منطقيا، ليست هناك مشاكل فوق الحلول، عقل الإنسان و إرادته هما الفيصل دائما بين المشكلة وحلها، وهناك مشاكل تبدو في أول وهلة أنها كبيرة والقضاء عليها قد يتطلب معجزة، لكن حلولها تظل دائما بسيطة ما إن توفرت إرادة الإنسان في القضاء عليها. عندنا في الجزائر مثلا، أضحت مشكلة التنقل عبر الطرقات، ومنها على وجه الخصوص الطريق الوطني رقم 5 في محوره الرابط بين العاصمة وولاية البويرة ظاهرة مسببة للقلق والإحباط في نفسية سائقي السيارات وركابها على حد سواء. عبر محور يمتد على مسافة 80 كيلومترا لا أكثر، قد يحتاج صاحب السيارة إلى يوم كامل، وفي أحسن الأحوال إلى أكثر من ثلاث ساعات لقطع المسافة، وخلال هذه المدة الزمنية التي ترافقها قصص كثيرة، يتحول التنقل إلى عقوبة كبيرة ومصدر لكثير من المتاعب، ولا بد هنا أن يتفق الجميع حول سؤال واحد.. لماذا لا يفكر أهل الحل والربط في حلول لهذا المشكل؟ قبل أسبوع واحد، أكد الكثير من مستعملي هذا المحور أن تنقلهم من العاصمة إلى مدينة الأخضرية " 70 كيلومترا فقط"، تطلب منهم ست ساعات كاملة، وعندما نحسب هذه المدة الزمنية بحسابات اقتصادية، نجدها حتما تعني أشياء كثيرة، فقد ينظر إليها المتجولون ممن نسميهم " فارغين شغل" على أنها فسحة في ربوع بلدنا المتنوع جغرافيا، ولكن أي متعامل اقتصادي ينظر إليها من باب أنها " وقت ضائع" ومصالح ملغاة، ناهيك عن الإحباط الذي تسببه هذه الوضعية لسائق أو مسافر قد يكون على موعد مصيري، عندما يجد نفسه أمام طابور لا يعلم أين ومتى ينتهي.. ويذهب الكثير من المختصين إلى أن نسبة كبيرة من حوادث المرور التي جعلت من الجزائر في مقدمة الدول المعنية بهذه الحوادث عالميا، مردها إلى الضغط الكبير الذي يقع فيه السائقون عبر طرقات مزدحمة، ذلك أن طاقة التحمل لدى الإنسان محدودة مهما كانت طبيعته وقوته، وقد يدفع به هذا الضغط إلى ارتكاب الكثير من الحماقات من دون أن يشعر. نتصور جميعا أن إطارا أو عاملا في مؤسسة اقتصادية أو مالية، أو أي شركة صناعية منتجة، يقطع هذه المسافة يوميا " البويرة _ الجزائر" بواسطة سيارته الخاصة أو سيارة نقل، وبعملية حسابية بسيطة، نجد أن هذا الإطار أو العامل البسيط يخسر مالا يقل عن ست ساعات يوميا في التنقل ذهابا وإيابا، ولما كان يوم العمل يتضمن 8 ساعات، فإن الباقي أمامه هو ساعتان، يضيع منهما النصف في مشاغل أخرى يفرضها المزاج الجزائري، وهنا يطرح السؤال.. كم بقي للعمل من وقت؟ سؤال، يمكن لكل واحد أن يتصور له جوابا، وبعيدا عن ذلك دعونا نسأل أنفسنا جميعا، كيف نقضي على هذه المشكلة الخطيرة التي تهدد الإنسان والاقتصاد؟ قبل نحو ثلاث سنوات، أذكر أنني طرحت السؤال نفسه على عضو في الحكومة الجزائرية بدرجة وزير، وأذكر أيضا أنني أطنبت في تصور الحل انطلاقا من الاعتماد على النقل البحري، مثل كثير من الدول التي واجهت هذه المشكلة، وقلت يومها للوزير إن الاعتماد على النقل البحري يمكن أن يضمن نتائج باهرة، ذلك أن من يقصد العاصمة انطلاقا من مدينة البويرة مثلا أو تيزي وزو، يعمد إلى ركن سيارته بمدينة بومرداس ويدخل العاصمة عن طريق البحر، وكذلك الشأن بالنسبة لسكان الساحل العاصمي، ويمتد الحل ليشمل خطوطا أخرى إلى غاية تنس بولاية الشلف، والنتيجة المباشرة أن العاصمة تتحرر من ضغط السيارات، وزوارها من هذه المناطق يربحون وقتا طويلا، ويتحرر مناخ العاصمة من التلوث الذي يسببه دخان السيارات، وتقل حوادث المرور وتنتعش حركة السياحة الداخلية..و..و..، لكن الوزير رد عن ذلك بقوله إن المسألة مطروحة على الوزارات المعنية في انتظار ميلاد المشروع.. أذكر هذه الواقعة لأنني أعتقد، بل وأجزم أن كثيرا من المشاكل التي نراها عويصة، قد تهون أحيانا أمام حلول بسيطة، يكفي فقط أن نتسلح بالإرادة ونبادر، ذلك أن " المستحيل" يولد لحظة إعلان تعطيل العقل والإرادة.