«أغلب المنشآت ستسلم في نهاية ديسمبر الجاري»    فلسطين تمنح الرئيس تبون "القلادة الكبرى"    بناء مجتمع المستقبل المشترك    الجزائر تدعو إلى تصور موحد للاستجابة لانشغالات المواطنين    نحو تصنيع 3000 سخان مائي يعمل بالطاقة الشمسية    ينبغي توسيع المساحات الفلاحية لتقليص فاتورة الاستيراد    رفع العراقيل البيروقراطية عن 500 مشروع صناعي    الجزائر وفلسطين تُصدران بياناً مشتركاً    إنهاء الانقسام وحماية منظمة التحرير الفلسطينية    لن ننخرط في أي عملية سلام في ظل تواصل الارهاب المغربي والصمت الأممي    اجتماع تنسيقي للوفد البرلماني المشارك في الندوة الأوروبية للجان مساندة الشعب الصحراوي    مجلة الجيش تفتح النار على المخزن    كأس العرب: الجزائر تتعادل أمام مصر (1-1)    15 ملفا أمام العدالة بسبب الفساد في الاتحاديات الرياضية    بلعريبي يعاين مدى تقدم أشغال المركب الأولمبي    استيراد 17 ألف علبة من مضادات سرطان الأطفال    3 وفيات...197 إصابة جديدة وشفاء 161 مريض    إلغاء 307 عقد امتياز بسبب عدم تجسيد المشاريع    للشرطة ابتكارها أيضا    ندوة للتضامن مع الشعب الصحراوي    منافس جديد لنيوكاسل على ضم ديمبلي    أسباب آلام أسفل البطن عديدة    عنابة: حجز 20 كلغ مخدرات وتوقيف شخصين    الأيام الوطنية فتيحة بربار لمسرح الشباب ببومرداس: افتتاح على وقع التكريمات و الفنان الليبي علي أحمد سالم يخطف الأضواء    في الدورة السادسة لمهرجان القدس السينمائي الدولي    اجتماع منظمة التعاون الإسلامي    استكمال مشاورات التعاون    "الكرابس".. مغنم للتكوين وتخريج الأكفاء    2022 سنة اقتصاد بامتياز    الجزائر تدعو إلى تصور موحد للدول العربية    تقاعس البلديات يُطيل المعاناة    مضاعفة ساعات العمل لتسليم المنتزه قريبا    «نفطال» تتدخّل لنجدة تلاميذ المناطق النائية    221 مؤسسة فندقية آفاق جوان 2022    الرئيس تبون يمنح الرئيس محمود عباس وسام أصدقاء الثورة الجزائرية    «استقبال أزيد من 60 شكوى لمستثمرين واجهوا عراقيل بيروقراطية»    استعراض تجربة فاطمة قالير    احتفاء بالمهرّج ومفاجآته المبهجة    تظاهرة "أيام القصبة" تتصدّر المشهد    جامعة الفِتن !    وفد مولودية وهران يتنقل اليوم إلى بشار عبر القطار    «المولودية تمرّ بمرحلة حرجة وتحتاج إلى مساندة الجميع»    ممارسو الصحة في وقفة احتجاجية بالمؤسسات والمستشفيات    فتح مستشفى ڤديل الجديد لاستقبال المصابين قريبا    ملتقى وطني عن فلسفة التصوف وسؤال القيم    خمس استشارات لمعنّفات تقدَّم يوميا بخلايا الإصغاء    تنظيم أيام للفيلم النرويجي بالجزائر    البروفيسور بوعمرة : الإسراع في التلقيح يعزّز المناعة    الشارع المغربي متمسك بتصعيد الاحتجاجات الى غاية اسقاط اتفاق التطبيع المشؤوم    نحو تصنيع 3 آلاف سخّان يعمل بالطّاقة الشّمسية    انتفاضة شعبية مرتقبة يوم الجمعة بالمغرب    عصّاد يطلّع على جهود ترقية اللغة الأمازيغية    ظاهرة فلكية تشهدها سماء الجزائر    ولادة قيصرية للأميار    قالمة : انقطاعات مستمرة للكهرباء بعدة بلديات    أقسم أن هذا البلد محروس..    الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم    هذه قصة الصحابي ذي النور    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حقيقة الصيام والإمساك
نشر في المواطن يوم 30 - 07 - 2010

الصيام في الإسلام هو حبس النفس عن الإسراف في الشهوات، وكبحُ جماحها عن كل سوء، وتعويدٌ لها على الانضباط في الأكل والكلام والأخلاق، وشهوتا البطن والفرج أعتى وأشد شهوات الإنسان انفلاتا، وكذلك اللسان، فمن استطاع أن يحفظ نفسه خلال فترة الصوم من هذه الشهوات الموبقة كان على غيرها أقدر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يضمن لي ما بين لَحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) أخرجه البخاري. فالصيام للجوارح كابح، والشبع الدائم للإنسان يجعل أعضاءه في كامل طاقاتها ويجعل نفسه كذلك، واللسان أداة للتعبير عن النفس، فمهما كان في النفس من شرود عن طريق الله ظهر في اللسان، وفي اليد والرجل، وفي السلوك والعمل، فحبس النفس عن شهوة الطعام إضعاف لها عن الانطلاق في أي طريق، وترويض لها على الانضباط على الطريق الشرعي الصحيح.
ففي الصيام كف للنفس عما لا ينبغي لها، وعما يُشينها من الأقوال والأعمال والأخلاق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصيام جُنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم) متفق عليه. وما لم يُحقق الإنسان من صيامه هذا الجانب فلا حاجة لله أن يدع طعامه وشرابه، ورب صائم حظه من صيامه إلا الظمأ. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) أخرجه البخاري.
إن المقصود الأسمى من عبادة الصيام طاعة الله وتقواه، فالتقوى هي الخُلق الذي علق الله عليه نجاح المسلم في الدنيا وفلاحه في الآخرة، قال الله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ) (الطور: 17) وقال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) (القمر: 55)، فالتقوى خلق عظيم، يستوجب لصاحبه الجنة، وحتى يستجمعه المسلم في قلبه ليكون له خلقا لابد أن يسلك له سبله، وينطلق إليه في طرقه، وأهم الطرق المؤدية إلى التقوى: الصيام والقيام، والدعاء وقراءة القرآن، والإنفاق في سبيل الله، والصبر والاعتكاف، والتوبة والاستغفار، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183)، وشهر رمضان هو الذي يسير به المسلم في كل طرق التقوى بشكل عفوي، ففيه تفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين، وفيه تكثر الصدقات، وتزداد الأعمال الصالحة، وتكثر تلاوة القرآن، فما ينتهي شهر رمضان إلا وقلب المسلم قد امتلأ نورا وإيمانا وتقوى، وتحلى بأحسن الأخلاق، وتلذذ بطاعة الله وعبادته، ومن أعظم ما يعلمنا الله عز وجل بالصوم يعلمنا كيف نحافظ على الأمانة وأدائها وأن لا نضيعها أبدا، ولا نفرط فيها، وذلك في صورة الإمساك عن الطعام والشراب أثناء الصيام، دون الحاجة إلى مراقبة أحد إلا الله عز وجل، فتراقب نفسك في كل الأحوال دون الحاجة إلى رقيب من الناس، وهذه هي حقيقة المسلم.
والصوم شكر لله تعالى من حيث كونُه عبادة، والعبادات مطلقا شكر من العبد لمولاه على النعم التي لا تحصى، وفي الصيام تصفو نفس العبد وتخلُص روحه من صفة البهيمية وترتقي إلى صفة الملائكية التي مزاجها الطاعة ولزوم العبودية.
والإنسان إذا صام وأمسك وذاق مرارة الجوع لان قلبه وحصل عنده عطف ورحمة على الفقراء والمساكين الذين لا يجدون ما يكفيهم من القوت، فيتصدق عليهم ويحسن إليهم، فيجب أن يشعر العبد أثناء الصوم أنه هبط إلى الفقير في حالته الغذائية فيعرفها ليُشفق عليه، والبدن مع العمل يكل ويمل، ويحتاج إلى أن تستريح أعضاؤه وقتا لتستعيد نشاطها، وكذلك جعل الله للمعدة وقتا تستريح فيه كما يستريح غيرها، فليس مِن أرحمٍ بالناس من رب الناس لو كان الناس يعلمون.
والصوم قمع للنفس عن شهواتها، والانهماك في الطعام والشراب والملاذّ يطغي النفوس ويجعلها لا ترحم الضعفاء، ولا تعطف على البؤساء، لأنها لا تحس بما هم فيه من ألم المسغبة والفاقة، فمن استطاع قمعَ نفسه ومنعها من بعض المباحات التي تفضي إلى البطر والاستطالة على الناس وغمط الحق، استطاع منعها من الحرام والإجرام والفساد والطغيان.
والله عز وجل يريد من عباده المؤمنين أن يكون شهر رمضان شهر زهد وتعبد، وبر بالفقراء والمساكين والبائسين، وصون للمعدة واللسان والقلب، وتطهير للجسد من الأخلاط الرديئة، وتطهير للروح من سوء الأخلاق الردية، فما أعظم منافع شهر الصيام وما أكثر بركته، وإن الناس لفي حاجة إلى العلم بحكمة العبادات قبل التعبد بها، أكثر من حاجتهم إلى معرفة أحكامها، قال الله تعالى: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 184).
فطوبى لقوم عرفوا معنى الصوم، فدفعهم صوم رمضان إلى الإكثار من صوم النافلة فكان رمضانهم دائماً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله بعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً). وأخرج الترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض). ولما فقه الأولون منافع الصيام وحقيقته ما مات عمر رضي الله عنه حتى سرد الصوم واخضرّ جسده، وقُتل عثمان رضي الله عنه وهو صائم. وأبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (لَصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل)؛ قال عنه أنس رضي الله عنه: إن أبا طلحة صام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة لا يُفطر إلاّ يوم فِطْر أو أضحى. وقال أبو زرعة الدمشقي: إن أبا طلحة عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة يسردُ الصوم، وعن عبد الرحمن بن القاسم أن عائشة رضي الله عنها كانت تصوم الدهر، أي: تسرد الصوم سردا. وعن نافع قال: ماتت حفصة رضي الله عنها حتى ما تُفطر. وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما كان يصوم يوماً ويفطر يوماً؛ كصيام داود عليه السلام وهو أحبُّ الصيام عند الله. وقال نافع: كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يصوم في السفر، ولا يكاد يُفطر في الحضر. وعند أحمد: كان أبو أمامة وامرأته وخادمه لا يُلْفَوْن إلا صياماً. وعند ابن حبان كان أبو أمامة لا يُرى في بيته الدخان نهاراً إلاّ إذا نزل بهم ضيف، فإذا رأوا الدخان نهاراً عرفوا أنه قد اعتراهم ضيف. وكان الصحابي الجليل حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه يسرد الصوم. فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل الجنة مأواهم، ورزقنا من العمل مثلهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.