رمضان ولياليه ثمينة جدا، ولهذا أسعى لتحقيق التوازن، إذ أتحدث لأهلي جميعا وأسألهم عن الأكلات التي يريدونها، وغالبا ما أحضر الطعام يوم بيوم، أي أنني أحضّر طبقين رئيسيين حين أدخل المطبخ أحدهم يستهلك في ذلك اليوم والأخر يترك في الثلاجة ليتم تناوله في اليوم الموالي، وهو اليوم الذي لا أحتاج فيه لدى دخولي المطبخ لأكثر من ساعة ونصف أحضّر فيها السلطة والفاكهة وأسخن الطعام ليبقى يومي كاملا لقراءة القرآن والصلاة في الليل، فإذا تسنت الفرصة خرجت لصلاة التراويح وإلا صليت في البيت". أخذ الراحة ضرورة وتنظيم الوقت ضروري أوضحت "نسرين. أ" مختصة نفسية، أن الكثير من المسؤوليات تقع على عاتق المرأة خلال الشهر الفضيل في مجتمعنا، على غرار إرضاء الزوج والأهل والأبناء وكذا استقبال الضيوف وإظهار المهارة في الطبخ وحسن الضيافة، وهو الأمر الذي يشعرها بمسؤولية إنجاح الأجواء الرمضانية داخل البيت للحفاظ على الهدوء، خصوصا أن الطباع تتغيّر مع الشهر الفضيل بسبب قلّة النّوم و "النرفزة" واشتهاء الكثير من الأطباق، إذ يقع على عاتقها تحقيق كل هذه المسؤوليات، بالإضافة إلى إكمال واجبها المهني ما يجعلها تضحي بوقتها وراحتها في سبيل إسعاد الأسرة وتحقيق التوازن. وأضافت: "لابد أن تحرص المرأة على تنظيم وقتها خلال رمضان، وأخذ فترات راحة وعدم المبالغة في تحضير الأطعمة، لاسيما بعد انقضاء الأيام الأولى إذ تقل الرغبة في تنوّع الأطباق، فلابد من وضع برنامج مدروس يوازن بين العمل، العبادة والطبخ". حق الملح عادة تحتاج للإعادة كانت ولاتزال بعض العائلات الجزائرية تحافظ على عادة "حق الملح"، وهي عادة تشكر من خلالها النّساء على جهودهنّ طيلة الشهر الفضيل، ووقوفهنّ في المطابخ لمدة طويلة مع حرصهنّ على تقديم أشهى الأطباق لأفراد الأسرة، فيكون رد الجميل أو الالتفاتة إلى ذلك الجهد المبذول ّبحق الملح أو "حق اليد"، إذ يوضع في صبيحة العيد مبلغ من المال في فنجان من فناجين صينية القهوة على قدر استطاعة الزوج، كما يقدمه الأبناء للأم مع تقبيل يدها وهي من العادات العريقة التي لاتزال تشهد حضورا في مختلف ولايات الوطن".