وقفة مع ذكرى مجازر الثامن ماي ** مساهمة: الشيخ أبو إسماعيل خليفة * إنّ القرآن الكريم لم يكتف بتحريض المؤمنين على إباء الضيم ونبذ الظلم وإيثار العزة تعريضا صريحا وتوجيها مباشرا بل ضرب الأمثال في الأمم السالفة التي استجابت لدعوات الحق وتابعت رسل الله واستشعرت العزة وتمردت على المذلة فكان جزاؤها كريما وثوابها عظيما حيث خاضت المعارك من أجل عقيدتها ومبدئها ولم تهن ولم تضعف بل صبرت وصابرت وكافحت وناضلت حتى ظفرت وانتصرت وذلك بفضل الله العزيز الذي يحبّ الأعزاء. قال الله تعالى: {وكأين من نبئ قتل معه ربيّون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين}. آل عمران: 146. وإن في السيرة النبوية ما يهدي أتباع محمد صلى الله عليه وسلم إلى منهج الشرف وطريق العزة. فالهدي النبوي الكريم يعلم الإنسان ألا يرضى الدنية في دينه ولا دنياه بل يحفظ لنفسه حقها ويدافع عن هذا الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلا. فإن مات دونه فهو شهيد وإن انتصر عاش عيشة الأحرار. قصة الثامن ماي وما أحداث (الثامن ماي 1945) إلا خير مثال حيث أن الرئيس الفرنسي ديغول قد وعد ببرازافيل عام 1944 بإعطاء الحكم الذاتي للمستعمرات الفرنسية بما في ذلك أقطار المغرب العربي إن هي وقفت بجانب فرنسا في مواجهة الجيوش الألمانية وتخلّصت من الاحتلال وتصديقا لهذه الوعود اندفع خيرة أبناء الشعب الجزائري للقتال يحدوهم الأمل بالنصر وتحرير بلادهم فدفع بذلك الشعب الجزائري عشرات الآلاف من القتلى وضعفهم من المعطوبين وانتهت الحرب العالمية الثانية وانتصر الحلفاء على ألمانيا وكانت الإحتفالات بعيد النصر. وخرج الشعب الجزائري هو الآخر ليعبر عن فرحته بالنصر والإستقلال حاملا العلم الوطني لكن الأحقاد الصليبية الدفينة ما لبثت أن تجلّت من جديد في صورة أكثر وحشية حيث قام جلادو العدو بتسليط جامّ غضبهم على الأهالي العزّل دون تمييز ومن المدن التي تعرضت أكثر من غيرها للإبادة والدمار كما تعرفون سطيف وقالمة وخرّاطة . في مثل هذا اليوم أيها الكرام طبّق العدو أساليب النازية وزاد عليها فدمّر القرى على من فيها. انتهك الحرمات فتح بطون الحوامل فتح نيران أسلحته بالأزقة ووسط القرى دون تمييز بين الصغير والكبير فالجزائريون أمامه سواء. وكان من نتيجة هذه الأعمال الوحشية استشهاد: 45 ألف مواطن واعتقال: 1500. قال الشيخ البشير الإبراهيمي عليه رحمة الله يصف هذا اليوم: إن هذا اليوم أزهقت فيه الأرواح كأنه أوسمة شرف للتضحيات التي قدّمها الشعب الجزائريلفرنسا أثناء الحروب بلا مقابل. بحيث ألحق الشباب الجزائري بجبهات القتال في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل بعد أن ملأ الإستعمار أعطافه بالتمنيات والوعود الكاذبة ثم سرعان ما انقلب عليه وجازاه جزاء سنمّار . (عيون البصائر الجزء: 2). إيمان بحتمية الكفاح المسلح ما كانت هذه المجازر إلا لتزيد أبناء الجزائريين المخلصين لوطنهم إيمانا بحتمية الكفاح المسلح لنيل حياة العزة والكرامة وتضع حدّا لأحلام بعض السياسيين وتؤكد أن الأساليب السياسية لا تجدي نفعا مع عدوّ اغتصب كل شيء المال والأرض والأعراض بالحديد والنار.. أيها الأحبة: قال الله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}. إبراهيم:5. إن كل الأيام أيام الله ولكن المقصود هنا أن يذكرهم بالأيام التي يبدو للبشر أو لجماعة منهم أمر بارز أو خارق بالنعمة أو النقمة. ففي هذه الأيام ما فيه بؤس ففيه آية للصبر وما فيه نعيم فهو آية للشكر. والصبّار الشكور هو الذي يدرك هذه الآيات ويدرك ما وراءها ويجد فيها العبرة والعظة كما يجد فيها تسرية وتذكيرا. فيوم 8 من ماي يومٌ للذكرى والتذكر يقول فيه الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله: يوم ليس بالغريب عن رزنامة الاستعمار الفرنسي بهذا الوطن فكم له من أيام مثله ولكنّ الغريب فيه أن يجعل عن قصد ختاما لكتاب الحرب ممن أنهكتهم الحرب على من قاسمهم لأواءها وأعانهم على إحراز النصر فيها. ولو كان ذا اليوم في أوائل الحرب لوجدنا من يقول: إنه تجربة كما يجرب الجبان القوى سيفه في الضعيف الأعزل . لقد كان الاستعمار الفرنسي بحق أسوأ استعمار عرفته البشرية وكانت ثورة التحرير أعظم ثورة عرفتها البشرية ولا فخر وإرادة الله أقوى وأجل. محطة هامة ويوم 8 من ماي محطّة من أهم المحطات في تاريخ الجزائر التي تستحق كل الاهتمام والتقدير ولنتذكر جيدا أن استقلالنا واسترجاع سيادتنا الوطنية ما قدم لنا هدية سائغة أو عطاء لا مقابل له بل جاء نتيجة لتضحيات جسام لم يشهد التاريخ لها مثيلا وهل كان لفرنسا أن تصغي لمفاوضاتنا أو تستجيب لمطالبنا لولا ثورة نوفمبر المجيدة التي أخذت تشق طريقها نحو فجر الحرية والسيادة تحت قوافل الشهداء الأبرار فنحن - كما قال شاعر ثورتنا رحمه الله: لم يكن يصغ لنا لما نطقنا * فاتخذنا رنة البارود وزنا وحفظ الله شيخنا وأستاذنا المبروك زيد الخير إذ يقول عن الجزائر وثورتها: يا صاغة التاريخ كم في موطني * من آية تفضي لمجد مشترك يسمو بها شعبي ويصعد للعلا * ويعاف أن يبقى يؤرجح في الدرك يا دهر أنا جزائري في وحيها ** تسمو على الدنيا وتصعد للفلك والأمنيات مطامح لا تنتهي ** قالت لشعبي بعد عسر: هيت لك كونوا خير خَلَف.. لخير سلف إننا اليوم عندما نستحضر تاريخ كفاح أبطالنا في سبيل تحقيق حرية واستقلال وسيادة الجزائر ندرك معنى التضحية التي امتزجت فيها الدماء الزكية بثرى الأرض الطاهرة النقية وذلك عبر عقود من الزمن كما ندرك معنى الوفاء والإخلاص لجزائرنا المحروسة بإذن الله في ظل الوحدة والأخوة والألفة بعيدا عن كل ما من شأنه أن يعكر الصفو فاحيوا جميل مفاخرِ وطنكم وأمجادِه وأحرصوا على الوفاء له وإِسعادِه فإنَّكم عليه أُمناء فكونوا له نعم الأَبناء بالحرص على تحمُّل المسؤولية في مسيرة البناءِ والإخلاص له وحسن العطاءِ. كونوا خير خَلَف لخير سلف سيروا على درب الأُلى الذين ساروا على نهج الهدى وتدربوا على التضحية والفداء. صِلُوا الحاضر بالماضي لتبلغوا أرفع مدارج العزّ في العاجلة وخيرَ منازلِ المقرّبين في العقبى.. ولا تنسوا أو تتناسوا فضل من أكرمنا الله وأحسن إلينا بسببه خصوصا إذا كان ذلك المحسن قد ضحى بحياته من أجل سعادتنا وسيادتنا وهذا ما فعله الشهداء الأبرار من أجلنا ولسان حالهم يقول: واقض يا موت فيّ ما أنت قاض * أنا راض إن عاش شعبي سعيدا أنا إن مت فالجزائر تحيا * حرة مستقلة لن تبيدا نسأل اللهَ سبحانه أن يغمر أرواح شهدائنا الذين عبدوا لنا طريق العزة والكرامة برحمته وأن يمتّع المجاهدين الباقين بالصحة والعافية وأن يمكّن لناشئتنا من أسباب الرقي والسؤدد ما يجعلهم خير خلف لخير سلف..